الشيخ خليفة بن زايد: وطن ورجل في قرن
Spread the love

بقلم الدكتور ابراهيم أسامة العرب

محامٍ وأستاذ جامعي

هنالك عيّنة من الرجال تبقى ذكراها فوّاحة كأريج الزهر العاطر. فقيد الإمارات والعرب الراحل الكبير الشيخ خليفة بن زايد هو نموذج حقيقي عن هذه العيّنة الخالدة. فالرئيس الراحل الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان تاريخ لا يمكن أن نختصره بسطور، وإذا عدنا إلى صفاته لن نوفّيه حقه. فليس في حياة الإمارات خلال قرن محطّة لم يكن الفقيد لاعباً مهماً فيها، فالشيخ خليفة هو الرئيس الثاني لدولة الإمارات العربية المتحدة والحاكم السادس عشر لإمارة أبوظبي، كبرى الإمارات السبع المكوّنة للاتحاد، والقائد الأعلى للقوّات المسلّحة لدولة الإمارات، تولّى رئاسة الدولة في 3 تشرين الثاني 2004 خلفاً لوالده الشيخ زايد بن سلطان مؤسّس الدولة.

كان الشيخ خليفة وارثاً وعصامياً في الوقت ذاته، فعلى الرغم من كونه أخذ الكثير من أبيه الشيخ زايد، رحمه الله، ووزنه السياسي. إلا أنه اختار أن يدخل السياسة من باب الاستحقاق والجرأة في الرأي والموقف. وهذه الصفة العصامية في شخصه هي التي جعلته مرجعاً في بلده، وهي التي قرّبته إلى الجمهور والبسطاء من الناس، وفرضته رئيساً إماراتياً مميّزاً لعب دوراً كبيراً في النهضة العربية، وكان من كبار القادة العرب، فما من وثبة قام بها قطر عربي إلا وكان للفقيد عبر دولته طرفاً في إيصالها إلى أهدافها، بل إنّ إماراته هي التي غذّت الثقافة في الوطن العربي بهذا الألق الذي صنّفها رائدة الخلق والتجدّد والمعاصرة في العروبة والإسلام.

ظلّ الشيخ خليفة ملازماً لوالده الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في مهمته الصعبة لتحسين حياة القبائل في المنطقة، وإقامة سلطة الدولة، مما كان له الأثر الكبير في تعليمه القيم الأساسية لتحمل المسؤولية والثقة والعدالة. وكان أكثر ما يكون اهتماماً بالتقرّب إلى من يرى فيه طاقة خاصة لخدمة وطنه، وكان في جملة ما كان، حريصاً على إعطاء دور للأجيال الجديدة، وكم من موهبة لم تكن تعرف طريقها إلى الناس لولا أن مدّ يده إليها بالتشجيع والرعاية. كما انصرف جُلَّ اهتمام الشيخ خليفة إلى جعل المؤسسة العسكرية معهداً كبيراً متعدد الاختصاصات، يتم فيه إعداد كوادر بشرية مدرّبة، فأنشأ عدة كليات، وأمر بشراء أحدث المعدات والمنشآت العسكرية.

لقد آمن الشيخ خليفة بالدور الكبير الذي يمكن أن يلعبه وطنه، فساهم في إدخاله في صميم معركة المصير العربي في أكثر من مرحلة من مراحل حياته. وكان حريصاً على أن يقنع كل بلد عربي أن الإمارات اللامعة والمتألقة هي مصلحة له، وأنّ الإمارات تكون أكثر عطاءً للعرب عندما تكون ذاتها وتعيش عروبتها بكرامة.

