منصوري محق في تصوره وعلى خطأ في تعداده سبل الاصلاح
Spread the love

بقلم مروان اسكندر

منذ تولي الدكتور وسيم منصوري مسؤوليات الحاكمية لمصرف لبنان توسمنا خيرًا من معرفتنا عن بعد لكفاءاته القانونية. وبالمقابل، ومع ان الحاكم بالوكالة استشعر ان قراره منع تسليف الدولة قد يكون له مفاعيل سلبية فاعتبر انه يوافق على اعطاء المنهج القائم ستة اشهر اضافية، ومن بعد لن يسمح بتسليف الدولة من ودائع الناس الذين اودعوا مدخراتهم في البنوك اللبنانية.

نسارع الى القول ان تقديرنا لكفاءاته القانونية دفعتنا الى مخاطبته حول تقييمه للعمل المصرفي وامتناع مصرف لبنان عن تسليف الحكومة مبالغ تنتقص من حقوق المودعين، وهنا نقول له بكل احترام ان عليه الالمام بالاوضاع الحقيقية للمصارف المركزية وخطواتها لمعالجة مخاطر ومساوئ الانكماش الاقتصادي مع الانفلاش النقدي. رأينا ان نعدد ما يجب ان يتفحصه الحاكم بالوكالة، بدءًا من التأكيد ان صياغة السياسات المناسبة للمحافظة على النمو او حتى استرجاعه لا يمكن ان تنجح ما لم يتحقق تكامل فعال بين السياسة المالية – اي تحقيق توازن ما بين النفقات والواردات من الضرائب والرسوم – وعادة ما يكون الدواء مجموعة من القرارات التي تطاول السياسة النقدية والسياسة المالية علمًا بان دور المصارف المركزية الحفاظ على قيم العملات المعتمدة من قبلهم بالوسائل المتاحة وتحقيق التوازن مع السياسات المالية.

هل يعلم الحاكم ان اول ازمة واجهت الدولار منذ 1960 تمثلت بافلاس بنك اميركي صغير كان قد نشأ مصرفًا في الباهامس ومن ثم تسجل في لندن التي كانت عاصمة العمليات المالية وقد ابتاع محام ايطالي نسبة 21.4% من اسهم البنك واشرف في توفير القروض لشركات يملكها او له معها اتفاقات غير مصرفية بالمعنى المهني.

حينما افلس هذا البنك لم تكن سيولة البنوك المركزية تزيد على 2 في المئة والبنك المركزي الاميركي كان في البداية ممتنعًا عن معالجة الموضوع، وحينما ادرك ان قيمة الدولار كالعملة الرئيسية العالمية ستتعرض للمسائلة قرر انقاذ البنك المعني الامر الذي اقتضى تامين عشرات مليارات الدولارات واستعاد البنك سمعته وتابع اعماله وبالمقابل المحامي الايطالي ادخل الى السجن حيث توفي بسرعة لتناوله جرعة من الشاي تحتوي على سم قاتل.

عام 1961 قرر الرئيس نيكسون ايقاف التزام الولايات المتحدة بتامين اونصات الذهب لكل بلد يتمتع بفائض، وموقع الدولار اصبح بمثابة العملة الاساسية دوليًا لان كميات كبيرة منه توافرت لاعادة بناء البلدان الاوروبية المتضررة وبلدتين يابانيتين القيت عليهما قنابل نووية من الطيران الاميركي عام 1944 الامر الذي مهد للاعتماد على الدولار على نطاق دولي فاصبح العملة التي يهتم بقيمتها المسؤولين في البلدان الاوروبية، وبريطانيا واليابان وبلدان نامية كالصين والهند ومن بعد بلدان جنوب شرق آسيا.

اواسط الثمانينات كانت الاسواق المالية العالمية تعتمد العمليات بالدولار في المكان الاول، وكان لبنان من البلدان الناشطة في عمليات التجارة بالذهب والعملات، وكانت عمليات نقل الدولارات والعودة بعملات بلدان اخرى او اسهم وسندات تجري بكل حرية وهذه الوضعية لبنانيًا وفرت للبنان دورًا لم يكن يحظ به في السابق، وخلال الثمانينات واجهت الولايات المتحدة ضغطًا على قيمة صرف الدولار فاقر البنك المركزي حينذاك ايرادات لم يقبل عليها في السابق، ومن جوانب الممارسات الجديدة رفع معدلات الفائدة على الايداع الى معدل 18% من قبل حاكم لا زال يعتبر بين عباقرة الشأن المالي.

