برز المثلث الحدودي الرابط بين ليبيا ومصر والسودان خلال السنوات الأخيرة كأحد أهم المساحات الجيوسياسية في شمال إفريقيا، بعدما صار المسرح الخلفي لتشابك معقد بين مصالح قوى إقليمية كبرى، على رأسها مصر والإمارات وتركيا.
أصبح هذا الامتداد الصحراوي الحيوي نقطة عبور للسلاح والمقاتلين، ما انعكس مباشرة على الأزمة الليبية، وعزّز فرص تحوّل الجنوب الليبي إلى مساحة صراع بالوكالة مرتبط بتطورات الحرب السودانية.
ويستعرض هذا التحليل خلفيات التنافس المصري–الإماراتي في السودان، وكيف يتسرب هذا التنافس إلى الداخل الليبي، ولا سيما في ظل العلاقة غير المستقرة بين القاهرة وخليفة حفتر، نتيجة تقاطعات حفتر مع قوات الدعم السريع المدعومة إماراتيًا. كما يناقش التحليل الدور التركي المتحرك في ليبيا، واحتمالات إعادة ترتيب المشهد الأمني مستقبلاً.
تحليل معمّق للمشهد الإقليمي
أولاً: أهمية المثلث الحدودي
يمتد المثلث الحدودي بين ليبيا ومصر والسودان في نطاق جغرافي صحراوي وعِر، تزيد مساحته الواسعة من صعوبة ضبطه أمنيًا. ومع انهيار البنية الحكومية في ليبيا وتفكك الدولة في السودان وانشغال مصر بملفات أمنية واقتصادية داخلية، تحوّل هذا المثلث إلى نقطة محورية في:
• تهريب السلاح
• حركة الجماعات المسلحة
• تجارة البشر
• تدفقات الذهب
• انتقال المرتزقة جنوبًا وشمالًا
هذا الموقع المركزي جعله أداةً دقيقة في يد القوى الإقليمية، فاستخدمته بعض العواصم لتعديل موازين الصراع لصالح حلفائها.
ثانيًا: مصر – منطق الأمن القومي أولًا
تقترب مصر من المثلث الحدودي بمنطق واضح:
ضمان الأمن القومي وحماية حدودها الجنوبية ومنع انتقال الفوضى إليها.
وتُدرك القاهرة أن استمرار الصراع في السودان من دون حسم سيشكل تهديدًا مباشرًا لها، خاصة مع وجود:
• موجات لجوء محتملة
• شبكات تهريب
• مجموعات مسلحة قد تتسلل للأراضي المصرية
لذلك، اختارت مصر دعم الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان، اعتقادًا بأن المؤسسة العسكرية السودانية تمثل صمام أمان للحدود. وبالتوازي، سعت القاهرة إلى تثبيت استقرار الشرق الليبي تحت سلطة خليفة حفتر، بالنظر إلى أن أي اضطراب في بنغازي أو الجفرة قد يعيد فتح الطريق أمام تهريب السلاح نحو السودان ومنها إلى داخل مصر.
ثالثًا: الإمارات – نفوذ بلا حدود جغرافية
على الطرف الآخر، قدمت الإمارات نموذجًا مختلفًا في سياستها الإقليمية.
فهي تتعامل مع المنطقة بمنطق استثماري ممتد، يستهدف:
• السيطرة على المنافذ التجارية
• النفاذ إلى الثروات المعدنية (كالذهب)
• عقد شراكات مع الفاعلين الأكثر حركة وتأثيرًا
ولذلك، وسّعت أبوظبي علاقاتها مع قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، باعتبارها طرفًا قادرًا على فرض نفوذ واقعي في السودان.
ورغم أن الإمارات ومصر تتفقان في ليبيا على دعم حفتر، فإن دعمه لعلاقاته مع حميدتي يضع القاهرة أمام موقف متناقض، لأنه يمكّن الدعم السريع من استخدام الشرق الليبي كقاعدة خلفية لوجستية في الصراع السوداني.
هذا التناقض يعكس بداية تشكل تنافر استراتيجي ناعم بين القاهرة وأبوظبي، بعدما كان الطرفان يتحركان على خط واحد خلال السنوات الماضية.
