لماذا نزار قباني؟
Spread the love

ريما بالي – الناس نيوز ::

في ذكرى وفاة أشهر الشعراء العرب المعاصرين، وأكثرهم إثارة للجدل، يلوح سؤال ويطرح نفسه علينا: هل يمكن أن تأتي الشهرة الواسعة بضربة حظ أو بمحض صدفة؟ وهل تخبئ الحياة بالمقابل في كهوف جبالها المظلمة العديد من المواهب المذهلة التي لم تأخذ فرصتها في الانتشار، فعاشت وماتت دون أن يقدّرها أحد؟ نعم، بالتأكيد نعم، ولكن ما سبق، لا ينطبق على نزار قباني، فالشهرة الواسعة التي نالها هذا الشاعر المتميز كانت مستحقة.

في 21 مارس/آذار من العام 1923 ولد نزار في قلب دمشق القديمة، وارثاً حسه الفني عن جده أبي خليل القباني رائد المسرح العربي. درس الحقوق في الجامعة السورية ثم عمل في السلك الدبلوماسي متنقلاً بين عواصم العالم حتى العام 1966 حين قدم استقالته. ثم عاش سنواته الأخيرة في لندن، وتوفي في 30 أبريل/نيسان 1998.

لماذا نزار قباني؟ ألأنه بالغ بالغزل وإثارة العواطف والغرائز؟ أم لموهبة عبقرية متفردة فرضت نفسها في الساحة الأدبية؟

نزار قباني صار نزار قباني، للسببين معاً، بالإضافة إلى كونه رائداً في ضخ أفكار جديدة وجريئة في شرقنا الناعس الخجول، مستعملاً لغة أنيقة وبسيطة، ذات موسيقى جميلة.
تلك السهولة في لغته التي أوصلته حتى إلى طلاب المدارس، كانت السلاح الذي حاربه الكثيرون به، معتبرينها أبسط من أن ترقى إلى مصاف القصائد العربية العظيمة.

وكذلك كانت الأفكار التي نثرها نزار كغبار الذهب في أثيرنا الشاحب، سبباً أخر للاستنكار، إذ جرحت جرأتها “الحياء” العربي وأفزعت بوقاحتها الخوف العربي، وتحدت بذكائها الغباء العربي، فأنكر عشرات النقاد أحقية الشاعر الفذ باللقب الكبير وبالشهرة الواسعة.

لماذا نزار؟ لأنه وإن لقب بشاعر الحب والمرأة، فهو لم يقدم فنه من هذه النافذة فقط، بل فتح في أفقنا العديد من النوافذ وأطل من كل واحدة منها بوجه مختلف ومؤثر وصادم.

أحد أهم وجوه نزار، كان الذي تجلى في “القصيدة الدمشقية”: الدمشقي المتيم بمسقط رأسه وروحه (فهو من لقب دمشق بمدينة الياسمين)، والشاعر الحر المكمم الممنوع من التعبير:
“هذي دمشق.. وهذي الكأس والراح
إني أحب… وبعـض الحـب ذباح
أنا الدمشقي.. لو شرحتم جسدي
لسـال منه عناقيـدٌ.. وتفـاح
هنا جذوري.. هنا قلبي… هنا لغـتي
فكيف أوضح؟ هل في العشق إيضاح؟
خمسون عاماً.. وأجزائي مبعثرةٌ..
فوق المحيط.. وما في الأفق مصباح
تقاذفتني بحـارٌ لا ضفـاف لها..
وطاردتني شيـاطينٌ وأشبـاح
والشعر.. ماذا سيبقى من أصالته؟
إذا تولاه نصـابٌ … ومـداح؟
وكيف نكتب والأقفال في فمنا؟
وكل ثانيـةٍ يأتيـك سـفاح؟
حملت شعري على ظهري فأتعبني
ماذا من الشعر يبقى حين يرتاح؟”

وهل ننسى الوجه الأجمل لنزار؟ وجه العاشق الذي غير نظرة المجتمع إلى المرأة، ونظرتها هي نفسها إلى نفسها، عندما قدس أنوثتها بغض النظر عن عمرها، حين قال في قصيدة “حب بلا حدود”:
“أنت امرأة لا أحسبها بالساعات وبالأيام
أنت امرأة كانت تسكن جسدي منذ ملايين الأعوام..
يا سيدتي… لا تهتمي في إيقاع الوقت وأسماء السنوات… أنت امرأة تبقى امرأة في كل الأوقات”.

والعاشق الذي نسف مفهوم الحب الأبدي والخفر الأنثوي في “القصيدة المتوحشة”:
“أحبيني بلا عقد
وضيعي في خطوط يدي
أجبيني لأسبوع، لأيام، لساعات، فلست أنت الذي يهتم بالأبد”.

والذي أدخل إلى منهاجنا تعريفاً جديداً لقصص الحب، محطماً ذلك التقليدي في قصيدة “إلى تلميذة”:

“قصص الهوى قد أفسدتك.. فكلها
غيبوبة.. وخرافةٌ.. وخيال
الحب ليس روايةً شرقيةً
بختامها يتزوج الأبطال
لكنه الإبحار دون سفينةٍ
وشعورنا ان الوصول محال”.

