21 May, 2024
Search
Close this search box.
“المعرفة والأيديولوجيا” و”العلمانية والإسلام” للكاتب السوري حسام درويش في متناول القراء
Spread the love

فراس سعد – الناس نيوز ::

أطلق الكاتب السوري الدكتور حسام الدين درويش كتابين، الأول بعنوان المعرفة والأيديولوجيا في الفكر السوري المعاصر، والثاني بعنوان المفاهيم المعيارية الكثيفة: العلمانية، الإسلام (السياسي)، تجديد الفكر الديني، وذلك خلال ندوة أقامتها دار موزاييك في مكتبة القدس بالعاصمة الألمانية برلين.

وشارك إلى جانب الكاتب درويش، الباحث ماهر مسعود.

يشتغل الدكتور درويش في كتابه الأول “المعرفة والأيديولوجيا” على نقد النصوص السياسية السورية، سواء منها الصادرة عن جهات سياسية أو مراكز أبحاث، وتتضمن المقدمة توضيحاً للتمييز بين المعرفة والأيديولوجيا.

فعلى خلاف الأيديولوجيا ذات الرؤية الثنائية المحددة، خيراً أو شراً، المعرفة رؤية موضوعية واقعية أو رؤية موضوعية للواقع وللموقف، مضادةٌ تماماً للثنائيات القطبية، وترى العالم بشكل دائري، لا خطي ولا جهوي ولا قطبوي.

وإذا كانت الأيديولوجيا ترى العالم مقسوماً إلى قسمين أو فسطاطين، خير وشر، يمين ويسار، مؤمن وكافر، عالم وجاهل، أبيض وأسود، فإن المعرفة ترى العالم بلا محددات وحدود وتقسيمات، تراه كما هو، مختلطاً، لا حدود بين ألوانه وتعددياته.

فالأيديولوجيا هي الرسم بقلمٍ أسود فوق ورق أبيض لمنظرٍ طبيعيٍّ، في حين أن المعرفة هي رسم بمختلف الألوان يطابق المنظر الطبيعي.

ومن هنا، نعتقد أن الأيديولوجيا يمكن أن تكون مصابة عضويّاً بعمى الألوان، ويجب، حينئذٍ، إزاحتها تماماً من تاريخ الإنسان، لأنها تكون السبب الأساسي لكل مآسيه، في كل المستويات، ومن ثم ينبغي الالتفات إلى المعرفة.

ويجتهد الكاتب في إزاحة السياسة في عالمنا العربي عندما تكون مطابقة تقريباً للأيديولوجيا، والالتفات إلى الثقافة والمعرفة لأنها الأقرب الى الواقع إذ أنها تقدم صورة حقيقية للحياة، تمنع الحروب والكراهية والانعزال والخوف التي تسببها كل من السياسة والأيدولوجيا.

ليس من مهمة المعرفة إطلاق أحكامٍ قيميةٍ على الموقف والواقع والإنسان، على خلاف الأيديولوجيا والسياسة، اللتين تقومان، أصلاً، على إطلاق الأحكام والتقييمات التي غالباً ما تكون تقييمات جوهرانيةً. وغالباً ما تطلق الأيديولوجيا حكماً سلبيّاً على كل ما عداها، بينما تنعت ذاتها نعتاً إيجابيّاً.

 

كما أن الأيديولوجي يعتقد أنه هو الطيب، وعقيدته هي الخير، ومن ليس مثله هو الشرير، وعقيدته شرٌّ، أو هي الشر.

يرى الكاتب درويش أن الثورات العربية قد نقلت النقاش حول مفاهيم مثل العلمانية والإسلام السياسي، وتجديد الخطاب الديني … إلخ، من دائرة النخب إلى حيز الشارع والطبقة المنتفضة، وهو توسعٌ محمودٌ بلا شك، ربما يؤتي أُكُله، في المستقبل القريب، جيلاً أكثر اطلاعاً واهتماماً وشجاعةً معرفيةً.

وفي سياق تناوله العلمانية الأوروبية، ميز الكاتب السوري درويش ما بين علمانيتين، إحداهما، كالعلمانية الفرنسية، تنفر من الدين وترى فيه خطراً ينبغي حماية الدولة والمجتمع والمجال العام منه، ولهذا تعمل على أن يقتصر وجوده على المجال الفردي والخاص للمواطنين.

أما العلمانية الأخرى، كالعلمانية الأمريكية، فلا تعادي الدين بل تراه أحد المصادر الأخلاقية للمواطنين، وترى أن واجبها يقتضي حمايتها للحريات الدينية، مع المساواة الكاملة بين كل المواطنين، بغض النظر عن دينهم، وبغض النظر عن تدينهم أو عدم تدينهم.

فهل يمكن الحديث عن نوع من العلمانية الأوروبية تحت اسم علمانية كاثوليكية (فرنسية إيطالية) انسحب فيها الدين، بفعل الحداثة، ليستقر في الأديرة وعند رجال الدين فحسب، وعلمانية بروتستانتية أقل حدةً، وأكثر تفهماً.

وإذا أخذنا في الحسبان أن تغول الحداثة المادية قد وصل إلى داخل الفاتيكان على شكل علاقات جنسية محرمة مثلية أو اعتداء واغتصاب للأطفال، وتخل عن معتقدات أساسية في الدين الكاثوليكي، فهل يمكن القول إن “العلمانية الكاثوليكية” نتجت عن أن الكاثوليكية حالة شكلانية طقوسية، في حين أن الإنجيلية أو البروتستانتية استطاعت استيعاب العلمنة في كل شيءٍ، أو بالأحرى، استطاع الدين في المجتمعات الأنجلوسكسونية الإنجيلية التعايش مع العلمنة لأنه، أصلاً، نتيجة حالة حداثوية داخل المسيحية الكاثوليكية نتجت عن عملية الإصلاح اللوثري والكالفيني للكاثوليكية.

