Sunday, 29 May, 2022
listen live

Categories/الفئات

حياد استراليا: جدلية رومانسية ام واقعية
Spread the love

يكثر الجدال والحديث في استراليا بين العديد من الاعلاميين واصحاب الراي والقلم فيها،وكذلك بين بعض العاملين في الحقل السياسي العام،حول مسألة جوهرية واساسية تتعلق بالامن الاستراتيحي للبلاد،حيث ينصرف المجتمع الاسترالي بمختلف تلاوينه وخلفياته الاتنية الى مطالبة الحكومات المتعاقبة،بابعاد استراليا عن مشاكل العالم واضطراباته وعدم التورط بأحلاف من هنا وهناك،لتجنيب البلاد وشعبها وارضها، الاخطار الناجمة عن الصراعات المسلحة بين الدول ،ملمحين بالغمز  والاشتباه بأخلاقية الولايات المتحدة في السياسات الدولية،وذلك من خلال العديد من التساؤلات والاستنتاجات العاطفية،والتي يمكننا تلخيصها(على سبيل المثال لا الحصر) بالآتي:

-لماذا هذا التورط العبثي مع اميركا في مواجهة الصين،والى ما ستقودنا هذه المغامرة،وما هي مصالح استراليا في ذلك؟

-ما هي الاخطار او المطامع التي من المحتمل ان تشكلها الصين على البلاد،وما هي المحاولات العدوانية التي باشرتها،او هددت فيها مصالح البلاد،ولماذا هذا الارتياب والقلق منها،في الوقت التي تصنف كاكبر شريك تجاري مع استراليا؟

-والاهم،كيف تثق قادة البلاد بسياسات اميركا،وهي التي لا تعمل الا من اجل مصالحها فقط،وقد غدرت بمعظم حلفاءها حول العالم،والتجربة الاوكرانية الاخيرة خير مثال على ذلك؟

وصولاً،طبعاً، الى المطالبة بالحياد الاسترالي التام عن مشاكل العالم واضطراباته!

بناء لما تقدم،كيف يمكننا قراءة هذه التساؤلات،وتقديم الاجابات العلمية عليها،وتوضيحها للرأي العام،وكذلك ما مدى صحة ودقة وصوابية هذا الكلام؟

لا شك ان الجمهور الكريم يقارب هذه المسألة الجوهرية والحسّاسة بكثير من الرومانسية المفرطة والبراءة العميقة،فاسئلتهم وتساؤلاتهم،تتبنى في عمقها، وجدانية المذهب الاخلاقي في العلاقات الدولية،مذهب طواه الزمن منذ قرون،ورمته تقلبات الجغراسيا بعيداً،وقد تأكد ذلك عبر كمٍ كبير من التجارب التاريخية،ليس صلح وستفاليا الاوروبي،او حياد مونرو الاميركي ،سوى امثلة ودلالات بسيطة وواضحة على ذلك،فالحياد ليس ترفاً تختاره الدول كيفما تشاء او متى ترغب به،وهو مفهوم وُلد بريئاً وغامضاً،وقد حاكى تاريخياً،وقائع واحداث آنية ووقتية،دون ان يلتفت الى ان جوهر العلاقات الدولية، هو جوهر متغير ومتقلب تماماً كالاحلاف بين الدول التي لم تعش ازماناً طويلة،اذ سرعان ما تنقلب وتتغير طبقاً لتغير المصالح والاستراتيجيات،والتاريخ مثقل بأمثلة عن ذلك،ولا مجال هنا لتعدادها.

ان مذهب الحياد،وكذلك عدم الانحياز،هما مذهبان مترددان،يقويان ويضعفان تبعاً لتموضع الدولة الجيوبوليتيكي في العالم،وهما بحاجة الى متلازمتين مستقرتين مع بعضهما البعض،وقد يموتان وينتهيان تلقائياً بمجرد ضمور او سقوط احدى هاتين المتلازمتين وهما:

١-اقتناع الدولة المعنية بالحياد كخيار امن قومي استراتيجي لها وايمانها العميق بذلك

٢-اعتراف اللاعبين حولها،او المتحاربين قربها،بامكانية حيادها او عدم تحيزها،وتبنيهم العلني لهذا الخيار

كيف ينعكس ما تقدم على الواقع الجيوبوليتيكي الاسترالي،وبالتالي هل يتوفر للبلاد المتلازمتين السابقتين.

