24 April, 2024
Search
Close this search box.
الليرة اللبنانية الى أين بعد انتهاء ولاية الحاكم؟
Spread the love

تُثير مواقف نواب حاكم مصرف لبنان عشية انتهاء ولاية الحاكم في 31 تموز الجاري، إن لجهة تهديدهم بالاستقالة او لجهة طلبهم اصدار تشريعات مالية ونقدية تقونن تدخل المصرف في سوق القطع، التساؤل حول السياسة النقدية التي يعتزمون تطبيقها. كما تطرح مواقفهم من منصة صيرفة وضرورة استبدالها بمنصةٍ أخرى تتمتع عملياتها بالشفافية ولا توفر مكاسب للمتنفذين على حساب المال العام واموال المودعين، مستقبل العملة الوطنية وسعر صرفها مقابل الدولار الأميركي.
خاصةً وأن الدرك الذي وصلت اليه الليرة بفعل الازمة التي تجتاح الاقتصاد اللبناني غير مسبوق، على الرغم من أنها ليست المرة الأولى التي تتدهور خلالها قيمة الليرة مقابل العملات الأجنبية عامة والدولار الأميركي خاصة. وبعد أن اهتزت الليرة مع ازمة السيولة وافلاس بنك انترا في النصف الثاني من ستينيات القرن الماضي، لم يطل الوقت حتى استعادت استقرارها بعد أن خسرت ما يُقارب الــ 10% من قيمتها (ارتفع سعر الصرف من 3.11 ليرات للدولار في أواخر نيسان 1966 إلى 3.20 في شهر أيلول 1966).
ولم يحل انتهاء أزمة بنك انترا دون متابعة سعر صرف الليرة اللبنانية ارتفاعه مقابل الدولار الاميركي، ليبلغ في شهر آذار من العام 1981 ما يقارب الــ 4 ليرات للدولار الواحد. وفي حزيران من العام 1982 وغداة الاجتياح الاسرائيلي ارتفع سعر الصرف ليبلغ الــ 5 ليرات لبنانية مقابل الدولار الواحد. لتستعيد الليرة بعد أشهر قليلة بعض خسائرها وترتفع مع نهاية العام 1982 الى ما دون الـــ 5 ليرات للدولار الواحد.
أما التدهور الذي شهدته الليرة في العام 1987 فكان فاتحة لتضاعف سعر الصرف قرابة الــ 100 مرة عما كان عليه في نهاية العام 1984، حيث بلغ سعر الصرف 550 ليرة مقابل الدولار الأميركي الواحد. وبعد أن عرف سعر الصرف بعض التحسن في العام 1988 مع بلوغه قُرابة الــ 380 ليرة، عاودت قيمة الليرة التراجع في العام 1990 مع تسجيلها 879 ليرة لبنانية مقابل الدولار تزامناً مع تفاقم الازمة السياسية التي سبقت إقرار اتفاق الطائف.
وفي العام 1992 بلغ سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي الــ 2825 ليرة خلال شهر أيلول، ما يعني أن هذا السعر قد تضاعف ما يزيد عن الثلاث مرات عما كان عليه في العام 1990. ليتراجع بعد ذلك ويُقفل السنة على 1838 ليرة، بعد أن عملت السلطة النقدية على الحد من انهيار قيمة الليرة تطبيقاً لأحكام قانون النقد والتسليف لا سيما المادة 57 منه التي تقضي إيكال مهمة تثبيت القطع الى المصرف المركزي.
وكان مصرف لبنان يعمد في كل مرة، للحد من انهيار قيمة العملة الوطنية ومواجهة تقلبات سعر الصرف المشار اليها أعلاه، الى التدخل في سوق القطع شارياً للعملة الوطنية او بائعاً لها حتى إعادة التوازن الى السوق النقدية والحفاظ على سعر الصرف المناسب. والتدخل في سوق القطع بالإضافة الى سعر الفائدة هما من الأدوات التي تستخدمها المصارف المركزية للحد من انهيار سعر الصرف العملة الوطنية، كما أن امتناع هذه المصارف عن التدخل في سوق القطع يُشكل بدوره أداةً للتأثير على سعر الصرف.
