25 April, 2024
Search
Close this search box.
لبنان والاستثمار في الطاقة المتجددة
Spread the love

قد يكون من الترف القول بضرورة أن يستعد لبنان للتحولات التي تحصل في مجال الطاقة على المستوى العالمي، في الوقت الذي يغرق فيه البلد في أزماتٍ تبدأ بالأزمة المالية والاقتصادية مروراً بالفراغ في سدة رئاسة الجمهورية وتعطيل مؤسسات الدولة وتلاشي سلطتها، ولا تنتهي مع العدوان الإسرائيلي وما يُشكله من خطر وجودي على الكيان اللبناني. إلا أن ذلك لا يجب أن يحول دون مواكبة لبنان لهذه التحولات خاصةً وأنها على تماس مباشر بإنتاج الطاقة الكهربائية التي شكلت احد الأسباب الرئيسية لازمته المالية والاقتصادية.

والمقصود بتحول الطاقة (Energy Transition) هو التحول من مصدر معين لإنتاج الطاقة الى مصدرٍ آخر، بهدف إما استخدام مصادر جديدة ادنى تكلفة واكثر وفرة، وخاصةَ للحد من الانبعاثات المسببة للتغير المناخي. والتحول في الطاقة واستخداماتها ليس بجديد على البشرية، فقد تم الانتقال من استخدام الخشب كمصدر للطاقة إلى استخدام الفحم في القرن التاسع عشر، ومن ثم التحول الى الطاقة النووية وإلى النفط ومن ثم الى الغاز في القرن العشرين من دون التخلي عن الفحم.

وما يميز التحول اليوم عن سابقاته هو الحاجة الملحة إلى حماية الكوكب من التغير المناخي الذي يُشكل أكبر تهديد واجهه على الإطلاق، وضرورة الحد من آثاره الخطرة في أسرع وقت ممكن. وعلى الرغم من الدعوات المطالبة بخفض استخدام الوقود الأحفوري منذ ثمانينيات القرن الماضي، إلا أن انخفاض أسعار الفحم والنفط والغاز عرقل التوسع باستخدام الطاقة المتجددة. في المقابل، أدى انخفاض تكاليف التقنيات المتجددة خلال العقد المنصرم (٢٠١٠-٢٠١٩)، إلى تسريع هذه التحولات.

أما بالنسبة للبنان، وعلى الرغم من انضمامه الى مؤتمر كوبنهاغن للتغير المناخي في العام ٢٠٠٩، وتعهده تأمين ١٢٪ من امدادات الطاقة من مصادر نظيفة ومتجددة بحلول العام ٢٠٢٠، إلا أن شيئاً من ذلك لم يتحقق في حينه. ومع ذلك، عاد لبنان وصادق على اتفاق باريس في ٢٩ آذار/مارس ٢٠١٩، متبنياً هدفاً طموحاً آخر لتغطية ٣٠٪ من استهلاكه الأساسي للطاقة من مصادر الطاقة المتجددة بحلول العام ٢٠٣٠. الامر الذي يستحيل تحقيقه في ظل الأزمات المالية والاقتصادية والسياسية التي تعصف بلبنان فضلاً عن المخاطر العسكرية والأمنية.

وقد عوضت مبادرات العائلات والشركات الخاصة الى استخدام الطاقة المتجددة لتلبية حاجتهم من الكهرباء، عجز الدولة وتقاعسها عن السير في تنفيذ تعهداتها الدولية والقيام بمسؤوليتها عن توفير حاجة المواطنين من الطاقة المستدامة. وقد بلغت القدرة الإجماليّة لمنشآت الطاقة الشمسيّة بمبادرات خاصة ما يزيد على الـ ١٢٠٠ ميغاواط أي قُرابة الـ ١٥٪ من الاستهلاك الاجمالي للكهرباء، بحسب تصريح وزير الطاقة والمياه وليد فياض لإحدى الصحف اللبنانية.