في المقابل، اتخذت المجتمعات الكاثوليكية موقفاً حديّاً، أرسطيّاً، من الدين والعلمانية، فإما الدين وإما العلمانية، وهي اختارت العلمانية، لأنها أسلوب حياة، إذ أخذت الوسائل الإعلامية والمؤسسات التربوية وغيرها بمحاربة الدين أو الترويج لما يشكل مضادّا للقيم الدينية مثل الإباحية والإلحاد والاستهلاك بلا حدودٍ.

ولا نجد مثل ذلك حاضراً، بالدرجة ذاتها، في العلمانية الإنجيلية البروتستانتية التي لم تحارب الدين، بل سعت إلى حماية المتدينين، بالدرجة الأولى.

لكن لماذا كانت الدول الكاثوليكية، بعلمانيتها الطاحنة، وبتراجع الدين فيها، أقل تقدماً من الناحية المادية والاقتصادية عن الدول البروتستانتية كبريطانيا وأمريكا؟ هل يعني ذلك أن التخلي عن الدين لا يؤدي بالضرورة إلى تحقيق تقدمٍ اقتصاديٍّ أو علميٍّ أو رفاهيٍّ حاسمٍ أو من الدرجة الرفيعة؟ وما الذي يعنيه قيام دولةٍ إمبراطوريةٍ بالتمدد والنفوذ والحضور الكوني، كما هو حال أمريكا التي يحكمها رؤساء متدينون يشنون حروبهم باسم المسيح وباسم محاربة الشر/الإرهاب الإسلامي، حاليّاً، أو باسم محاربة الشيوعية/ الكفر، سابقاً؟ وماذا يعني أن يستعين بوتين زعيم روسيا العلمانية أيضاً برئيس الكنيسة الأرثوذكسية، ليعلن أن روسيا تشن حرباً مقدسةً في سوريا، ومن ثم لاحقاً، يستعين به، ليقول ذات الأمر عن حربه في أوكرانيا، حيث استعان الجيش الروسي  بقساوسة يرشقون الطائرات الحربية الروسية بالماء المقدس؟ بعد ذلك، لماذا يجب أن يكون رؤساء مصر أو الجزائر أو ليبيا، على سبيل المثال، رؤساءً علمانيين، في حين أن مجتمعاتهم مسلمةٌ وتميل إلى التدين عموماً، بل أصبحت أكثر تديناً مع أنظمتها الديكتاتورية بعلمانيتها المغشوشة؟

وبالإشارة إلى الوضعية السياسية العربية، وإشكالية العلمانية فيها، نتساءل: هل يمكن الجمع بين نقيضين، دستور مدني ونظام ديكتاتوري، أو دستور علماني ونظام ديكتاتوري؟ وهل يفضل العلمانيون السوريون أو اللبنانيون أو العراقيون دستوراً علمانيّاً بوجود نظام حكم ديكتاتوري؟ وهل يفضل الإسلاميون العرب وجود دستور إسلامي مع نظام ديكتاتوري؟

وفي إضافةٍ نادرةٍ مخالفةٍ لرأي عموم النخب السياسية المثقفة، يجد الكاتب درويش أن القول إن الإصلاح ديني شرط ومقدمة للإصلاح السياسي، يجسد معادلة خاطئة، ويقدم، الدكتور درويش، في المقابل، معادلة معاكسة، تكون خطوتها الأولى، اللازمة والضرورية، إصلاحاً سياسيّاً، ومن ثم يمكن أو ينبغي أن تؤدي تلك الخطوة الأولى إلى خطوة الاصلاح الديني.

وقد أشار المفكر درويش إلى مسألة مهمة في تناول وتعريف المفاهيم، ألا وهي التعريف بالسلب، وهذا أمرٌ على غاية من الأهمية عندما يمتنع التعريف بالإيجاب في مجتمع ما، إثر أزمة وطنية مستفحلة كحال الأزمة السورية ما بعد الثورة والحرب.

فبدلاً من الاختلاف حول الإجابة عن سؤال “ما الدولة التي يريدها السوريون”، يصبح تعريف السلب أقل ضرراً، وأقرب إلى الفهم، وأسهل تناولاً.

فعلى سبيل المثال، نتساءل: ما الدولة التي لا يريدها السوريون؟ وما المجتمع الذي لا يقبلون به؟ وما هي، بالتالي، الهوية الجمعية أو العامة العابرة للهويات الجزئية والفردية والجماعاتية التي يطمحون لها.

وبكلماتٍ إضافية، ما الهوية الجمعية التي لا يرغب بها السوريون؟ فالتعريف بالسلب يسهل التعريف بالإيجاب

وفي عودة الى مسألة الدين والتدين، يشير الكاتب درويش  إلى موقف العلمانية الألمانية، وتحديداً موقف الفيلسوف الألماني الشهير هابرماس، الذي يقول في سياق تنظيره للمجتمع ما بعد العلماني، إنه لا مشكلة مع المتدينين الذين يستمدون من أديانهم قيما إيجابية، بحيث يمكن التعايش بينهم وبين العلمانيين في مجتمع واحد.

وبهذا، ربما كان لهابرماس فضلٌ في تأسيسٍ فلسفيٍّ لقبول اللاجئين من البلاد العربية والإسلامية، في ألمانيا.

The post “المعرفة والأيديولوجيا” و”العلمانية والإسلام” للكاتب السوري حسام درويش في متناول القراء first appeared on الناس نيوز.

التاريخ

المزيد من
المقالات