العبودية في موريتانيا.. آفة تقاوم الفناء
Spread the love

Reading in العربية (Arabic) | Read in English

في الأسبوع الأخير من فبراير والأول من مارس 2026، وجدت الحكومة الموريتانية نفسها في دائرة اتهام حقوقي واسع بسبب ملف “العبودية”، والذي يشكل محور توتر وجدل اجتماعي مستمر في البلاد.

هذا الجدل تجسد في الإدانة الصادرة عن ائتلاف التناوب الديمقراطي المعارض (cad2029) إثر سجن ستة نشطاء ضد العبودية بالإضافة إلى سجن امرأتين أبلغتا عن حالة عبودية، والذي وقف ما جرى بأنه “انجراف قضائي غير مسبوق يهدف إلى إخفاء الحقيقة”.

كما أعلنت لجنة الإعلام في مبادرة انبعاث الحركة الانعتاقية “إيرا” عن توقيف عدد من قياداتها ونشطائها، مؤكدة أن هذا تم بصفتهم مبلّغون عن انتهاكات مرتبطة بجرائم الاسترقاق.

تأتي هذه التفاعلات إثر الانتشار الكبير لقضية الطفلة النوها، والتي قيل إنها في حالة “عبودية” من طرف أسرة تعيلها، ورغم نفي النيابية العامة لهذه الاتهامات وقولها إن الأمر يتعلق بتكفل الأسرة بها كحالة اجتماعية وإنسانية، إلا أن هذا النفي لم يوقف الجدل والنقاش المجتمعي في موريتانيا.

وفي ظل هذا التفاعل، نظمت نساء حركة “إيرا”، وقفة احتجاجية أمام مكتب المفوضية السامية لحقوق الإنسان بنواكشوط، تنديدا بسجن نشطاء من الحركة.

ورفعت المشاركات لافتات كُتب عليها: “لا للعبودية”، “لا لقمع المبلغين عن العبودية”، “النظام يسجن المبلغين والضحايا ويحمي المتورطين”.

كما وجه النائب البرلماني ورئيس الحركة الإنعتاقية “إيرا” برام الداه اعبيد انتقادات لاذعة للنظام الموريتاني على خلفية قضية الطفلة النوها التي بلغت عنها الحركة على أنها حالة عبودية، وما تلاها من اعتقالات.

وبعد إعلان والى ولاية الحوض الشرقي عبر التلفزيون الرسمي عن تقديم أن المندوبية العامة للتضامن الوطني ومكافحة الإقصاء (التآزر) لقطعة أرضية ومبلغ مليوني أوقية لأسرة الطفلة النوها كبادرة تعاطف معها من طرف السلطات الموريتانية، رشح تساؤل منطقي عن سبب هذا العطف الحكومي الاستثنائي.

ومرد هذا التساؤل من جانبين، الأول، وهو إن كانت حالة الطفلة النوها لا تتعلق بحالة عبودية فلماذا هذه العطايا الحكومية لها ولأسرتها دون غيرها من حالات الفتيات والأسر التي تعيش في هشاشة اجتماعية في موريتانيا؟

والثاني، إن كان هذا الاستثناء غير بريء، فما الذي تحاول السلطات إخفاءه؟ وهل يمكن اعتبار هذه العطايا كرشوة اجتماعية لأسرة الطفلة لطي صفحة هذا الجدل والتفاعل؟

في جميع الأحوال، يظهر من التفاعل الرسمي مع الحدث، سواء من خلال اعتقال المبلغين عن حالة الطفلة النوها، أو محاولة شراء صمت أسرة الضحية أننا أمام ظاهرة ما تزال مستمرة ومنتشرة، وأن السلطة إلى الآن تبدو غير قادرة على إيجاد حل حقيقي ينهي هذه الآفة.

صحيح أن الظواهر الاجتماعية تحتاج إلى وقت غير يسير لمعالجتها من جذوها، نظرا لتغلغها في النسيج الاجتماعي، إلا أن الإرادة السياسية الحقيقية حال توفرها لابد وأن تسهم في تسريع الخطوات للقضاء على آفة “العبودية”.

والملاحظ أن تصرف السلطات في حالة الطفلة النوها كان غير حكيم، إذ برز التناقض في سلوكها بين عطايا اجتماعية لأسرة الضحية ونفي تعرضها للعبودية، في وقت كان بإمكان السلطة أن تجعل من موقفها أكثر انسجاما بالإبقاء على سردية الحالة الاجتماعية، وتعلن طي الملف، مما يكون وقعه المحلي أكثر إقناعا.

الخلاصة التي نريد التأكيد عليها أن كرامة الإنسان أمر لا يمكن التساهل فيه أو التطبيع مع انتهاكه، ليس فقط لأن القانون الدولي يؤكد هذا، وكذا القوانين المحلية، بل أيضا لكون الدين الإسلامي الذي تدين به الغالبية الموريتانية يدعو لتكريم الإنسان والقضاء على الاستعباد.

وفي هذا الصدد، نرى أن الدين الإسلامي وسع من مجالات تحرير العبيد حال قيام المسلم بمخالفات شرعية، بينما أغلق النافذة أمام دخول أي شخص جديد لهذه الفئة، عملا بمبدأ التدرج في محاربة هذه الآفة الاجتماعية، وقضاء على مدخلاتها.

ولذلك، كان من المفروض أن يكون المجتمع الإسلامي بعد 14 قرنا من بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، قد انتهى من شيء اسمه العبودية، غير أن حالة النوها وغيرها كثير، يبين الفجوة القائمة بين تطبيق النصوص الشرعية في جانبها الحقوقي والإنساني وبين واقع المسلمين وثقافتهم وعاداتهم الاجتماعية.

وعلى سبيل الختم لابد من التأكيد أن واجب إنكار أي استعباد للإنسان أمر قائم ومشترك بين كل قوى المجتمع، بدءا من السلطات الحكومية، مرورا بالأحزاب السياسية والمنظمات الأهلية والحقوقية، وصولا إلى العلماء والمفكرين والنخبة الثقافية والإعلامية، والتي في تعاونها على مجابهة هذه الظاهرة، بكل جدية وحزم، يمكن أن نلمس شعاع النور في طريقنا نحو بناء مجتمع تسوده الكرامة والمساواة وقيم المواطنة الجامعة بين كل فئاته ومكوناته.

التاريخ

عن الكاتب

المزيد من
المقالات