حين تتحدث الإمبراطوريات عن الفضيلة بينما تخفي في الظل مصانع الاستغلال
Spread the love

لم تعد المعضلة في عالمنا المعاصر أن السلطة تخطئ فالأخطاء جزء من الطبيعة البشرية بل إن الكارثة الحقيقية تكمن في أن السلطة نفسها نصبت ذاتها وصيا أخلاقيا على البشرية واحتكرت لغة القيم واحتكرت تعريف الخير والشر ثم طالبت الآخرين بالانصياع الكامل لهذا التعريف وكأنها النموذج الأعلى الذي لا يخطئ ولا ينحرف ولا يتلوث غير أن الوقائع القاسية التي تكشفت تباعا لم تعد مجرد شقوق صغيرة في الجدار بل تحولت إلى تصدع هائل يكشف أن البناء الأخلاقي الذي روجوا له لم يكن سوى واجهة مصقولة تخفي خلفها عالما من المصالح والابتزاز والتواطؤ

لسنوات طويلة ظل الخطاب الغربي يقدم نفسه باعتباره حارس الكرامة الإنسانية وحامي الأطفال والمدافع الأول عن المرأة وصوت المظلومين في كل مكان وكان هذا الخطاب يسبق الأساطيل والطائرات والعقوبات الاقتصادية ويبرر التدخلات السياسية والعسكرية ويمنحها غطاء أخلاقيا يجعلها تبدو كأنها مهمة إنقاذ لا عملية فرض إرادة وحين كانت شعوب العالم تتساءل عن الدوافع الحقيقية كانت الإجابة جاهزة دائما نحن نفعل ذلك باسم القيم باسم حقوق الإنسان باسم الحضارة وباسم مستقبل أفضل للبشرية لكن ما إن انكشفت بعض الحقائق حتى اتضح أن من يتحدث باسم الضحية قد يكون هو نفسه جزءا من آلة إيذائها

الفضائح التي خرجت إلى العلن لم تكشف انحرافا فرديا معزولا كما حاول البعض تصويره بل كشفت شبكة علاقات متداخلة بين المال والسلطة والإعلام تكشف كيف يمكن للنخب أن تحمي بعضها بعضا وكيف يتحول النفوذ إلى درع يمنع المساءلة وكيف يصبح القانون صارما على الضعفاء ولينا على الأقوياء وحين نرى شخصيات سياسية ومالية وثقافية كانت تتصدر المشهد العام وتخطب عن الأخلاق وهي نفسها متورطة في علاقات مشبوهة واستغلال فج فإننا لا نواجه مجرد سقوط أشخاص بل سقوط سردية كاملة طالما قيل لنا إنها تمثل الضمير العالمي

المشكلة الأعمق أن هؤلاء لم يكتفوا بخطاياهم الخاصة بل بنوا شرعية تدخلهم في شؤون الآخرين على أساس التفوق الأخلاقي أي أنهم لم يقولوا نحن أقوياء فحسب بل قالوا نحن أفضل منكم أخلاقيا ولذلك يحق لنا أن نحاسبكم وأن نصنفكم وأن نعاقبكم وأن نقرر عنكم ما هو الصواب وما هو الخطأ وحين يتبين أن هذا الادعاء نفسه قائم على أرض رخوة فإن كل ما بني عليه يصبح محل شك وتنهار معه الهالة التي كانت تحيط بتلك القوة

إن التناقض الصارخ بين الخطاب والممارسة ليس مجرد مفارقة عابرة بل هو دليل على عقلية ترى الأخلاق أداة سياسية لا التزاما إنسانيا عقلية تستخدم مفردات العدالة والحرية كما تستخدم أدوات الضغط والعقوبات أي باعتبارها وسائل لتحقيق المصلحة لا باعتبارها قيما واجبة الاحترام بذاتها وحين تتحول القيم إلى أدوات فإنها تفقد روحها وتصبح كلمات فارغة يمكن ملؤها بأي معنى يخدم أصحاب السلطة

لقد رأينا كيف يمكن لمفهوم حقوق الإنسان أن يستخدم لتبرير حصار دولة بأكملها حتى يجوع أطفالها وكيف يمكن أن تستخدم شعارات حماية المدنيين لتدمير مدن كاملة وكيف يمكن تصنيف خصم سياسي على أنه إرهابي بينما يتم التغاضي عن انتهاكات حليف استراتيجي والرسالة الضمنية هنا واضحة الأخلاق ليست معيارا ثابتا بل ورقة تفاوض ومن يملك القوة يملك حق تفسيرها وهذه هي اللحظة التي تموت فيها العدالة الحقيقية

