21 April, 2024
Search
Close this search box.
رهان «بيبي» على عودة ترامب
Spread the love

بقلم خيرالله خيرالله

لم يتغيّر شيء في إسرائيل منذ عملية «طوفان الأقصى» التي شنتها «حماس» انطلاقا من قطاع غزّة في السابع من تشرين الأوّل – أكتوبر الماضي، بل تغيّر الكثير. تغيّر الكثير بما يسمح بالقول أنّ مواطني تلك الدولة التي قامت في العام 1948، باتوا يواجهون أزمة وجوديّة بعدما استطاع  مقاتلو «حماس»، قبل أربعة أشهر تقريبا، إقتحام مستوطنات عدّة في منطقة تسمّى غلاف غزّة وبعدما احتجزوا رهائن إسرائيليين وقتلوا عسكريين ومدنيين.

ما لم يتغيّر في إسرائيل هو شخص بنيامين نتانياهو، رئيس الحكومة الحاليّة، الذي يعتقد أنّه لا يزال قادرا على إنقاذ مستقبله السياسي على الرغم من أنّه جزء لا يتجزّأ، بل على رأس المجموعة، التي أوصلت إسرائيل إلى ما وصلت إليه. أي إلى أن تصبح  ذات مستقبل غامض.

يبدو متوقعا لجوء إسرائيل إلى هجوم على رفح، التي على الحدود المصريّة، حيث يوجد نحو مليون ونصف مليون فلسطيني. هؤلاء هُجروا من مناطق أخرى في غزّة في اعقاب «طوفان الأقصى» وما تلاه من ردّ وحشي إسرائيلي «تجاوز كل حدود» على حدّ تعبير الرئيس جو بايدن نفسه. طفح الكيل مع الرئيس الأميركي الذي يرفض أن تكون سياسة أميركا في الشرق الأوسط رهينة المستقبل السياسي لبنيامين نتانياهو أو «بيبي» كما يسمّيه الإسرائيليون.

سياسيا، لم يتغيّر الرجل الرافض لفكرة السلام مع العرب والفلسطينيين تحديدا. استفاد في نهجه المتطرف من كلّ عملية انتحارية نفذتها «حماس» بعد توقيع اتفاق أوسلو في العام 1993 ومن طريقة تصرّفها منذ الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزّة صيف العام 2005. يحاول الآن الإستفادة من حرب غزّة، لكنّ الواضح أنّه سيفشل في ذلك. اللهمّ إلّا إذا نجح في رهانه على أنّ دونالد ترامب سيخلف جو بايدن الذي بات بالنسبة إليه جثة سياسيّة.

ما تغيّر في المرحلة الراهنة أنّ «بيبي» الملاحق من العدالة بتهمة الفساد بات يطمح إلى القضاء على غزة ردّا على «طوفان الإقصى» وذلك في غياب قدرة الجيش الإسرائيلي على الإنتهاء من «حماس». هل تقبل أميركا أن تكون تابعا لإسرائيل في حين لم يعد سرّا أنّ الدولة العبرية لا تستطيع متابعة حربها في غزّة من دون السلاح والذخائر الأميركيّة؟

من أجل الحؤول دون دخوله السجن، كما حصل مع سلفه ايهود اولمرت، وضع «بيبي» مستقبله السياسي فوق كلّ اعتبار معرّضا علاقات إسرائيل بدول عربيّة عدة، بينها مصر، للخطر. يبدو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي اعتمد سياسة تقوم على فكرة «من بعدي الطوفان». يبدو مستعدا لكلّ أنواع المجازفات وأن تكون حكومته في خدمة المشروع التوسعي الإيراني في المنطقة. باختصار شديد، هناك ما هو أهمّ من مواجهة البرنامج النووي الإيراني بالنسبة إلى الحكومة الإسرائيلية الحاليّة. هناك المستقبل السياسي لـ»بيبي» المطلوب وقف الملاحقات القضائية في حقّه على الرغم من وجود ادلّة كثيرة على مدى فساده.

