
حدثان في غاية الأهمّية من المفيد التوقف عندهما. الأوّل التراجع العسكري الروسي في أوكرانيا والآخر البيان الصادر حديثا عن حكومات المانيا وبريطانيا وفرنسا. يؤكّد البيان بطريقة مباشرة أن الكيل طفح من ايران في ضوء رغبتها بفرض شروطها على المجتمع الدولي من اجل التوصّل إلى صفقة في شأن برنامجها النووي.
لا يعرف الرئيس فلاديمير بوتين كيف يخسر. أن تعرف كيف تخسر أهمّ بكثير من أن تعرف كيف تربح. لذلك، يتصرّف بطريقة توحي بأنّّ ذاهب إلى مزيد من الخسائر. يؤكّد ذلك الهزائم التي لحقت بالجيش الروسي شرق أوكرانيا أخيرا. لا يمكن الإستخفاف بالنتائج التي سترتب على نتيجة هذه الهزائم في بلد في بحث مستمرّ عن امجاد يعتبرها ضائعة، بعيدا عن أي نوع من الواقعية.
الأمر نفسه ينطبق على «الجمهوريّة الإسلاميّة» في ايران التي لا تدري أنّ الربح لا يكون بتدمير هذه الدولة العربيّة أو تلك والنسيج الاجتماعي فيها بمقدار ما أنّه يكون بتوفير ظروف تسمح بعيش افضل للشعب الإيراني. لا تدرك ايران أنّها مجرد دولة من دول العالم الثالث يفرض في النظام فيها الإنصراف إلى معالجة مشاكل البلد والشعب بدل الإستثمار في كلّ ما يخرّب المنطقة.
يخوض الرئيس الروسي منذ الرابع والعشرين من شباط – فبراير الماضي حربا مع أوكرانيا بعدما حشد قواته على حدوها. كانت هزيمته الأولى على أبواب العاصمة كييف. فوجئ بوتين بأن دخول كييف ليس نزهة وهناك عصبيّة وطنيّة أوكرانيّة وتصميما شعبيا على المقاومة. لعلّ أكثر ما فاجأه صمود الرئيس الأوكراني فلودومير زيلنسكي. تحوّل زيلنسكي إلى شخص جدّي وتحوّل بلده، بفضل المساعدات الأميركيّة والأوروبيّة، إلى ندّ جدّي لروسيا. كانت كلّ حسابات بوتين خاطئة بما في ذلك تلك المتعلّقة بقوة الجيش الروسي ونوع سلاحه من جهة وقدرة الأوكرانيين على المقاومة من جهة أخرى.
في اطار أوسع، يتجاوز أوكرانيا، لم يدرك بوتين معنى خوض حرب في أوروبا. لم يعرف بوتين في أي وقت أنّ أوكرانيا شيء وأن سوريا، التي تدخل فيها في مثل هذه الأيّام من العام 2015 دعما لنظام اقلّوي وتلبية لطلب إيراني، شيء آخر مختلف تماما. لم يدرك أنّ في استطاعته قتل آلاف السوريين والمشاركة في الحرب على الشعب السوري، وهي حرب مستمرّة منذ آذار – مارس من العام 2011، من دوم حسيب أو رقيب. ما لم يدركه أن عدوانه على أوكرانيا سيعني وضع كلّ أوروبا في وجهه بدعم من أدارة اميركيّة مستعدّة لتقديم كلّ المساعدات العسكريّة الممكنة إلى زيلنسكي.
يجد الرئيس الروسي نفسه في وضع لا يحسد عليه. استخدم الإبتزاز عن طريق قطع الغاز عن أوروبا والتلويح بالسلاح النووي. نسي أنّ هناك، في المدى الطويل، بديلا من الغاز الروسي وأن روسيا ليست الدولة الوحيدة التي تمتلك سلاحا نوويا.
وضع الرئيس الروسي نفسه في مأزق. ما ينطبق على روسيا، التي باتت دولة معزولة، ينطبق على ايران التي اعتقدت أنّ في استطاعتها متابعة ابتزاز العالم بمجرّد أن لديها ميليشياتها المذهبيّة، التي تعمل بامرة «الحرس الثوري» الإيراني، في العراق وسوريا ولبنان واليمن. لم تستوعب «الجمهوريّة الإسلاميّة» في أي لحظة أن امتلاك أوراق إقليميّة شيء ولعب دور القوّة المهيمنة شيء آخر. ثمّة حدود معيّنة لا تستطيع ايران تجاوزها. هذا ما جاء البيان الألماني – البريطاني – الفرنسي الشديد اللهجة في شأن ملفّها النووي يذكّرها به. جاء البيان ليذكرها بذلك، في وقت تبدو إدارة بايدن منشغلة بأوكرانيا وبالإنتخابات النصفية الأميركيّة في تشرين الثاني – نوفمبر المقبل. ما لن تدركه ايران أن المجتمع الدولي لا يستطيع وضع نفسه تحت رحمة سلاحها النووي، مثلما لا تستطيع أوروبا السماح بسيطرة روسيا على أوكرانيا.
لم تعرف روسيا في عهد فلاديمير بوتين كيف تخسر. ستلجأ إلى التصعيد نظرا إلى أن الرئيس الروسي لا يستطيع الإقدام على أي خطوة تراجعية. ستدفع أوكرانيا غاليا ثمن هذا التصعيد من جهة ورفض بوتين الإقرار بأنّ حساباته الأوكرانيّة كنات خاطئة في أساسها من جهة أخرى. ستعاني أوروبا كلّها من أزمة الغاز هذا الشتاء. لكنّه سيتبيّن في المدى الطويل، أنّه ليس مسموحا لروسيا بتحقيق انتصار في أوروبا عن طريق السيطرة على أوكرانيا. في الوقت ذاته، ليس مسموحا لإيران، بالتحوّل إلى قوّة مهيمنة تفرض ارادتها على دول المنطقة وعلى العالم.
ستعاني دول المنطقة كثيرا من عجز «الجمهوريّة الإسلاميّة» عن الإعتراف بأنّ شعوب المنطقة، خصوصا في العراق وسوريا ولبنان، ترفض في معظمها أن تكون تحت وصايتها. لن تجد امامها سوى تأديب هذه الشعوب كونها لا تعرف أن الإعتراف بالخسارة يبقى الطريق الأقصر للخروج من الأزمة العميقة التي تعاني «الجمهوريّة الإسلاميّة» منها، وهي أزمة لن تحلها التدخلات الإيرانيّة في هذه الدولة العربيّة أو تلك… وهي تدخلات لا تعني سوى ممارسة سياسة الهروب إلى امام. منذ متى كان الهروب إلى أمام سياسة تحلّ مكان الإعتراف بالخطأ والسعي إلى العودة عنه قبل فوات الأوان؟
The post بقلم خيرالله خيرالله – بوتين وإيران… وأن تعرف كيف تخسر! appeared first on جريدة الشرق اللبنانية الإلكترونيّة – El-Shark Lebanese Newspaper.


