24 April, 2024
Search
Close this search box.
قراءة في مُقدمات الانهيار وأســبابه
Spread the love

في الوقت الذي تنهار فيه الليرة اللبنانية ويتسارع التضخم كالنار في الهشيم مهدداً اللبنانيين بقوت عيشهم وملتهماً القوة الشرائية لعملتهم، لا بد من التساؤل عن الأسباب التي أدخلت الاقتصاد الوطني في هذه الحلقة المفرغة والتي تحول دون ايجاد الحلول المناسبة للخروج من الازمة المتمادية. سيما وأنّ اقتصار معالجة الانهيار على تدخل مصرف لبنان في سوق القطع لكبح جماح انهيار الليرة في غياب خطة حكومية تواكبه وتُعالج أسباب الانهيار، تجعل من هذا التدخل عبثاً بما تبقى من احتياطاتٍ لمصرف لبنان وهدراً لفرص الحلول.

وكان للسياسة النقدية التي اعتمدتها حاكمية مصرف لبنان مهذ العام 1992 غداة انهيار الليرة اللبنانية مقابل الدولار الاميركي وما لحق بتلك المرحلة وتداعياتها، دور أساسي فيما آلت اليه الأوضاع المالية والنقدية عشية الانهيار الجديد لليرة منذ نهاية العام 2019. حيث ثبَّت مصرف لبنان سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي منذ العام 1997 وحتى مطلع العام 2020 عند سعر وسطي وقدره 1507,5 ليرات للدولار الواحد، بعد أن عمل على تخفيضه بشكل تدريجي على مدى خمس سنوات بعدما بلغ 2800 ليرة في العام 1992.

وبالتوازي مع تثبيت سعر الصرف عمد مصرف لبنان الى رفع سعر الفائدة من اجل استقطاب الودائع الخارجية، مما رفع من كلفة الدين العام وأدخل الخزينة العامة في عجز مستمر ومتنامي. الامر الذي حرم القطاعات الإنتاجية، لا سيما منها المُعدة للتصدير، من الحصول على الرساميل بفوائد مناسبة تشجع النشاطات الانتاجية وتساعدها على النمو والتوسع. ما أدى الى اقتصار النشاط الاقتصادي على حركة الرساميل الباحثة عن الفوائد المرتفعة والربح السريع في التجارة والخدمات المالية وغيرها من الخدمات.

وبينما كان من المفترض ان تعيد الحاكمية النظر بسعر الصرف المُعتمد ليواكب النشاط الاقتصادي وتجعله مرآةً له، بحيث يتحسن هذا السعر كلما تحسن النشاط الاقتصادي ويتراجع مع تراجعه، تم الإبقاء على سعر الصرف ثابتاً طيلة إثنين وعشرين عاماً من دون أي محاولة لتصحيحه والعمل على الانتقال من سياسة التثبيت الصارمة الى سياسات أكثر ليونة. وبذلك اضاعت السياسات النقدية العديد من الفرص لتحرير سعر الصرف والحد من مفاعيلها السلبية على النشاطات الاقتصادية المنتجة من صناعة وزراعة.

في المقابل، كان للأحداث التي تزامنت مع تثبيت سعر الصرف لا سيما المناكفات السياسية والأزمات المتلاحقة التي سببتها ولا تزال، والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على لبنان ومرافقه الحيوية، وصولاً الى اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، انعكاسات سلبية على الاقتصاد الوطني عامةً والوضع النقدي خاصةً. سيما وأنّ اجتذاب الرساميل الخارجية في ظل عدم الاستقرار السياسي، وتوالي الخسائر التي لحقت بالبنى التحتية جراء الاعتداءات الإسرائيلية والصدمة التي شكلها اغتيال الحريري ساهمت في زيادة الضغوطات على العملة الوطنية ورفع اسعار الفوائد.

وقد أدت سياسات الانفاق التوسعية التي انتهجتها الحكومات المتعاقبة، والمحسوبية في التلزيمات وتفشي الفساد في الإدارات والمؤسسات العامة، الى ارتفاع الدين العام الذي تنامى بوتيرة متسارعة لتبلغ نسبته إلى الناتج المحلي الإجمالي ما يزيد على 150% في العام 2018، مما زاد من كلفة تثبيت سعر الصرف ورفع سعر الفائدة. في الوقت الذي فشلت فيه الدولة في تأمين ديمومة الخدمات العامة الأساسية لا سيما منها الكهرباء التي استنزفت الخزينة العامة ورتبت ما يزيد قيمته على ثلث الدين العام.

 وقد فاقمت الازمة السورية وتفاعلاتها الإقليمية والدولية منذ العام 2011، الضغوط على الاقتصاد الوطني الذي توسع ليخدم السوق السورية ومتطلباتها العينية والنقدية، وشكل تهريب البضائع والمحروقات وغيرها من السلع الى سوريا عاملاً اضافياً في استنزاف الاحتياطات من العملات الاجنبية ما عزز الحاجة الى المزيد منها في الوقت الذي تراجعت فيه التحويلات الخارجية الى مستويات غير مسبوقة.