وقد ثابر مصرف لبنان على التدخل في سوق القطع حتى مطلع تشرين الأول من العام 2019، عندما اقتصر التزامه بسعر الصرف الاسمي لليرة في تعامله فقط مع المصارف التجارية التي بدورها اعتمدته لتتعامل على أساسه مع زبائنها. اما التعامل بالدولار خارج القطاع المصرفي فقد بدأ سعره يشهد في ذلك الحين، تباعد عن السعر الرسمي بزيادة تراوحت بين 3 و6%، نتيجة امتناع مصرف لبنان عن التدخل في سوق القطع، ليخرج بعد ذلك عن السيطرة.
وعوض أن يُعاود مصرف لبنان تدخله في سوق القطع للمحافظة على استقرار سعر صرف الليرة، استمر في الامتناع عن التدخل على الرغم من تسارع التدهور. وامتناع مصرف لبنان عن التدخل في سوق القطع تم في الوقت الذي كانت فيه احتياطاته المعلنة من القطع الأجنبي تزيد عن 38 مليار دولار أميركي، وهو مبلغ كان أكثر من كافٍ لتدخل المصرف المركزي في السوق والحد من تقلبات سعر الصرف، ليتم بدلاً من ذلك تبديد الجزء الأكبر منه في دعم الاستيراد.
وجاء ابتكار مصرف لبنان لصيرفة بموجب التعميم 157، منصةً لعمليات بيع وشراء العملات الأجنبية النقدية ولا سيما الدولار الاميركي، في إطار محاولته العودة الى التدخل في سوق القطع للجم التقلبات في سعر صرف الليرة والحد من المضاربات. وعلى أن يحدد العرض والطلب الموجّه إلى المصارف والصرافين سعر التداول، وبشرط أن تبقى الهوامش المعتمدة بين سعر البيع وسعر الشراء وكذلك اي نوع من العمولات ضمن الحدود المألوفة، وألا تتجاوز في مطلق الاحوال، نسبة الــ 1% كحد أقصى من سعر الشراء.
وفي الوقت الذي كان يجب أن تُحدد قوى السوق من عرض وطلب على الدولار الأميركي سعر الصرف الحقيقي، عمد مصرف لبنان الى تحديد سعر التداول على المنصة ما شكل استمراراً لسياسة تثبيت سعر الصرف السابقة. وبينما هدفت المنصة الى منع انفلات سعر الصرف وابقائه تحت سقف صيرفة، سرعان ما خسرت المنصة القدرة على المبادرة ليصبح السعر الذي تعتمده يلحق بسعر السوق الموازية مع هامش معين لا العكس.
وتكمن حقيقة المشكلة في انّ حجم الدولارات المتداولة عبر المنصة وتلك المتوافرة لدى الصيارفة، لا تكفي لتلبية حجم الطلب في السوق وخاصة الاستيراد، إضافةً الى الطلب من قِبل الافراد. والمشكلة أيضاً انّ حجم الطلب على الدولار يستمر كبيراً، الامر الذي يؤدى الى استنزاف ما تبقى من احتياطات مصرف لبنان، والتي تراجعت من 18 مليار دولار عند إطلاق المنصة الى ما يزيد قليلاً عن الــ 9 مليار اليوم وربما اقل من ذلك فيما النزيف مستمر.
وبينما كان يُعول على المنصة في أن تساهم في الحد من انهيار العملة الوطنية، شكلت سوقاً إضافية للمضاربة عليها، واقتصر أدائها على توفير مكاسب للتجار وبعض المستفيدين على حساب الليرة. وتم توسيع دور منصة صيرفة ليشمل دعم رواتب موظفي القطاع العام والعسكريين والمتقاعدين وبعض موظفي القطاع الخاص، ما شكل مبرراً لاستمرار مصرف لبنان في استخدام أموال المودعين في تدخله في سوق القطع.