 في المقابل، تراوح تكلفة انتاج الكهرباء في لبنان عند مستويات عالية تضاهي ما كانت عليه قبل الازمة المالية والاقتصادية، حيث تبلغ كلفة تأمين ١٢ ساعة تغذية الـ ١٤٠ مليون دولار شهرياً أي قُرابة الـ ١,٧ مليار دولار سنوياً. أما تكلفة الكيلوواط ساعة فتبلغ ما بين ١٤ و١٥ سنت، أي ما يوازي ضعف تكلفته لو يُصار الى انتاجه بالغاز المصري، الذي وُعِدَ به لبنان من دون الحصول عليه. الامر الذي يجب أن يحث الوزير ومعه الحكومة على تحفيز الاستثمار في الطاقة المتجددة، لا سيما في الموارد المتاحة لتخفيض فاتورة الكهرباء قبل فوات الأوان.

وقد عرفت الطاقة المتجددة تطورت متسارعة واكتسبت اهتماماً وجاذبية كبيرين منذ مطلع هذا القرن وخاصةً خلال السنوات العشر الأخيرة. ولم تقتصر هذه التطورات على مصدر دون آخر من مصادر الطاقة النظيفة والمتجددة، بل طاولت معظمها. فعلى مستوى الطاقة الشمسية تطورت تقنيات الخلايا المستخدمة لإنتاج طاقة اكثر جدوى من حيث التكلفة الاجمالية، وأكثر كفاءة وفعالية من الناحية التقنية لتشمل دمج الخلايا الشفافة بزجاج النوافذ بالإضافة الى الدهانات التي يُمكن طلاء الاسطح بها وتجعلها منتجة للطاقة.

بدورها استخدامات الطاقة الهوائية عرفت تقنياتها تطورات كبيرة، مع ابتكار توربينات الرياح ذات المحور العمودي (Vertical axis wind turbines, VAWTs) القادرة على التقاط الرياح من مختلف الاتجاهات، بدلاً من توربينات الرياح ذات المحور الأفقي التقليدية. وتُشكل أنظمة توليد الطاقة المحمولة بالطائرات الورقية (Kite Wind Energy Systems)، تطوراً متقدماً يسمح بالاستفادة من قوة الرياح التي تزداد مع الارتفاعات التي يُمكن أن تصل اليها هذه الطائرات.

كما سمح استخدام مزارع المراوح العائمة (Floating Wind Farms) لأنظمة طاقة الرياح الاستفادة من الرياح القوية والمتسقة المتوفرة في المناطق البحرية العميقة والبعيدة. ولا تقل أهمية التطورات التي عرفتها تقنيات الطاقة المائية وتلك التي تستخدم في أنظمة الحرارة الجوفية (Geothermal Systems)، عما تقدم من تطورات تقنية وابتكارات.

وتقنيات انتاج الطاقة من الكتلة الحيوية (Biomass) عرفت بدورها تطورات مهمة على غرار غيرها من تقنيات الطاقة المتجددة، لا سيما منها ما يتعلق بتقنية معالجة الطحالب ذات النمو السريع والمحتوى الزيتي العالي. كما تُشكل تقنية احتجاز ثاني أكسيد الكربون وتخزينه بالتزامن مع عملية إنتاج الطاقة (Bioenergy with Carbon Capture and Storage, BECCS) واحدة من التطورات التقنية المهمة في مجال إنتاج الطاقة من الكتلة الحيوية من دون السماح بالانبعاثات الملوثة للهواء والبيئة.