وفي محاولة لتعويض التراجع بالتحويلات المالية قام مصرف لبنان بعمليات Swap أو ما عُرف بــ “الهندسات المالية” مع المصارف اعتباراً من شهر آب من العام 2016، بادل المصارف بموجبها بدايةً ما يحملونه من سندات اليوروبوند بما يُعادل قيمتها في حينه من سندات خزينة بالليرة اللبنانية، ومن ثم موجوداتهم من الدولار النقدي مقابل سندات ايداع من مصرف لبنان وبأسعار فائدة مرتفعة، وتحولت معها قُرابة الـــ 70% من ودائع المصارف الى تمويل القطاع العام.

وفي حين سمحت الهندسات المالية بزيادة الكتلة النقدية المتداولة (وبشكل خاص العملات الأجنبية) حتى العام 2018، عادت هذه الكتلة الى التقلص نتيجة اضطرار مصرف لبنان الى التدخل في سوق القطع للمحافظة على سعر الصرف المعتمد والحؤول دون المضاربة على العملة الوطنية من جهة، وتمويل المالية العامة بما تحتاجه من العملات الأجنبية من جهة ثانية. فيما عمد الممسكون بالقرار السياسي والمالي (المنظومة)، قُبيل انفجار الازمة في العام 2019 وحتى الامس القريب، الى تهريب ودائعهم الى الخارج بالتواطؤ مع المصارف، ما تسبب بخروج ما بين 6 الى 7 مليارات دولار من موجودات المصارف وازدياد الشح في العملة الصعبة.

وشكل تفشي جائحة كورونا في العام 2020 سبباً اضافياً في تشديد الضغوط على الوضع المالي والاقتصادي للبنان. وكان للإغلاق شبه الكامل للأنشطة الاقتصادية والانكماش الذي لحق بالاقتصاد العالمي دوره في تعقيد الازمة وتراجع التحويلات الخارجية التي كان لبنان في أمس الحاجة اليها.

وجاء اعلان الحكومة اللبنانية في آذار من العام 2020 التوقف عن تسديد سندات اليورو بوند المستحقة ومن دون الاتفاق المسبق مع الدائنين، بحجة “تأمين الحاجات الأساسية للشعب اللبناني ووقف استنزاف احتياطات لبنان بالعملة الصعبة”، بمثابة اعلان افلاس الدولة اللبنانية مع ما يرتبه هذا الإعلان من تداعيات سلبية على تصنيف لبنان المالي اليوم وفي المستقبل.

وفي حين تعهدت الحكومة باتخاذ جميع الإجراءات التي تعتبرها ضرورية “لإدارة احتياطي لبنان المحدود من العملات الأجنبية بحكمة وحذر”، شكلت سياسة دعم السلع الغذائية والأدوية والمحروقات وغيرها، التي اعتمدها مصرف لبنان اعتباراً من العام 2020 استنزافاً لهذه الاحتياطات، وسبباً لهدر قُرابة الــ 18 مليار دولار ذهبت الى جيوب كبار التجار وشركائهم من السياسيين.

في المقابل عمدت حاكمية مصرف لبنان ولا تزال، الى طباعة وضخ كميات هائلة من الليرة اللبنانية في التداول من دون مراعاة الانعكاسات التضخمية للكتلة النقدية التي بلغت 69856 مليار ليرة في نهاية تشرين الأول من العام 2022، مع العلم أنّ هذه الكتلة مرشحة الى مزيد من الانتفاخ مع الارتفاع المتواصل لسعر الصرف. في حين أنّ العلاقة الطردية بين الكتلة النقدية وسعر الصرف تُحتم التوقف عن طباعة المزيد من الليرة واعتماد سياسات نقدية تحد من الآثار التضخمية.

اما سياسات الدولة المالية فلم تختلف كثيراً عما كانت عليه قبل بداية الازمة، حيث التوسع بالإنفاق العام هو السمة الأساسية لهذه السياسات في ظل شح إيرادات الدولة المالية، مما أدى الى ارتفاع الدين العام الاجمالي بقيمة 4941 مليار ليرة في الأشهر الثماني الأولى من العام 2022. وبينما تتطلب الحوكمة الرشيدة تشخيص المشاكل التي تُعاني منها مالية الدولة واستشراف الحلول المناسبة، حالت مصالح اهل السلطتين التشريعية والتنفيذية دون التوصل الى اتفاق على خطة شاملة تحدد المعالجات الواجب تنفيذها للخروج من الازمة.

وعلى الرغم من الوضع الكارثي للعملة الوطنية وما نشهده من انكماش في القطاعات المنتجة للاقتصاد الوطني، الا أنّ وقف الانهيار ليس بالأمر المستحيل خاصة وأن الارتطام الكبير الذي بشَّرنا به بعض المحللين الاقتصاديين أصبحنا بمأمنٍ منه.

وجل ما يحتاج اليه لبنان لمعاودة النهوض الاقتصادي هو الاستقرار السياسي وانتخاب رئيسٍ للجمهورية رؤيوي يتمتع بمصداقية وبعيد عن الاصطفافات والصفقات، وتشكيل حكومة ترفع لواء المساءلة والمحاسبة، توقف الانهيار وتدفع بعجلة الاقتصاد الوطني وتوسع آفاقه.

وأي حديث عن وقف الانهيار وخطط للنهوض الاقتصادي سيبقى مجرد تمنيات غير قابلة للتحقيق ما لم يتحقق الاستقرار السياسي، فهل يفتح الاتفاق السعودي الإيراني الطريق الى إيجاد الحلول للازمة اللبنانية؟

التاريخ

عن الكاتب

المزيد من
المقالات