العالم يعيد تشكيل النظام الدولي خارج المظلة التقليدية
Spread the love

لم يعد ممكنا التعامل مع التحولات الدولية الجارية باعتبارها مجرد اضطرابات عابرة أو انعكاسات ظرفية لأزمات مؤقتة فالعالم يعيش مرحلة إعادة ترتيب عميقة تتراجع فيها الثوابت التي حكمت العلاقات الدولية منذ منتصف القرن الماضي وتظهر فيها أنماط جديدة لإدارة القوة والنفوذ والمعنى السياسي نفسه مبادرة دونالد ترامب لتأسيس ما أسماه مجلس السلام العالمي لا يمكن فهمها إلا في هذا السياق الواسع فهي ليست مشروع سلام بالمعنى التقليدي ولا خطة إصلاح مؤسسي للأمم المتحدة بل تعبير صريح عن رؤية سياسية ترى أن النظام الدولي القائم لم يعد قادرا على خدمة مصالح القوى الكبرى ولا على إدارة الصراعات المتشابكة التي باتت تتجاوز أدواته البيروقراطية وقواعده القانونية الثقيلة

الفكرة السائدة لدى كثيرين أن الأمم المتحدة قد تنهار بقرار أو إعلان رسمي تعكس سوء فهم لطبيعة المؤسسات الدولية فهذه الكيانات لا تموت فجأة بل تفقد وظيفتها تدريجيا حين يتم تجاوزها في القرارات الكبرى أو حرمانها من الموارد أو التعامل معها باعتبارها منصة شكلية لا أكثر هذا المسار بدأ منذ سنوات حين بات مجلس الأمن عاجزا عن حسم النزاعات الكبرى وحين تحولت قرارات الجمعية العامة إلى بيانات رمزية لا تغير موازين القوى على الأرض ما نشهده اليوم هو تسارع لهذا المسار لا اختراعه من جديد

مبادرة مجلس السلام تأتي في لحظة فقدت فيها الولايات المتحدة صبرها على التعددية التقليدية وبدأت ترى في المؤسسات الدولية عبئا يقيد الحركة أكثر مما يوفر الحلول الرؤية التي تقف خلف هذه المبادرة لا تنطلق من إصلاح النظام القائم بل من تجاوزه عبر خلق أطر موازية أكثر مرونة وأقل التزاما بالقواعد الجماعية وأكثر انسجاما مع منطق القوة والمال في هذا النموذج لا تكون الشرعية ناتجة عن الإجماع الدولي بل عن القدرة على التأثير وعن حجم المشاركة المالية وعن القرب من مركز القرار

هذا التحول يعيد إلى الواجهة منطق التكتلات الذي ساد في القرن التاسع عشر حين كانت القوى الكبرى تدير العالم عبر تفاهمات ضيقة وتحالفات ظرفية دون حاجة إلى مظلة قانونية جامعة الفرق اليوم أن هذا المنطق يعود في عالم أكثر تعقيدا وأكثر تشابكا حيث تتداخل الأزمات الأمنية مع الاقتصادية والبيئية والإنسانية ما يجعل غياب إطار جامع أكثر خطورة من أي وقت مضى

مع ذلك فإن الحديث عن نهاية الأمم المتحدة بوصفها واقعا محسوما يبقى مبالغا فيه فالمؤسسة لا تزال تمتلك شرعية تاريخية وقانونية تجعل تجاوزها مكلفا سياسيا حتى للقوى التي تنتقدها أكثر الدول لا ترغب في العيش في عالم بلا قواعد ولا في نظام تحكمه المبادرات الفردية والصفقات المؤقتة لأنها تدرك أن البديل عن نظام دولي ضعيف قد يكون فوضى دولية مفتوحة لذلك فإن ما يتشكل أمامنا ليس قطيعة كاملة بل ازدواجية متنامية حيث تبقى الأمم المتحدة قائمة شكلا بينما تنتقل بعض وظائفها فعليا إلى أطر موازية أو تكتلات إقليمية أو مبادرات تقودها قوى بعينها

التعددية القطبية التي باتت واقعا لا تعني بالضرورة توازنا أكثر عدلا بل قد تعني تشرذما في مراكز القرار وتنافسا بين مؤسسات متعددة لا يجمعها منطق موحد في مثل هذا العالم تصبح إدارة النزاعات أكثر صعوبة لأن كل أزمة تخضع لحسابات مختلفة وتدار عبر منصات متباينة وقد تتحول فكرة السلام نفسها من قيمة جماعية إلى أداة تفاوضية تستخدم لتحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية

مجلس السلام المقترح قد يجد له موطئ قدم في بعض الملفات وقد ينجح في لعب دور في إعادة الإعمار أو في إدارة تسويات محدودة لكنه يظل محكوما بسقف الشرعية التي يمنحها له المشاركون فيه وبمدى قدرتهم على القبول بقيادة مركزية واحدة في عالم بات أكثر حساسية تجاه مسألة السيادة وتوازن النفوذ كما أن ربط العضوية الدائمة بالقدرة المالية يضعف من جاذبيته لدى دول كثيرة ترى في ذلك تكريسا لفكرة أن السلام سلعة لا حقا جماعيا

العالم اليوم لا يقف على أعتاب انهيار شامل للنظام الدولي لكنه يعيش مرحلة إعادة كتابة غير مكتملة لقواعده مرحلة تتراجع فيها المؤسسات القديمة دون أن تختفي تماما وتظهر فيها مبادرات جديدة دون أن تترسخ كبدائل مستقرة هذه المنطقة الرمادية هي الأخطر لأنها تخلق فراغا في الشرعية وتفتح الباب أمام صراعات نفوذ صامتة لا تحكمها قواعد واضحة ولا خطوط حمراء متفق عليها

في هذا المشهد المتحول يبقى السؤال الحقيقي معلقا لا حول مصير الأمم المتحدة ولا حول مستقبل مجلس السلام بل حول شكل العالم الذي يتكون ببطء خلف هذه التحولات عالم تتراجع فيه القواعد المشتركة ويعلو فيه منطق القوة وتصبح فيه الدول الضعيفة أكثر عرضة للتهميش في غياب نظام قادر على حمايتها هذا هو التحدي الجوهري للمرحلة القادمة وهو ما يجعل كل مبادرة جديدة مهما حملت من شعارات السلام محكومة بميزان الواقع قبل أي شيء آخر.

التاريخ

عن الكاتب

المزيد من
المقالات