تُشكل الموارد الطبيعية عامةً والهيدروكربونية خاصةً جزءاً من الثروة الحقيقية للأمم، وهي رأس المال الطبيعي الذي تتكون منه أشكال أخرى من رأس المال، مما يُعطي إيراداتها دوراً اساسياً في عملية التنمية الاقتصادية. ولا تزال الموارد الهيدروكربونية أحد اهم الموارد الطبيعية نظراً لما تختزنه من طاقة كثيفة، شكلت منذ الثورة الصناعية عاملاً رئيسياً في تسريع الانتاج ورفع الإنتاجية. وغالباً ما تتمتع البلدان الغنية بالموارد الهيدروكربونية بفرصة تحقيق إيرادات مالية كبيرة.
ولا يعني مجرد توافر الموارد الطبيعية في بلد ما تحوله بالضرورة الى بلد ثري ولا سبباً لنموه ورفاهية مواطنيه، لا بل قد تتسبب بما يُعرف بلعنة الموارد. غير أنّه يمكن مع الحوكمة الرشيدة والمؤسسات الشفافة والإدارة المتطورة، التخلص من اللعنة وتحويلها إلى فرصة للتنمية الإنسانية والاقتصادية. سيما وأنّ هذه الموارد متناقصة بطبيعتها وآيلة الى النضوب، ما يستوجب استثمار إيراداتها في مشاريع إنتاجية جديدة تحقق استدامة التنمية المنشودة.
وتجدر الإشارة الى أنّ عائدات النفط والغاز وايرادات غيرهما من الموارد الطبيعية ليست ربحاً أو دخلاً صافياً، انما تُمثل ببساطة عملية إعادة ترتيب لمحفظة أصول الدولة بين أصولٍ عينية وأخرى نقدية. ذلك أنّ استثمار الموارد الهيدروكربونية وغيرها يؤدي الى “خسارة” هذه الموارد من جهة، والى خلق موارد جديدة استثمارية من جهة ثانية. أي انه استثمار يستنفد موارد ليخلق موارد جديدة، انه “التدمير الخلاق” وفق تعبير (Joseph Schumpeter).
وتتميز الموارد الهيدروكربونية بسهولة نقلها وتخزينها وتعدد استخداماتها ما يجعل تكلفتها منخفضة نسبياً، ويُعطيها دور الجاذب للأنشطة الإنتاجية ولمختلف القطاعات الاقتصادية، من النقل الى الزراعة والصناعة وكذلك التجارة. ويتخطى دور هذه الموارد الجانب الاقتصادي لجهة تلبيته احتياجات الدول المنتجة وخلق دينامية انمائية تساهم في تعظيم ثروتها الوطنية، لتلعب دوراً استراتيجياً في الاقتصاد العالمي وتؤثر في مجرى التطورات الاقتصادية العالمية وتتأثر بها.
ولما بينت المسوحات السيسمية لمياه المنطقة الاقتصادية الخالصة اللبنانية توافر احتياطياتٍ واعدة من الغاز والنفط، وما يُشكله ذلك من فرصة للبنان لحل أزماته المالية والاقتصادية إذا ما اُصبح بلداً منتجاً، الا أنه يطرح في الوقت عينه تحدياتٍ لا بد من الاستعداد لمواجهتها والتغلب عليها. ذلك أنّ استثمار الموارد الطبيعية عامةً والهيدروكربونية خاصةً ينطوي على مضاعفاتٍ سلبية تُهدد المكاسب المتوقعة، ما يستدعي التعامل مع هذه الموارد باحتراف ومسؤولية ووضع الخطط والبرامج الكفيلة باستثمار الموارد المتاحة على الوجه الأمثل.
التحديات التي تعترض نفط وغاز لبنان
يواجه لبنان مجموعة من التحديات التي تهدد استفادته من الاحتياطيات الهيدروكربونية الموعودة بالشكل الأمثل، خاصةً وأنه في طور الدخول لأول مرة الى الصناعة الاستخراجية. وتتوزع هذه التحديات بين ما هو تقني وبيئي، وبين التحول الى الطاقة المتجددة والنظيفة وحسن إدارة التدفقات المالية المرتقبة الى غيرها من التحديات.
اما اول هذه التحديات فتتلخص في افتقار لبنان الى البنية التحتية التقنية التي تسمح له التحكم بمسار الحفر والإنتاج. ذلك أنّ عدم امتلاك لبنان المعدات المناسبة يُحتم عليه، الاعتماد على شركات النفط العالمية في أنشطة الحفر والاستكشاف في المياه البحرية ومن ثم الإنتاج وتطوير الحقول. في الوقت الذي تشير فيه التوقعات الى ارتفاع مستوى الطلب على منصات الحفر البحرية لتلبية أنشطة الاستكشاف التي ارتفعت إلى أعلى مستوى لها في عشر سنوات خلال العام الجاري، ما يزيد من صعوبة تحكم لبنان بالتوقيت المناسب للمباشرة بالحفر وبالتالي التحكم الإنتاج.
