Reading in العربية (Arabic) | Read in English
من أمام مبنى Town Hall في قلب سيدني، تجمع اليوم عدد كبير من الطلاب والشباب في وقفة احتجاجية منظمة، جاءت ضمن التحركات التي تشهدها عدة مدن أسترالية رفضا لخطاب بولين هانسون وحزب One Nation، ولما وصفه المشاركون بالعنصرية والتحريض ضد المهاجرين والأقليات.
كنت حاضرة في موقع الوقفة، وشاهدت عن قرب أجواء التجمع، كما وثقت بالصور عددا من اللافتات والشعارات التي رفعها المشاركون، في مشهد غلب عليه الحضور الشبابي والتنظيم الواضح، وسط انتشار أمني ملحوظ في محيط المكان.
ومنذ بداية التجمع، كان واضحا أن الرسالة الأساسية التي أراد المحتجون إيصالها تتعلق برفض العنصرية والدفاع عن التعددية الثقافية، مع انتقادات مباشرة لبولين هانسون وسياسات One Nation.
شعارات ترفض تحميل المهاجرين مسؤولية الأزمات

من بين اللافتات التي ظهرت في المكان عبارة:
“BLAME BILLIONAIRES, NOT MIGRANTS”
أي: «ألقوا اللوم على أصحاب المليارات، لا على المهاجرين».
وكانت هذه العبارة من أكثر الشعارات وضوحا في التعبير عن جانب اقتصادي من الاحتجاج، إذ ربط المشاركون بين أزمات المعيشة والاقتصاد وبين ما يرونه اتساعا للفجوة بين أصحاب الثروة وبقية المجتمع، رافضين تحميل المهاجرين مسؤولية المشكلات الاقتصادية والاجتماعية.
كما ظهرت لافتات تحمل عبارة:
“WE LOVE IMMIGRANTS”

أي «نحن نحب المهاجرين»، في رسالة مباشرة تؤكد، من وجهة نظر أصحابها، أن الهجرة والتعدد الثقافي جزء من المجتمع الأسترالي.
«العنصرية لا مكان لها في البرلمان»
ومن بين الشعارات اللافتة أيضا:
“RACISM HAS NO PLACE IN PARLIAMENT”
أي «لا مكان للعنصرية في البرلمان».
وقد ارتبط هذا الشعار بالانتقادات التي وجهها المحتجون إلى بولين هانسون، في إشارة إلى مواقف وتصريحات سابقة لها تجاه المهاجرين والمسلمين ومجموعات أخرى في المجتمع الأسترالي.
وكان رفض الإسلاموفوبيا حاضرا ضمن الخطاب الذي سمعته في المكان، حيث عبر مشاركون عن رفضهم لما اعتبروه إساءة إلى المسلمين أو استخدام الدين والخلفية العرقية في الصراع السياسي.
<<التعددية الثقافية هي ثقافتنا»
من أكثر اللافتات التي استوقفتني عبارة:
“MONOCULTURE IS NOT MY CULTURE”
أي: «المجتمع أحادي الثقافة ليس ثقافتي».
وهي عبارة تختصر جانبا مهما من رسالة الاحتجاج؛ فالكثير من الشباب المشاركين ينتمون إلى خلفيات ثقافية ودينية مختلفة، ويرون أن أستراليا الحديثة قامت على التنوع وليس على ثقافة واحدة مغلقة.
وفي هذا السياق، لم يكن الحديث عن الهجرة منفصلا عن الحديث عن الهوية الأسترالية، بل بدا أن جزءا من المشاركين يريد التأكيد على أن التعدد الثقافي أصبح، بالنسبة إلى جيلهم، جزءا طبيعيا من الحياة اليومية في أستراليا.
الطلاب يسألون: لماذا علينا الاحتجاج بدلا من الدراسة؟
ومن اللافتات التي حملت رسالة مختلفة:
“TEENS SHOULDN’T HAVE TO PROTEST THE ACTIONS OF ADULTS”
أي: «لا ينبغي للمراهقين أن يضطروا إلى الاحتجاج على أفعال البالغين».