رابعًا: حفتر بين القاهرة وأبوظبي
يُعد خليفة حفتر نقطة تقاطع مهمة في الصراع السوداني – الليبي.
فهو يحظى بدعم مصري وإماراتي، لكنه في الوقت نفسه يوازن بين الطرفين من أجل توسيع أوراقه.
ولأن علاقاته مع حميدتي تمنحه منفذًا اقتصاديًا (الذهب) ولوجستيًا (الحدود)، فإنه لا يتردد في إبقاء هذه القناة مفتوحة، على الرغم من قلق القاهرة من أن تصبح ليبيا منصة لإسناد الطرف الذي يناوئ مصالحها المباشرة في السودان.
هذا التناقض قد يضعف مستقبل دعم مصر لحفتر، أو قد يدفع القاهرة لإعادة تقييم علاقتها به، وربما البحث عن بدائل أو تقييد نفوذ الرجل في الجنوب الليبي.
خامسًا: تركيا – لاعب متوازن ينتظر اللحظة
خلال السنوات الأخيرة، نجحت تركيا في تثبيت موطئ قدم صلب غرب ليبيا، مستندة إلى اتفاقيات أمنية مع حكومة طرابلس.
غير أن التغيرات جنوبًا نحو السودان تستدعي أنقرة إلى مراقبة دقيقة للمشهد، خاصة أنها:
• تسعى لتعزيز حضورها الاقتصادي
• تحرص على منع تمدد خصومها في العمق الليبي
• تستفيد من تناقض أبوظبي–القاهرة حين يحتاج ميزان القوى طرفًا مرنًا
وربما تتحرك تركيا مستقبلًا لإيجاد قنوات مع تشاد أو أطراف داخل السودان، بما يحقق لها حضورًا محتملًا جنوب ليبيا إذا اقتضت الضرورة.
سادسًا: تداعيات مباشرة على ليبيا
الجنوب الليبي يظل الحلقة الأضعف بحكم:
• هشاشة المؤسسات
• صعوبة الرقابة الحدودية
• وجود اقتصاد موازٍ قائم على الذهب والتهريب
• انتشار جماعات عابرة للحدود
ويزيد التنافس الإقليمي من هذه الهشاشة، لأنه يوفّر موارد وتمويلًا لشبكات مسلحة تدير تجارة حدودية، ما يعيق أي مشروع لبناء مؤسسات قوية قادرة على توحيد البلاد.
كما يهدد استمرار الصراع في السودان بإعادة تدوير مقاتلين ومرتزقة قد يجدون في ليبيا بديلًا ماديًا مناسبًا، خاصة مع استمرار غياب دولة مركزية قوية.
سابعًا: مستقبل النفوذ الإقليمي في ليبيا
يبدو واضحًا أن استمرار التضارب بين مصر والإمارات في المثلث الحدودي سينعكس على المشهد الليبي بصورة أعمق.
فمصر ترى أن دعم حفتر يجب ألا يُستخدم في تأمين الدعم السريع، بينما تحاول أبوظبي الحفاظ على قنواتها مع الطرفين لضمان بقائها لاعبًا أساسيًا في شمال إفريقيا.
ومن غير المستبعد أن يؤدي تفاقم التباين إلى:
• إعادة توزيع التحالفات داخل ليبيا
• تحركات مصرية لتقليص نفوذ حفتر جنوبًا
• اندفاع تركيا لاحتلال مساحة نفوذ جديدة
• تزايد فرص صدام غير مباشر بين القوى الإقليمية
وفي حال استمر الوضع دون ضبط، قد يصبح الجنوب الليبي قاعدة صراع إقليمي مفتوح، يهدد الاستقرار السياسي ويعطّل المسارات الانتخابية.
في الختام
يبدو المثلث الحدودي الليبي–المصري–السوداني أكثر من مجرد جغرافيا مشتركة؛ إنه نقطة التقاء لمصالح متشابكة تعيد رسم توازنات المنطقة.
وما لم تتحرك الأطراف الإقليمية لسد الفراغ الأمني وإيجاد تفاهمات سياسية مشتركة، فقد يتحول الجنوب الليبي إلى بؤرة استراتيجية لإعادة إنتاج الصراع السوداني داخل ليبيا، بما يهدد الأمن القومي لدول الجوار، ويطيل أمد الأزمة الليبية.