ولا تقل اهمية عن التحديات التقنية التي سبقت الإشارة اليها، التحديات المتمثلة بترهل الإدارة وعجزها عن تأهيل البنى التحتية من خزانات ومعدات في مصفاتي طرابلس والزهراني لتخزين النفط المزمع استخراجه. كما يبرز عجز الإدارة في عدم سعيها الى تأهيل هاتين المصفاتين او إحداهما على الاقل لتلبية حاجة السوق المحلية من المشتقات النفطية في المستقبل. علماً أنّه من الممكن إعادة ربط مصفاة طرابلس بالعراق ما يعود بالفائدة على لبنان والعراق في الوقت عينه.
كما يندرج في إطار التحديات التي يواجهها لبنان عشية استخراج النفط والغاز من تحت مياه بحره، النقص في الكوادر المتخصصة والقادرة على مراقبة عمليات الحفر والاستخراج بما يكفل المصلحة الوطنية. فعلى الرغم من أنّ الصناعة الاستخراجية لا تخلق فرص عمل على غرار غيرها من الصناعات، وتقتصر على عدد محدود من الأشخاص المتخصصين في هذا المجال. الا أن هذا لا يمنع من ادراج الاختصاصات المتعلقة بهذه الصناعة في مناهج المدارس المهنية والبرامج الجامعية وحصر هذه الفرص باللبنانيين من حملة الاختصاص.
ومن المخاطر والتحديات أيضاَ، المبالغة في تخمين الاحتياطات وبالتالي المبالغة في تقدير الإيرادات التي يمكن توقعها من استثمار الموارد المرتقبة، مما يؤدي إلى التوسع في الإنفاق العام والاقتراض على حساب إيراداتٍ قبل تحققها. ويُضاعف من تحديات المبالغة في تقدير الإيرادات تقلبات أسعار النفط والغاز التي تؤدي الى تذبذب هذه الإيرادات، مما يُعرقل خطط التنمية ويؤخر النمو المنشود من استثمار الموارد الهيدروكربونية.
وحماية البيئة تُشكل بدورها تحدياً للبلدان الغنية بالموارد الطبيعية نظراً لما يواكب استثمارها من اضرارٍ تسببها اعمال الحفر والنقل بالإضافة الى منشآت التخزين والتكرير ومخاطر التسرب. ما يستوجب حسن إدارة استثمار هذه الموار للحؤول دون الحاق الاضرار بالبيئة، لما تتطلبه معالجة هذه الاضرار من تكلفة قد تًطيح بجزء كبير من الإيرادات المحققة.
والتحدي المتسارع الذي تواجهه الموارد الهيدروكربونية يكمن في الاهتمام العالمي في تخفيف الانبعاثات وصولاً الى وقفها من خلال الطاقة المتجددة والنظيفة، خاصةً الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بالإضافة الى الطاقة المائية، سيما وأنّ كلفة انتاج الطاقة من المصادر الجديدة تتراجع بشكلٍ ملحوظ ومنافسٍ للطاقة الهيدروكربونية. أما التحدي المستجد فيكمن في الهيدروجين الذي دخل المنافسة في انتاج طاقة بديلة ونظيفة، بينما تتجه الطاقة التي يُمكن ان يولدها الاندماج النووي لتكون أحد مصادر الطاقة النظيفة في المستقبل.
ويُشكل الاحتفاظ بحق الأجيال القادمة في ثروة وطنهم تحدياً للقيمين على عائدات النفط والغاز المرتقبة، الامر الذي يُحتم انشاء صندوق سيادي استثماري يتولى استثمار جزء من هذه العوائد لتحقيق إيرادات جديدة تكفل التنمية المستدامة خدمة للأجيال الحالية والقادمة على حدٍ سواء. وتتنوع هذه الصناديق وأهدافها من الادخار للأجيال القادمة، الى تحقيق الاستقرار الاقتصادي وحماية الاقتصاد الوطني من تقلّبات أسواق السلع العالمية وصولاً الى تأمين المعاشات التقاعدية وتغطية الالتزامات المستقبلية التقاعدية من دون الحاجة الى المساهمات الفردية.
الآفاق الاقتصادية لنفط وغاز لبنان
في مقابل التحديات التي تعترض الموارد الهيدروكربونية، يتمتع قطاع النفط والغاز على المستوى الدولي ببنية تحتية تغطي الاسواق العالمية استغرق بناؤها عقوداً من الزمن وتحظى بأكبر رسملة سوقية في العالم، وتُشكل أحد اهم عناصر قوته واستمراريته. ويتميز استثمار هذه الموارد بغزارة تدفقاته المالية بالمقارنة مع غيره من النشاطات الاقتصادية المختلفة. والعبرة أن يتم استخدام الإيرادات المالية التي توفرها عملية إنتاج النفط والغاز في خلق أصول بديلة منتجة للدخل.