أشرف الشيخ خليفة على تطوير قطاعي النفط والغاز، والصناعات التحويلية التي ساهمت بنجاح كبير في التنوع الاقتصادي في البلاد. كما قام بجولات واسعة في جميع أنحاء دولة الإمارات العربية المتحدة، لدراسة احتياجات الإمارات الشمالية، وأمر ببناء عدد من المشاريع السكنية، والطرق، ومشاريع التعليم، والخدمات الاجتماعية.بالإضافة إلى ذلك، أطلق مبادرة لتطوير السلطة التشريعية، من خلال تعديل آلية اختيار أعضاء المجلس الوطني الاتحادي، بشكل يجمع بين الانتخاب والتعيين، مما يتيح اختيار نصف أعضاء المجلس الوطني الاتحادي عبر انتخابات مباشرة من شعب دولة الإمارات. كما كان للأنشطة الرياضية نصيب كبير من اهتمام الشيخ خليفة الذي يحرص على متابعتها بشكل مستمر، وبخاصة كرة القدم، وله إسهامات مادية كبيرة في دعم وتكريم الفرق، والأندية الرياضية المحلية، التي تحقق بطولات محلية وإقليمية ودولية.

تفانى الشيخ خليفة لتحقيق الرخاء والرفاهية للقبائل الإماراتية، وحرص على الحفاظ على أمنهم ووحدتهم الوطنية، ومبادراته في رعاية البيئة والحفاظ على التراث الشعبي، لا تعدّ ولا تحصى. وكان مؤمناً أن القائد الحقيقي هو الذي يهتم برفاهية شعبه. كما لازم الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان المجالس العامة، والتي تعدّ مدرسة مهمة لتعليم مهارات القيادة السياسية في ذلك الوقت، مما وفّر له فرصة واسعة للاحتكاك بهموم المواطنين، وجعلته قريباً من تطلّعاتهم وآمالهم، كما أكسبته مهارات الإدارة والاتصال. هذه المكوّنات عنده سمّيت الزعامة. أي المبايعة المطلقة من جماعة إلى فرد. وقد أعطي الزعيم، لا حق التمثيل وحده، بل حق التوقيع والتعهد وتدبير المصائر التاريخية.

رجل دولة كان، تماماً، كما كان معبراً عن نبض الشارع العربي، الصاخب بشعاراته القومية الطامحة إلى لَمّ العرب ورفع شأنهم بين الشعوب والأمم. كانت طموحاته تنجدل بهموم الناس ومشكلاتهم حتى يدركها ولم ييأس. في هذا الإطار بالذات، لم يكن الشيخ خليفة زعيماً إماراتياً فحسب، أو قائداً عربياً فقط، أو رئيساً للدولة لسنين عديدة، بل كان جزءاً لا يتجزأ من استقلال الإمارات حتى تحوّل أحد علاماته الفارقة ورمزاً من رموزه الدالة على أن في الإمارات رجالاً أصحاب مواقف وقرارات.

لم تكن شجاعته يوماً موضع اختبار إلا وتألق في المواجهة. اختير رئيساً لرفعة الإمارات ووحدة أبنائها، ونأى عن المراءاة واختار السياسة مدخلاً لتحقيق الذات وترجمة للتطلعات الإماراتية والعربية وخدمة الناس. ورث الصلابة والكرم عن أبيه مؤسس الدولة، فجمع بذلك سداد الرأي وعزم المجابهين. وتعتبر مؤسسة خليفة بن زايد آل نهيان للأعمال الإنسانية ثالث أكبر جهة مانحة للمساعدات الخارجية في دولة الإمارات، حيث وصلت مساعداتها المختلفة لأكثر من 70 دولة في مختلف أنحاء العالم. وبيده المعطاءة، استجاب للعديد من حالات الطوارئ والأزمات الإنسانية لتلبية نداء المتضررين والمنكوبين والمهجرين أينما كانوا، سواء في مشارق الأرض أو مغاربها، مثل تقديم المعونات الإغاثية بعد كارثة تسونامي في المحيط الهندي عام 2004 وزلزال عام 2005 الذي دمر جزءاً كبيراً من شمال باكستان، والمناطق المجاورة في الهند.

يغيب الشيخ خليفة، مخلفاً قرناً من العطاء والصدق مع الذات ومع الآخرين ومع الوطن.  ونحن نودّعه بألم يعتصرنا لا يسعنا إلا القول أنها مشيئة الباري عزّ وجلّ ولا اعتراض على مشيئته، وإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

The post الشيخ خليفة بن زايد: وطن ورجل في قرن appeared first on جريدة الشرق اللبنانية الإلكترونيّة – El-Shark Lebanese Newspaper.

التاريخ

المزيد من
المقالات