يؤكّد حصر رئيس الوزراء الإسرائيلي همّه في كيفية الإفلات من قبضة القضاء، تمسّك وزير العدل الإسرائيلي  ياريف ليفين بما كان اعلنه قبل فترة فصيرة عن عزمه على تعديل النظام القضائي لتضمينه «استثناءً» يسمح للكنيست بتعليق قرارات المحكمة العليا. إلى الآن، لم يستطع وزير العدل الإسرائيلي تمرير الإصلاحات المطلوبة في ظلّ مقاومة شعبية لمثل هذه الإصلاحات. عمليا، يهدف هذا التعديل الذي أعلن ليفين خطوطه العريضة أمام الصحافة إلى تغليب السلطة التشريعية على السلطة القضائية، في وقت يحاكم نتنياهو بتهم فساد.

بعد فوزه حزبه (ليكود) في انتخابات الأول من تشرين الثاني (نوفمبر) 2022، وبعد أسابيع من المفاوضات مع الأحزاب الدينية المتشددة واليمينية المتطرفة، شكّل «بيبي» الحكومة الأكثر يمينية في تاريخ الدولة العبرية.

قال وزير العدل الإسرائيلي، في إشارة واضحة إلى رغبة في تجاوز القضاء وتعطيله، على غرار تعطيل أي أمل في تحسّن الأجواء السياسيّة في المنطقة: «هناك قضاة ولكن يوجد أيضاً برلمان وحكومة… الديموقراطية في خطر عندما ندلي بأصواتنا في صندوق الاقتراع ولكن في كلّ مرّة يقرّر أشخاص غير منتخبين نيابة عنّا».

من أجل الخروج من المأزق القضائي والسياسي والعسكري الذي وجد نفسه فيه، هرب «بيبي» إلى التصعيد في غزّة. لم يستطع تحقيق انتصار حقيقي على «حماس» على الوغم من كلّ الضجة المثارة هذه الأيّام بعد «تحرير» رهينتين إسرائيليتين كانتا لدى «حماس»، علما أنّ لا شيء يثبت ذلك…

في كلّ الأحوال، هناك عملية هروب مستمرّة إلى أمام يمارسها رئيس الوزراء الإسرائيلي. إنّها لعبة مليئة بالمخاطر، خصوصا في ظلّ الإصرار على شن هجوم على رفح وافقت الإدارة الأميركيّة أم لم توافق. يستفيد «بيبي» في واقع الحال من تغيير في العمق طرأ على الرأي العام الإسرائيلي الذي يريد الإنتقام من «حماس» بأي ثمن كان من دون التفكير لحظة في انعكاس ذلك على العلاقة بواشنطن من جهة وحجم الخسائر البشريّة الفلسطينيّة من جهة أخرى. ثمة رهان لدى رئيس الوزراء الإسرائيلي على أن الوقت يعمل لمصلحته وعلى أنّ حليفه دونالد ترامب عائد إلى البيت الأبيض على حصان أبيض. هل حساباته في محلّها. توجد ثغرة أساسيّة في هذه الحسابات إسمها الرأي العام الإسرائيلي. الرأي العام هذا مع القضاء على «حماس» حتّى لو دمرت غزّة على رؤوس أهلها تدميرا كاملا وحتّى لو تأثرت العلاقة القائمة مع مصر. لكن هذا الرأي العام لن يغفر لنتانياهو رهانه في الماضي على «حماس» وعلى تمرير المساعدات لها نكاية بالسلطة الوطنيّة الفلسطينيّة. عاد ترامب أم لم يعد، سيصعب على أكثرية الإسرائيليين إعادة تأهيل «بيبي»، الهارب الدائم من السلام، الذي يتحمّل المسؤولية الأكبر عن جعل مستقبل إسرا ئيل على كف عفريت… وعن نجاح إيران في شنّ حروبها في المنطقة كي تثبت أنّها اللاعب الأساسي والمحوري في الشرق الأوسط والخليج في آن.

خيرالله خيرالله

The post رهان «بيبي» على عودة ترامب appeared first on جريدة الشرق اللبنانية الإلكترونيّة – El-Shark Lebanese Newspaper.

التاريخ

المزيد من
المقالات