ويُمكن تلمس الآفاق الاقتصادية لإيرادات النفط والغاز من خلال دورها في تخفيض عجز الموازنة وإعادة التوازن الى ميزان المدفوعات من جهة، وتحسين معدل الصرف الحقيقي للعملة الوطنية والحد من التضخم من جهة ثانية. وتكمن آفاقها الاقتصادية أيضاً في تحفيز القطاعات الإنتاجية الزراعية والصناعية وزيادة نسبة مساهمتهما في الناتج المحلي الإجمالي، الذي لا بد من ان يرتفع في المحصلة نتيجة هذه التدفقات المالية.
وخلق بيئة مناسبة للنمو الاقتصادي وتحفيز التنمية المستدامة، يتطلب الحوكمة الرشيدة للإيرادات المتوقعة وادارتها بمسؤولية تستشرف تحديات هذا القطاع من جهة والفرص التي يُمكن ان توفرها من جهة ثانية. ويستدعي تحقيق هذه الاهداف وضع الخطط المستقبلية المناسبة لاستثمار هذه الإيرادات وما تمثله من ثروة مادية، والعمل على تحويلها إلى رأس مال بشري وانتاجي يرفع من نسبة النمو الاقتصادي ويؤمن استدامته.
ويسمح استثمار النفط والغاز وما يوفره من تدفقات مالية للدول التي تعاني من مديونية عالية، كما هو حال لبنان اليوم، بتخفيض مديونيتها الداخلية منها والخارجية. وتُساهم إيرادات النفط والغاز في الحد من ندرة رأس المال في أسواق المال المحلية، وخفض تكلفة الاقتراض الخارجية وتعزيز مناخ الاستثمار وتحفيز الاستثمارات الجديدة. كما تساهم هذه التدفقات في تعزيز الامن الغذائي، وزيادة المداخيل المخصصة للاستهلاك وتحسين مستوى العيش.
وبالإضافة الى الإيرادات المالية التي يُمكن ان تنتج عن استثمار النفط والغاز، يُمكن أن تلعب هذه الموارد وخاصة الغاز دوراً مباشراً في وقف استيراد الفيول لإنتاج الطاقة الكهربائية وما يعنيه ذلك من تخفيضٍ لفاتورة الاستيراد. وقد بلغت قيمة الاستيراد السنوية للفيول لمعامل الطاقة الكهربائية ما يزيد عن 2 مليار دولار أميركي، في حين بلغ المعدل السنوي لاستيراد المشتقات النفطية ما لا بقل عن 4,4 مليار دولار أميركي خلال الفترة 2017-2021. أما الوفر الأكبر فيتحقق عندما يتمكن لبنان من تأمين حاجته من المشتقات النفطية من خلال محطات تكرير محلية.
ومواجهة التحديات التي يُمكن أن تعترض الثروة الهيدروكربونية وترجمة ما تقدم من فرص اقتصادية قد يوفرها استثمارها، يتطلب اولاً واخيراً قيام دولة القانون والمؤسسات التي تضمن الحوكمة الرشيدة لإيرادات النفط والغاز وادارتها لتحقيق التنمية المستدامة. دولة تعتمد الكفاءة في اختيار الموظفين معياراَ للتعينات، والشفافية في الإدارة والحق في الوصول الى المعلومات ما يسمح لكل مواطن مهتم بمراقبة أداء الإدارة ومساءلتها.
وتتطلب دولة القانون والمؤسسات وجود قضاء مستقل وعادل يُحقق المساءلة والمحاسبة، قضاءٌ يتميز بسرعة بته بالدعاوى الناظر فيها دون تسرع. والقضاء المنشود هو القضاء النزيه والشفاف الذي يكافح الفساد ويُنزل اشد العقوبات بالمرتكبين ويحمي المظلومين، فلا تتحقق العدالة ولا تستوي إذا ما ساوت بين البريء والمرتكب.
باختصار، ما من افق اقتصادية تُرتجى من موارد النفط والغاز التي دلت المسوحات السيسمية على وجودها تحت مياه المنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان، ما لم تقم دولة القانون والمؤسسات وما من إصلاحات سياسية واقتصادية يؤمل فيها قبل قيامها.
ذلك أنّ نظام المحاصصة المذهبية والطائفية قد أفقر البلد وأضاع ثروات ابنائه ومدخراتهم، والعبرة ليست في حجم الاحتياطيات التي من الممكن العثور عليها والايرادات التي يُمكن تحقيقها بقدر ما هي في حسن استثمارها والحرص على استخدام إيراداتها بمسؤولية وشفافية.

