غداة تقرير مدراء صندوق النقد الدولي حول الاقتصاد اللبناني يعود النقاش ليتمحور حول الأسباب التي أوصلت البلد واقتصاده الى الانهيار وسبل الخروج من الازمة وإعادة إنعاش الاقتصاد الوطني بكافة قطاعاته الإنتاجية والخدماتية. في الوقت الذي يُناقض فيه النشاط الاقتصادي الحالي الذي استعاد الكثير من مؤشراته حيويتها وخاصة التجارية والخدماتية التوقعات الاقتصادية السابقة، ما يستدعي التدقيق في حقيقة هذه الحيوية وامكانية مساهمتها في تعافي الاقتصاد الوطني واستعادة قطاعاته المختلفة لدورها الإنمائي.
والحيوية الاقتصادية المستجدة تُعيدنا بالذاكرة الى مطلع تسعينيات القرن الماضي والوضع الاقتصادي الذي كان سائداً، لا سيما ما رافق تلك الفترة من ازدهار اقتصادي ونمو شمل معظم القطاعات الاقتصادية بنسب متفاوتة. إلا أنّ هذا النمو كان بمثابة فقاعة سرعان ما تبددت مفاعيله ليدخل بعدها الاقتصاد الوطني في نفق من الازمات المتتالية، سيما وأنّ النمو لم يشمل القطاعات الإنتاجية من زراعة وصناعة لا بل جاء على حسابهما حيث تم اهمال الزراعة ولم يلقَ القطاع الصناعي الرعاية المطلوبة.
وفيما أدى تثبيت سعر الصرف منذ العام 1997، الى تنشيط التجارة الخارجية وتوسُّع قطاع الخدمات، تسبب التثبيت بتراجع القدرة التنافسية للمنتجات الصناعية اللبنانية ليس في الأسواق الخارجية وحسب لا بل حتى في الأسواق المحلية، وحالت أسعار الفائدة المرتفعة دون قيام استثمارات انتاجية جديدة. وفي حين كان ربط الليرة بالدولار الأميركي عملية لا بد منها لاستعادة الثقة بالعملة المحلية، أدى الربط في المقابل الى مجاراة سعر الفائدة على الليرة لتقلبات سعر الفائدة على الدولار بغض النظر عن حاجة السوق النقدية المحلية حيث بلغت ما يُقارب الــ 20% في صيف العام 2018.
وعلى الرغم من أن تثبيت سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار ساهم في الحد من المعدل الاسمي للتضخم، الا أنّه أدى الى رفع سعر الصرف الحقيقي لليرة قُرابة الــ 100 % تجاه سلة من العملات الرئيسية للدول التي يرتبط معها لبنان بعلاقات تجارية نشطة، مما ألحق ضراراً كبيراً بالاقتصاد اللبناني نتيجةً للارتفاع الكبير في أسعار الصادرات اللبنانية وتدني أسعار السلع المستوردة وما يُسببه ذلك من مخاطر اغراق السوق المحلية.
كما أدى تمسك مصرف لبنان بسياسة تثبيت سعر صرف الليرة من دون غيرها من السياسات النقدية المتاحة الى تضحيته بمهماته الأساسية، لا سيما دوره في الحد من التضخم والحفاظ على استقرار الأسعار Price Stability وكذلك تسهيل الاستثمارات لاستيعاب اليد العاملة بما يُساعد في تخفيض نسبة البطالة وتحقيق ما يُعرف بالتشغيل الكامل للاقتصاد Full Employment ومن دون التسبب بالتضخم. مما قيد من قدرة لبنان على التحكم بسياساته النقدية التي يجب أن تتناسب مع أهدافه المالية والاقتصادية، وتسببت بارتفاع نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي وكبدته خسائر طائلة.
في المقابل، ادى تثبيت سعر الصرف الى تسعير الليرة بأعلى من سعرها الحقيقي، الامر الذي أدى الى رفع القوة الشرائية لمداخيل المقيمين وزاد من قدرتهم على التوسع في الانفاق على السلع المعمرة والاستهلاكية على حدٍ سواء، لا بل شكل حافزاً لهم على الاقتراض لتلبية هذا الانفاق. وازدهرت الخدمات الفندقية والمطاعم والمقاهي وتجارة السلع الغذائية منها والكماليات على اختلافها، بالإضافة الى اقبال اللبنانيين على السياحة الخارجية لا سيما الى الدول المجاورة المتدنية التكلفة بالمقارنة مع التكلفة المحلية.
وكانت وتيرة الازدهار ونسب النمو تخبو وتتَأَجَّجَ بحسب التجاذبات السياسية والتوترات الأمنية التي قلما غابت عن الساحة الوطنية، الامر الذي حال دون تراكم إيجابيات فترات النمو والازدهار وتآكلها نتيجة الأوضاع الأمنية والاختلافات السياسية. إلا أنّ ذلك لم يمنع اللبنانيين من الاستمرار في التوسع بإنفاقهم الاستهلاكي الذي يعتمد على السلع المستوردة، ما زاد من عجز الميزان التجاري في غياب الخطط الحكومية الهادفة الى تصحيح الاختلال المتفاقم في التوازن الاقتصادي.
