ليس من الحكمة التعامل مع موت سيف الإسلام القذافي كحادثة معزولة أو كجريمة محلية عابرة يمكن وضعها في خانة الثأر أو الفوضى الأمنية المعتادة في ليبيا فالأحداث السياسية الكبرى لا تأتي عادة في شكل بيانات رسمية واضحة بل تظهر على هيئة إشارات مبكرة تسبق التحولات الحقيقية ومن يقرأ المشهد بعين تحليلية يدرك أن بعض الوقائع ليست مجرد نهاية رجل بل نهاية وظيفة كاملة كان يؤديها داخل توازنات معقدة
سيف لم يكن قائدا ميدانيا ولا صاحب مؤسسة ولا ممسكا بأجهزة دولة كما يتخيل أنصاره ولم يكن أيضا خطرا وجوديا على خصومه كما يصوره أعداؤه بل كان رمزا يتم استدعاؤه عند الحاجة لتخويف البعض وتحريك الحنين لدى البعض الآخر ورقة ضغط نفسية أكثر منه مشروعا سياسيا متكاملا ومع مرور الوقت فقدت هذه الورقة قيمتها لأن ليبيا الجديدة لم تعد تُدار بمنطق الرمزية العاطفية بل بمنطق المصالح الباردة ومن لا يملك وزنا ماديا على الأرض لا يملك مكانا على الطاولة
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس من نفذ العملية ولا من ضغط الزناد بل لماذا لم يعد وجوده ضروريا ومن الذي لم يعد بحاجة إليه وهذه زاوية التحليل التي يتجاهلها كثيرون لأنهم يفضلون سرديات المؤامرة الجاهزة على التفكير في التحولات البنيوية الأعمق
المنطقة كلها تتغير بسرعة أكبر مما يتخيل الشارع الليبي روسيا التي كانت فاعلا صلبا في الشرق لم تعد تتحرك بالثقل نفسه بعدما استنزفتها جبهات أخرى وتركيا أعادت ضبط أولوياتها نحو الاقتصاد والتطبيع وتخفيف الأكلاف والاتحاد الأوروبي مشغول بأمن الطاقة والهجرة أكثر من انشغاله بالأسماء والوجوه أما الولايات المتحدة فقد عادت إلى ليبيا من الباب الذي لا يخطئ أبدا باب النفط والغاز والموانئ والحقول لأن أمن الطاقة اليوم مسألة استراتيجية لا تقبل المغامرة
عندما تعود واشنطن فإنها لا تعود بالشعارات ولا بالبيانات العاطفية بل تعود بالشركات والعقود والمستشارين والخبراء وعندما تدخل بهذا الشكل فإنها تبحث عن شريك قادر على ضمان الاستقرار التشغيلي لا عن زعيم يلوح بالسلاح ولا عن ابن نظام سابق يعيش على إرث والده ولذلك فإن القوى الدولية لم تعد تقيس اللاعبين بمدى قدرتهم على الحشد الخطابي أو التاريخ الثوري بل بمدى قدرتهم على توفير بيئة مستقرة للإنتاج والتصدير
من هنا يمكن فهم التحول الهادئ في الاهتمام الدولي من المعسكرات العسكرية الصلبة إلى الحكومات التي يمكن التفاهم معها إداريا حتى لو كانت ضعيفة سياسيا لأن الضعف السياسي يمكن احتواؤه أما الفوضى المسلحة فلا يمكن التنبؤ بها وهذه المعادلة البسيطة تفسر لماذا يتزايد الانخراط الأمريكي في ملفات الطاقة مع حكومة الدبيبة تحديدا فالرجل لا يقدم نفسه كمحرر ولا كوريث تاريخي ولا كقائد حرب بل كمدير يمكن التفاوض معه وهذا النموذج هو الأكثر قبولا في الحسابات الغربية
في المقابل يبدو معسكر حفتر وكأنه يعيش على زمن مضى خطاب أمني ثقيل إدارة مغلقة اعتماد شبه كامل على القوة وغياب واضح لمشروع اقتصادي أو مؤسسي قادر على إقناع الداخل أو الخارج ومع مرور السنوات تحولت السلطة هناك إلى شبكة عائلية أكثر منها مؤسسة وطنية وعندما تصبح الدولة امتدادا للعائلة فإنها تفقد تدريجيا ثقة الفاعلين الدوليين لأن المصالح الكبرى لا تُبنى على مزاج الأفراد
الحديث المتكرر عن تهيئة الابن للخلافة لا يعكس قوة بقدر ما يكشف قلقا عميقا من المستقبل فالأنظمة التي تثق في مؤسساتها لا تحتاج إلى توريث صريح أو ضمني أما حين يُختزل كل شيء في شخص ثم في ابنه فإن ذلك يعني أن البناء كله هش ويمكن أن ينهار بأي تغير مفاجئ وهذا النوع من الهشاشة يجعل الداعمين الخارجيين أكثر حذرا وأقل استعدادا للاستثمار السياسي طويل الأمد
وسط هذه الصورة يصبح موت سيف جزءا من عملية أوسع لإعادة ترتيب المشهد لا كضربة درامية بل كخطوة باردة في لعبة قاسية يتم فيها التخلص من كل ما لا يخدم المرحلة المقبلة فالسياسة الدولية لا تحتفظ بالرموز بدافع الوفاء ولا تحمي الأسماء بدافع التاريخ بل تتعامل مع الجميع باعتبارهم أدوات مؤقتة تنتهي صلاحيتها متى انتهت وظيفتها
الجيل الذي عاش على ثنائية الماضي العسكري والشرعية الثورية يكتشف اليوم أن الأرض تغيرت تحت قدميه وأن العالم لم يعد ينتظر أحدا وأن ليبيا لم تعد ساحة لتصفية الحسابات الأيديولوجية بل ساحة تنافس على الموارد والعقود والنفوذ الاقتصادي ومن لا يتأقلم مع هذا التحول سيجد نفسه خارج اللعبة مهما رفع من شعارات أو استعرض من قوة
قد يكون هذا التوصيف صادما لكنه أقرب إلى الواقع من الخطابات العاطفية فالدول لا تُدار بالحنين ولا تُبنى بالثأر ولا تستقر بالترهيب وحده بل بالمؤسسات والاقتصاد والعلاقات الدولية المتوازنة وكل معسكر يرفض الاعتراف بهذه القاعدة يحكم على نفسه بالتآكل البطيء
لهذا فإن موت سيف الإسلام ليس مجرد نهاية شخص بل علامة على نهاية مرحلة كاملة مرحلة كانت فيها الأسماء الثقيلة والتاريخ الشخصي أدوات نفوذ أما المرحلة القادمة فهي مرحلة الحسابات الدقيقة حيث لا مكان إلا لمن يستطيع أن يضمن الأمن الاقتصادي ويقدم نفسه شريكا يمكن الوثوق به وعند هذه النقطة تحديدا يتضح لماذا يتراجع دور بعض اللاعبين ولماذا يتقدم آخرون بهدوء
ليبيا لا تدخل زمنا جديدا بضجيج كبير بل بخطوات صامتة تتغير فيها موازين القوة دون أن ينتبه كثيرون وموت سيف كان واحدة من تلك الإشارات الصامتة التي تقول بوضوح إن الأوراق القديمة تتساقط تباعا وإن من لا يقرأ التحولات الإقليمية والدولية بوعي سيظل يفسر الأحداث بعقلية الأمس بينما المستقبل يُصنع في مكان آخر وبأدوات مختلفة تماما