وعشية انتهاء ولاية الحاكم في نهاية الشهر الحالي، يتطلع المراقبون الى أهمية إعادة النظر بالأسس التي قامت عليها منصة صيرفة وآليات عملها، لمعالجة الأخطاء التي رافقت عملياتها وسد الثغرات التي برزت في ادائها. ذلك أن تغيير السياسة النقدية الحالية ومعالجة النقص في العملات الأجنبية لا يُمكن أن يتم بين ليلة وضحاها، ما يستدعي الاستفادة من إيجابيات السياسات الحالية إذا وجدت وتطويرها والانتقال منها الى سياسات أكثر رؤيوية وشفافية.
ذلك أن وقف انهيار العملة الوطنية وترميم السياسات النقدية وإعادة الثقة في القطاع المصرفي، هو مسؤولية كل من يشغل موقع في السلطة النقدية ولا يجوز له التهرب من القيام بما يُمليه عليه الواجب أياً تكن الذرائع. فوقف الانهيار لن يتحقق بحسن النوايا والتفاؤل بالخير، بل يتطلب عملاً دؤوباً يبني على الإنجازات السابقة مهما كانت متواضعة وشحذ الهمم لبلوغ الأهداف المنشودة، علماً أن تجديد السياسات وتطويرها يتطلب تغيير صُنَّاعها.
في المقابل، إن اصرار القيمين على الشأن العام على التهرب من الاحتكام الى القانون والعمل بمقتضياته من شأنه تعميق الازمة النقدية والمالية وزيادتهما تعقيداً. والترويج لسياسات نقدية جديدة في غياب تصور واضح عنها والمهل الزمنية التي تستدعيها هذه السياسات، يُعبر عن سطحية في التعاطي مع إمكانية التخلي عن السياسات النقدية الحالية بمجرد انتهاء ولاية الحاكم الحالي، ذلك أنه لا بد من فترة انتقالية تؤمن الانطلاقة المناسبة للسياسات النقدية الجديدة وتمنحها الفرصة لتحقيق الأهداف المرجوة منها.
ومن المستغرب أن يتهرب نواب الحاكم من تحمل مسؤولياتهم في معاونة النائب الاول في تسيير المرفق العام في هذه اللحظة الحرجة من تاريخ لبنان، حيث يستمر الشغور الرئاسي للشهر التاسع على التوالي في ظل حكومة تصريف اعمال تفتقر للإجماع الوطني حولها. وتلكؤ النائب الأول في تحمل مسؤولية القيام بأعمال حاكم المركزي، إما لتهيب تحمل المسؤولية وإما نتيجة ًلضغوط سياسية، يُساهم في الحالتين في تقويض المرفق العام والحؤول دون تصحيح السياسات النقدية.
وفي موقف نواب حاكم مصرف لبنان وتخاذلهم في تحمل مسؤولياتهم، ادانة للأطراف الممسكة بالقرار السياسي ولنمط الزبائنية الذي كرسته في مؤسسات الدولة. أما الإبقاء على الشخص نفسه حاكماً للمصرف المركزي على مدى ثلاثين عاماً، فيدل على عقم الطبقة السياسية وعجزها عن تطوير نفسها وتجديد ادواتها وامعانها في مخالفة الدستور والقانون.
من هنا فإن شرط إعادة الاستقرار الى العملة الوطنية ووضع الازمة الاقتصادية على طريق الحل هو احترام الدستور والتقيد بالقانون وتطبيق أحكامه، لا بل جعله الحد الفاصل بين السلطات على اختلافها.

التاريخ

عن الكاتب

المزيد من
المقالات