ربما من المناسب تذكير الحاكم بالوكالة، ان الدكتور ادمون نعيم، القانوني المميز الذي كان حاكمًا لمصرف لبنان برفقة نواب حاكم اقل مما اصبح العدد في ما بعد، استصدر تعميمًا اوجب على المصارف التي تحتوي على مبالغ من الودائع بالليرة اللبنانية تفوق ال10 مليارات ل.ل الاكتتاب بسندات الخزينة بداية بنسبة 73% ومن بعد رفعت النسبة الى 90% كما رفعت نسبة الاحتياطي الالزامي الى 19% وانخفضت مبالغ الاحتياطي بالدولار الى اقل من 400 مليون دولار، وفي ذلك الوقت الذي قرر فيه الرئيس امين الجميل التصدي للقوات السورية ضغط على ادمون نعيم لشراء مليار دولار من السوق لتامين دفع ثمن معدات عسكرية اعتبر الرئيس الجميل انها ضرورية، وهذه الوضعية تتجاوز ما يريد اعتماده نائب الحاكم حاليًا، ولسبب من الاسباب في ذلك الوقت حقق لبنان تدفقًا لودائع من السعودية والكويت ساعدت على ارتفاع الاحتياطي الى ما فوق المليار دولار.

هكذا كان الوضع قبل انتهاء ولاية ادمون نعيم ومن ثم استعاد دور الحاكمية الشيخ ميشال الخوري واعلن قبل نهاية الثمانينات ان الاحتياطي المتوافر للبنك المركزي يساوي 880 مليون دولار وان سعر الدولار لن يرتفع بالليرة بل سيبقى مستقرًا. وما كاد هذا التصريح يأخذ طريقه للاعلان عنه، ومن قبل نائب الحاكم آنذاك مروان غندور الا وارتفع سعر صرف الدولار بنسبة 15% في يوم واحد وعام 1992 حينما استقال ميشال الخوري وطاقمه من مسؤولياتهم كان سعر صرف الدولار قد وازى 2850 ل.ل في حين كان سعر الدولار يوم انتخاب بشير الجميل 4 ليرات لبنانية للدولار.

كريستين لاغارد التي تولجت وزارة المال في فرنسا حينما كانت محامية مالية بارزة مع مكتب اميركي في باريس انتقلت الى رئاسة البنك المركزي الاوروبي وكانت عند بداية ازمة 2007/2008 ممتنعة عن مد البنوك بالسيولة ومن بعد اصبحت تسهيلات البنك المركزي الاوروبي تفوق التريليون دولار، وقد شاركت في انقاذ الوضع المصرفي في اليونان وقبرص بتامين قسم من قرض اسهم فيه البنك المركزي الاميركي، وبنك الانماء الاوروبي، والبنك الدولي، اي البلدان التي كانت على استعداد لتامين 11.8 مليار دولار لسعد الحريري لتطوير للبنية التحتية في لبنان العرض الذي رفضه ميشال عون وندد به واختار الامتناع عن تسديد فائدة دين اليورو دولار في اواسط آذار عام 2020 واغرق لبنان في مأساته.

هنالك الكثير ممن يمكن اضافته ولا يمكن التغاضي عن المخاوف على مستقبل الدولار التي تعبر عنها وزيرة المال الاميركية منددة بمستوى الدين العام الاميركي البالغ 32.5 تريليون دولار.

ولا شك ان الحاكم بالولاية يدرك ما طرأ عام 2007/2008 حينما تفجرت الازمة المالية العالمية مع افلاس بنك اميركي احتاج ل640 مليار دولار، وفي ذلك الوقت ولان لبنان كان يتمتع بحرية التحويل من والى لبنان حظينا بتحويلات من اللبنانيين بلغت 24 مليار دولار ورفعت حجم الودائع بنسبة 25% ولولا تمتع لبنان بحرية التحاويل لما كنا حظينا بزيادة الودائع والثقة حينذاك. هذه التحويلات تحققت لان نظام حرية النقد كانت سائدة.

ان هذا المثل الذي يذكره العالم تحقق بتحويل كبير من اللبنانيين العاملين في الخارج لثقتهم بالنظام المصرفي اللبناني وحين يتحدث الحاكم بالوكالة عن اعادة تنظيم وتفعيل النظام المصرفي عليه ان يدرك ان غالبية المصرفيين اللذين تغاضوا عن حاجات المودعين واكلوا نسبة من ودائعهم بتحديد مبالغ التحويلات الشهرية ب400 دولار او ما يماثلها بالليرة اللبنانية على اساس 15000 ل.ل للدولار لصاحب حساب ب500 الف دولار، فكيف لهذا المودع ان يأمل في استعادة نسبة مقبولة من ودائعه؟ وهل قدر الحاكم بالوكالة ما هو الوقت المطلوب لاحتساب حقوق المودعين وكيف تتأمن اكلاف التدقيق؟

The post منصوري محق في تصوره وعلى خطأ في تعداده سبل الاصلاح appeared first on جريدة الشرق اللبنانية الإلكترونيّة – El-Shark Lebanese Newspaper.

التاريخ

عن الكاتب

المزيد من
المقالات