بالطبع لا،اذ ان حياد دولة استراليا، او عدم انحيازها، لأي محور او فريق ،هو مسار مستحيل وقاتل،وبكل تأكيد سيؤدي الى تعرضها لاخطار كبيرة،ليس اقلها تقسيمها او سلخ بعض اراضيها عنها،

لماذا:

١-تتموضع استراليا جغراسياً بين امبراطوريات عملاقة في العالم،وليس بين مجرد دول صغيرة او متوسطة،امبراطوريات مساحية لديها اكبر وأعظم قوة عسكرية عالمية وتمتلك اهم ادوات القوة والسيطرة والنفوذ حول العالم اجمع،احداها،اي اميركا،تسيطر على دول ورؤوس جسر استراتيجية،وعلى مضائق وجزر وبحار ومحيطات، وتتمتع بنفوذ امبراطوري جيوستراتيجي لم يسبق لامبراطورية في التاريخ ان وصلت الى ما وصلت اليه من قوة ونفوذ،اما الصين،ذاك العملاق الاقتصادي والعسكري والنووي،ساعي امبراطوري غامض،يطمح الى بث الحياة في امبراطورية غابرة،وما طريقه وحزامه الا لشحذ المجد الامبراطوري،من دون ان نسقط من حسابنا انها امبراطورية ذات عقيدة صلبة وغير مرنة،تتسم بالقوة والغموض الاستراتيجيين

٢-الحياد الاسترالي سيشكل مأزقاً خطيراً للبلاد،وسيزيد من اعداءها وسيجعلها في قلق دائم ،وسيعطي مفعولاً معاكساً،لان واقعها الجغراسي ،كدولة قارية مساحية ضخمة،تطل على محيطين قاريين،يجعل منها لاعباً استراتيجياً رغماً عنها وليس بارادتها

٣-كيف ستتعاطى الولايات المتحدة مع الحياد الاسترالي،وهل ستقبل به،وهل لاستراليا قدرة بمنع الاخيرة من استقراء مصالحها الجيواستراتيجية،الا تنظر اميركا الى استراليا في واقعها الجغراسي،كالجلد الذي يحمي جسدها وهيكلها الامني العميق في الاندوباسفيك،وهل قامت اميركا بشق قناة بنما منذ اكثر من مئة عام،لتتقبل الحياد الاسترالي عنها،اولم تُفتح هذه القناة 

لكي يحاكي الاطلسي اخواته الهندي والهادي لضمان امن الولايات المتحدة

٤-هل الحياد المزعوم سيكون استرالياً ام اوقيانياً،وبالتالي ماذا سيكون موقف نيوزنلندا وغيرها من الدول الجزيرية المحيطة،وهل ستحيّدها استراليا معها،وهل تمتلك اصلاً  ادوات القوة لفرض ذلك

٥-كيف ستتصرف استراليا،عندما تُثار الاضطرابات او الاحتلالات في الدول الصغيرة والمحيطة بها،والتي تدخل في عمق مجال امنها الاستراتيجي، كبابوا غينيا او جزر سليمان او تيمور الشرقية او غيرها،أفلا تعتبر استراليا ان هذه الدول تهدد امنها القومي فيما لوتعاونت مع احدى الدول الكبرى في المنطقة،ام ان ما يحق لها لا يحق لغيرها

٦-هل تمتلك استراليا القوة الاستراتيجية اللازمة لحماية حيادها هذا، وهي المحاطة بقوى نووية عملاقة،ناهيك عن العداء الاندونيسي الضامر حيناً،والمضطرب احياناً

٧-هل قرأ او استقرأ المحايدون الرومانسيون،ان استراليا دولة ذات مساحة ضخمة،واقتصاد متقدم ،مرن ومستدام،مع مخزون هائل من الثروات الطبيعية،ولديها قوة عسكرية متواضعة على الصعيد الاستراتيجي وغير كافية لحماية حيادها وحدها ولرد الاطماع عنها

لا يمكننا حصر الاجوبة على استحالة الحياد الاسترالي عبر مقالة واحدة،لان الحياد لا يمكنه ان يُولد سوى  عبر  توازنات دولية واتفاقات داخلية وخارجية،وليس عبر رغبات واحاسيس وعواطف رومانسية لا تسمن ولا تغني عن جوع

ان الخطر الاستراتيجي على القارة الاوقيانية بمختلف دولها،هو خطر محتوم وقائم في عالم اليوم،حيث نعيش في عالم تسوده الغموض والقلق والتعقيد والتوتر مترافقاً مع تطور  الاسلحة الغامضة وتعدد الاهداف الغامضة في لعبة غامضة.

يبقى ان نشير الى ان ما كُتب قد كُتب،فاستراليا العميقة انحازت الى محور يظلل فضائها الاستراتيجي منذ زمن طويل عبر المظلة النووية الاميركية،حلف يقدم لها الامن والامان والحماية والمصلحة المشركة ووحدة اللغة والعقيدة الليبرالية الانكلوسكسونية،وانما فقط فقد احببت في هذه المقاربة، ان اقدم قراءة علمية،لجدلية لم تعد قائمة في الاساس،حول الحياد الاستراتيجي لدولة استراليا

التاريخ

عن الكاتب

المزيد من
المقالات

00:00:00