وحين انفجرت الفضائح لم نشهد ثورة ضمير حقيقية داخل تلك النخب ولم نر مراجعة جذرية للذات ولم نسمع اعترافا صادقا بالفشل الأخلاقي بل رأينا إدارة علاقات عامة رأينا محاولة لحصر الضرر والسيطرة على الرواية وتقديم الأمر كأنه حادث استثنائي لا كمرض متجذر وكأن المشكلة في انكشاف الجريمة لا في وقوعها وهذا السلوك يكشف أن الهاجس الأول ليس إنصاف الضحايا بل حماية السمعة واستمرار الهيمنة

إن أخطر ما في هذه الازدواجية أنها لا تضر فقط بالمجتمعات التي تنتمي إليها تلك النخب بل تضر بالعالم كله لأنها تسحب البساط من تحت أي خطاب حقوقي صادق فحين يرى الناس أن من يرفع راية الأخلاق يمارس النقيض فإنهم يفقدون الثقة في الفكرة ذاتها لا في حامليها فقط وعندها يصبح من السهل على أي مستبد في أي مكان أن يقول لشعبه لا تصدقوا حديثهم عن الحرية فهم لا يطبقونها على أنفسهم وهكذا تتحول فضائح النخب إلى ذريعة عالمية لتبرير القمع في أماكن أخرى

من الخطأ أن نخلط بين القيم وبين من ادعى احتكارها القيم الإنسانية ليست ملك حضارة ولا دولة ولا تحالف عسكري إنها ملك الإنسان نفسه لكن ما حدث هو أن طبقة محددة صادرت هذه القيم وقدمت نفسها ممثلا حصريا لها ثم استخدمتها كسوط ضد الآخرين وحين انكشف زيفها بدت القيم كلها وكأنها خدعة بينما الحقيقة أن الخدعة كانت في من تاجر بها لا في القيم ذاتها

التاريخ يعلمنا أن السلطة حين تنفصل عن المساءلة تفقد أي حس أخلاقي مهما كانت شعاراتها جميلة وأن الإنسان حين يشعر بأنه فوق القانون يتحول تدريجيا إلى كائن لا يرى في الآخرين إلا أدوات لمتعته أو لمصلحته وهذه ليست خصوصية جغرافية بل قانون بشري عام لكن الفرق أن من يدعي القداسة الأخلاقية ثم يسقط يكون سقوطه أكثر دويا لأنه لا يسقط وحده بل يسقط معه خطاب كامل كان يشكل مرجعية للعالم

إن العالم اليوم لا يحتاج إلى دروس جديدة في الأخلاق من قوى عظمى ولا إلى خطب رنانة عن إنقاذ البشرية بل يحتاج إلى تواضع سياسي وإلى اعتراف صريح بأن لا أحد يملك حق الوصاية على الآخرين وأن العدالة تبدأ من الداخل قبل أن تصدر إلى الخارج وأن من يريد أن يكون قدوة عليه أولا أن يخضع لنفس المعايير التي يفرضها على غيره وإلا فإن كل كلمة عن القيم ستبدو مجرد نفاق مصقول

ربما تكون هذه اللحظة فرصة قاسية لكنها ضرورية فرصة لإعادة التفكير في معنى الإنسانية بعيدا عن احتكارها من قبل النخب وفرصة للتمييز بين المبدأ ومن يدعي تمثيله وفرصة لبناء نظام عالمي يقوم على المساءلة المتبادلة لا على التفوق الأخلاقي المزعوم لأن الكرامة لا تتجزأ والضحايا ليسوا أرقاما والعالم لم يعد يقبل أن يلقى عليه درس في الفضيلة من أيد ملوثة بالاستغلال

 لا تسقط الإنسانية لأن بعض الأقوياء خانوها بل يسقط فقط ادعاؤهم بأنهم أوصياؤها وحين تنكشف الحقيقة فإن الضجيج الدعائي كله يتلاشى ويبقى سؤال بسيط لكنه قاس إذا لم يستطع من يملك كل هذه القوة أن يحمي أضعف إنسان من الاستغلال فبأي حق يطالب العالم أن يصدقه حين يتحدث باسم العدالة

التاريخ

عن الكاتب

المزيد من
المقالات