وشكل ارتفاع متوسط الرواتب والاجور جاذباً لليد العاملة الأجنبية التي تسدد بالعملات الصعبة، وتسبب هذا الارتفاع بدوره في زيادة كلفة الإنتاج المحلية وعائقاً امام تطور قطاعاتها. وعوض أن تعمد الدولة الى تشجيع الاستثمارات الإنتاجية ومنحها التسهيلات المناسبة لتشجيع الإنتاج الوطني وخلق مزيد من فرص العمل، امتنعت عن المبادرة تاركة الغلبة لقطاع الخدمات المصرفية والتجارية والفندقية الذي اختصر مؤشرات حيوية الاقتصاد في تلك الفترة وحتى بداية الازمة.
وفيما كان النمو المحقق يتراجع يوماً بعد يوم، استمر تمويل الدولة بواسطة الدين العام وبالعملات الأجنبية، بعدما كان يقتصر على الليرة اللبنانية دون سواها من العملات. وقد تمكن القطاع المصرفي من استقطاب رساميل المغتربين مقابل أسعار فائدة مرتفعة، ما وفر سيولة عالية اقتصر استثمارها في الإقراض القصير الاجل والاستهلاكي بامتياز. الامر الذي دفع البعض الى أن يعتبر أن اللبنانيين يعيشون منذ تسعينيات القرن الماضي وحتى نهاية العام 2019، في وضع هو أقرب الى الوهم منه الى الحقيقة.
السؤال نفسه يتكرر اليوم في ظل الحركة الناشطة لبعض القطاعات الاقتصادية لا سيما الخدماتية من تجارة وسياحة وغيرها من الأنشطة الوثيقة الصلة بهما، فيما يستمر القطاع المصرفي في أزمته التي تنعكس سلباً على كافة القطاعات. وهل ما نشهده اليوم من استعادة للنشاط الاقتصادي هو حقيقة ام مجرد فورة تنتهي مع انتهاء موسم الصيف، هذا الموسم الذي يعود فيه المغتربون اللبنانيون الى لبنان لتفقد ذويهم وتقديم الدعم المعنوي والمادي لهم. الامر الذي أدى في العام 2022 الى ضخ مبالغ من العملات الأجنبية في الاقتصاد الوطني قدرها البنك الدولي بــ 6,4 مليارات دولار، احتل بفضلها لبنان المركز الثالث اقليمياً وعوض جزء من الشح في هذه العملات الذي تُعاني منه السوق النقدية منذ مطلع العام 2019.
وقد يكون بعض المراقبين محقين في رفضهم اعتبار الحركة التي تشهدها المطاعم اللبنانية ونوادي السهر الليلية دليلاً على استعادة الاقتصاد لبعضٍ من حيويته التي يشهدها لبنان اليوم، إلا أن عودة حجم الاستيراد خلال العام 2022 واقترابه مما كان عليه قبل الأزمة هو حقيقة لا يُمكن تجاهلها. ولعل عودة استيراد السلع الاستهلاكية من غذائية وغيرها هي الأكثر تعبيراً عن استعادة قطاع التجارة لحيويته، فبعد أن غابت الكثير من السلع عن الأسواق المحلية عادت وبأسعار حقيقية تُضاهي ما كانت عليه قبل الازمة.
وعلى أهمية تحويلات المغتربين ودورها في تنشيط الحركة الاقتصادية، إلا انها لا يُمكن أن تنهي الازمة الاقتصادية التي يعاني منها لبنان ومن غير الممكن أن توفر الحلول المناسبة لأسبابها بمجرد ضخها في القنوات الاقتصادية اللبنانية. سيما وأن ازمة لبنان الاقتصادية هي ازمة بنيوية ناتجة عن إعطاء قطاع التجارة والخدمات أولوية مطلقة على حساب غيره من القطاعات الإنتاجية وخاصة الصناعية التي تتميز بالاستدامة على عكس غيرها من الأنشطة الاقتصادية الموسمية.
وفي ظل الازمة التي يعيشها لبنان اليوم، يجب أن تُشكل هذه التحويلات حافزاً للسلطات المعنية والجهات الاقتصادية لإيجاد الوسائل المناسبة للاستفادة القصوى من هذه التحويلات، من خلال تشجيع قيام استثمارات إنتاجية تُساهم في زيادة الإنتاج الوطني وتحد من التوسع في الاستيراد وتسرب العملات الصعبة الى الخارج على غرار ما يحصل اليوم. ذلك أن نهوض لبنان من كبوته يتطلب عملاً دؤوباً وتراكمياً لتأمين قاعدة صلبة تُشكل منطلقاً لهذا النهوض، والفرص المتاحة اليوم قد لا تتوفر في المستقبل او تصبح غير مناسبة.