توّجع نزار من تداعيات القضية الفلسطينية، وأرسل أكثر من صرخة مخاطباً الضمير العربي والعالمي، من أروعها “منشورات فدائية على جدران اسرائيل”:
“لن تجعلوا من شعبنا
شعب هنودٍ حمر..
فنحن باقون هنا..
في هذه الأرض التي تلبس في معصمها
إسوارةً من زهر
فهذه بلادنا..
فيها وجدنا منذ فجر العمر
فيها لعبنا، وعشقنا، وكتبنا الشعر
مشرشون نحن في خلجانها
مثل حشيش البحر..
مشرشون نحن في تاريخها
في خبزها المرقوق، في زيتونها
في قمحها المصفر”.

نزار قباني، قدّم للعالم وجه المواطن العربي المسحوق، إذ فجّر في الوسط الشعري قصائد سياسية مُنع الكثير منها في عدد من البلاد العربية، وأقوى مثال عن ذلك حين طرح في العام 1985 نظرة المفكر الاستشرافي في قصيدة “مسافرون”:
“مسافرون نحن فى سفينة الأحزان
قائدنا مرتزق
وشيخنا قرصان
مواطنون دونما وطن
مطاردون كالعصافير على خرائط الزمن
مسافرون دون أوراق.. وموتى دونما كفن
نحن بغايا العصر
كل حاكم يبيعنا ويقبض الثمن
مسافرون نحن فى سفينة الأحزان
مكومون داخل الأقفاص كالجرذان
لا مرفأ يقبلنا
لا حانة تقبلنا
كل الجوازات التي نحملها
أصدرها الشيطان
كل الكتابات التي نكتبها
لا تعجب السلطان”.

على صعيد آخر، رأينا من نزار وجهاً متألماً ومؤلماً، وهو وجه الأب المفجوع بولده الشاب توفيق الذي توفي شاباً، في قصيدة: “إلى الأمير الدمشقي توفيق القباني”:
“أشيلك، يا ولدي، فوق ظهري
كمئذنة كسرت قطعتين..
وشعرك حقل من القمح تحت المطر..
ورأسك في راحتي وردة دمشقية.. وبقايا قمر
أواجه موتك وحدي..
وأجمع كل ثيابك وحدي
وألثم قمصانك العاطرات..
ورسمك فوق جواز السفر
وأصرخ مثل المجانين وحدي
وكل الوجوه أمامي نحاس
وكل العيون أمامي حجر
فكيف أقاوم سيف الزمان؟
وسيفي انكسر”..
وهل ننسى بلقيس؟ زوجته التي قتلت في تفجير السفارة العراقية في بيروت عام 1981؟ وهل ننسى قصيدة بلقيس التي عرّى فيها الأمة العربية وفضح الكذبة الكبيرة:
“قتلوكِ يا بلقيسُ…
أيَّةُ أُمَّةٍ عربيةٍ..
تلكَ التي
تغتالُ أصواتَ البلابِلْ؟
أين السَّمَوْأَلُ؟
والمُهَلْهَلُ؟
والغطاريفُ الأوائِلْ؟
فقبائلٌ أَكَلَتْ قبائلْ..
وثعالبٌ قتلتْ ثعالبْ..
وعناكبٌ قتلتْ عناكبْ..
قَسَمَاً بعينيكِ اللتينِ إليهما
تأوي ملايينُ الكواكبْ..
سأقُولُ، يا قَمَرِي، عن العَرَبِ العجائبْ
فهل البطولةُ كِذْبَةٌ عربيةٌ؟
أم مثلنا التاريخُ كاذبْ؟”

لماذا نزار؟ لأنه العاشق الذي حرضنا على العشق، والحزين الذي زّين لنا الحزن، والثائر الحر الذي جعلنا نشتهي الثورة ونجاهر بحقنا في الحرية.
أليس هو من اختار الحب كقدر له وجعله أجمل الأقدار: (من قصيدة قارئة الفنجان)
فبرغم جميع حرائقه، وبرغم جميع سوابقه
وبرغم الحزن الساكن فينا ليل نهار
وبرغم الريح وبرغم الجو الماطر والإعصار
الحب سيبقى يا ولدي أحلى الأقدار”.

لماذا نزار؟ لأنه الطائر الحر الذي مات خارج وطنه، محققاً النبوءة التي أطلقها في البيت الأخير من قصيدة مسافرون:
يا وطني.. كل العصافير لها منازل
إلا العصافير التي تحترف الحرية
فهي تموت خارج الأوطان”.

ولن يتسع أي مقال، لروائع نزار وأفكاره ومحطاته، ذكرت فقط القليل منها، لأشرح لمن يستغرب الهالة التي أحاطت باسم نزار، لماذا نزار.. وأزيد في الطنبور نغماً لأقول، لقد تفتحت أنوثتنا أنا وبنات جيلي على إيقاع كلمات نزار، فطلع لنا من المرايا ومن الأغاني ومن مكاتيب الغرام.. لم نسع نحن إليه، بل هي كلماته التي أزهرت في دروب مراهقتنا، وجمّلت عالمنا ولمست أوجاعنا.

كبرنا اليوم، وبقي نزار، العاشق المجنون الحر الذي قال لنا وصدقناه: أشهد أن لا أنثى إلا أنت!

The post لماذا نزار قباني؟ first appeared on الناس نيوز.

التاريخ

المزيد من
المقالات

00:00:00