بالإضافة الى ما تقدم، تتمتع تقنيات تحويل النفايات إلى طاقة (waste-to-energy)، وهي إحدى التقنيات لإنتاج الطاقة من الكتلة الحيوية، بعدد من التطبيقات المتطورة، مثل تقنية الهضم اللاهوائي (anaerobic digestion)، والانحلال الحراري (pyrolysis)، والتغويز (gasification)، والتي تساعد على تحويل النفايات العضوية الى طاقة كهربائية. وأهم ما في هذه التقنيات هي معالجة النفايات دون اللجوء الى طمرها مع ما ينتج عنها من اضرار بيئية وخطر التسبب بحرائق جراء انبعاث غاز الميتان منها.

ولعل التطور الذي لحق بتقنيات إنتاج الطاقة التي يُمكن انتاجها من الكتلة الحيوية (Biomass)، هو أحد أكثر تقنيات إنتاج الطاقة الكهربائية المطلوب استخدامها في لبنان حيث تنتشر المطامر بشكلٍ عشوائي. وتًساهم هذه التقنية من ناحية في حل أزمة طمر النفايات المزمنة والحد من الاضرار البيئية ومن خطر الحرائق والانفجارات، وفي توفير مصدرٍ مستدام لإنتاج الطاقة الكهربائية التي يُعاني لبنان من نقص كبير في امداداتها وعدم انتظامها من ناحيةٍ ثانية.

وينتج لبنان يومياً ما يزيد على الـ ٥٥٠٠ طن من النفايات، يذهب ٩٩٪ منها الى المطامر والمكبات العشوائية، وفقاً لوزارة البيئة. وقد غيّرت الأزمة الاقتصادية في تركيبة النفايات، حيث ارتفعت نسبة النفايات العضوية منها الى ٧٠٪ في العام ٢٠٢١ بعد أن كانت تقتصر على ٥٠٪ في العام ٢٠١٧. وقد يتساوى عدد مكبات النفايات العشوائية مع عدد البلدات والقرى اللبنانية، فيما يزيد عدد المطامر عن سبعة بلغت سعتها القصوى من دون أن تتمكن الحكومة اللبنانية من اعتماد حلٍ مستدام لها.

ومن المفارقات أن الحكومة اللبنانية كانت تتجه في العام ٢٠١٤ الى معالجة النفايات بواسطة المحارق، بدلاً من اعتماد التقنيات المتقدمة المشار اليها اعلاه والتي تُعالج المطامر الحالية وتحول دون إقامة مطامر جديدة. ولعل من إيجابيات الازمة المالية والاقتصادية التي تعصف بلبنان، إن كان لها إيجابيات، هو إسقاط محارق النفايات وما تُشكله من تكلفة مرتفعة، سيما وأن هذه المحارق تحول دون تحويل النفايات الى طاقة كهربائية شبه مجانية، في وقت ما من مؤشرات تُنبئ بقرب اعتماد الحكومة لحلولٍ مستدامة.

وفي مقاربة الحكومات المتعاقبة لازمة النفايات المزمنة والمستمرة حتى اليوم، على الرغم من المحاولات العديدة والصيغ المتعددة، دليل على عدم رغبة الطبقة الحاكمة إيجاد حلٍ حقيقي لهذه الأزمة يٌساعد في الوقت عينه على حل جزء من أزمة الكهرباء. فمشكلة لبنان تكمن في الحوكمة غير الرشيدة لمقدراته البشرية والاقتصادية، وفي سوء إدارة موارده المتاحة والهدر المتعمد لإيراداته على حساب الوطن ومستقبل أبنائه.

وإذا كان من غير المسموح للبنان أن يستخرج ما تختزنه منطقته الاقتصادية الخالصة من النفط والغاز حتى الآن، فإن الاستمرار بتأمين التغذية بالطاقة الكهربائية في ظل التكلفة الحالية المرتفعة يكتنفه خطر تراكم الديون مجدداً. الامر الذي يجعل من خيارات لبنان محدودة واهمها الاستثمار في الطاقة المتجددة وتحفيز المواطنين للاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة على اختلافها، حتى لو سيتم استخراج النفط والغاز غداً.

التاريخ

عن الكاتب

المزيد من
المقالات