كما ظهرت لافتة أخرى تقول:
“I SHOULDN’T HAVE TO MISS CLASS TO STAND UP FOR BASIC HUMANITY”
أي: «لا ينبغي أن أضطر إلى التغيب عن الصف للدفاع عن أبسط مبادئ الإنسانية».
وهاتان العبارتان تعكسان شعورا واضحا لدى بعض الطلاب بأن قضايا العنصرية والتمييز أصبحت من القضايا التي يشعرون بأنهم مضطرون إلى المشاركة فيها، رغم أن مسؤولية معالجة هذه القضايا تقع، في الأصل، على عاتق المؤسسات والبالغين وصناع القرار.
البيئة والرأسمالية والذكاء الاصطناعي
ولم تقتصر الشعارات التي ظهرت في الوقفة على الهجرة والعنصرية.
فقد تناول بعض المشاركين أيضا قضايا البيئة والرأسمالية، مع انتقادات لما اعتبروه تغليب المصالح الاقتصادية والربح على حماية الطبيعة.
كما طرحت مخاوف بشأن الطريقة التي يمكن أن تستخدم بها التقنيات الحديثة، ومنها الذكاء الاصطناعي، لخدمة مصالح الشركات وأصحاب الثروة، بدلا من توجيهها نحو ما يراه المحتجون مصلحة عامة وحماية للبيئة.
وبذلك اتسعت الوقفة لتشمل مجموعة من القضايا التي يرى المشاركون أنها مترابطة: العنصرية، الهجرة، العدالة الاجتماعية، حماية البيئة، ودور المال والتكنولوجيا في تحديد مستقبل المجتمع.
«قل لا لهانسون»
من الشعارات التي تكررت خلال التجمع:
“SAY NO TO HANSON”
أي: «قولوا لا لهانسون».
كما ظهرت عبارات أخرى مثل:
“DOWN WITH ONE NATION”
وهي عبارة تعبر عن الرفض السياسي لحزب One Nation.
كما حملت بعض اللافتات إشارات إلى مجموعات طلابية وسياسية شاركت في تنظيم أو دعم التحرك، من بينها UNSW Socialists وSocialist Alternative.
لكن المشهد في المكان لم يكن محصورا في أعضاء هذه المجموعات، بل ضم أعدادا من الطلاب والشباب الذين حضروا للمشاركة في الوقفة والتعبير عن رفضهم لما يعتبرونه خطابا عنصريا أو معاديا للمهاجرين.
وقفة شبابية وسط حضور أمني مكثف
في محيط Town Hall كان الحضور الأمني واضحا، مع انتشار الشرطة ومتابعتها للتجمع وحركة المشاركين.
ورغم ارتفاع أصوات الهتافات وقوة الرسائل التي حملتها اللافتات، جرت الوقفة بصورة منظمة، وكان واضحا أن المنظمين والمشاركين حرصوا على إيصال رسالتهم من خلال الهتافات والكلمات واللافتات.
واللافت في هذا المشهد هو الحضور الشبابي الكبير.
طلاب يحملون حقائبهم، وآخرون يرتدون الزي المدرسي، وطلاب جامعات جاءوا مباشرة من محاضراتهم أو تجمعوا مع زملائهم، جميعهم وجدوا أنفسهم اليوم في قلب نقاش سياسي واجتماعي يتجاوز أعمارهم.
جيل جديد يريد أن يكون له صوت
قد يختلف الأستراليون حول بولين هانسون وحزب One Nation، كما يختلفون حول الهجرة والاقتصاد والبيئة ودور الدولة في المجتمع.
لكن ما حدث اليوم أمام Town Hall يكشف شيئا آخر: هناك جيل شاب يريد أن تكون له كلمة في النقاش حول مستقبل أستراليا.
جيل يرى أن التنوع الثقافي جزء من حياته اليومية، وأن المهاجرين والمسلمين والأقليات ليسوا غرباء عن المجتمع الذي نشأ فيه.
جيل آخر يضع قضايا البيئة والعدالة الاقتصادية في مقدمة اهتماماته، ويرى أن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي يجب ألا يتحولا إلى أدوات لزيادة ثروة القلة على حساب المجتمع والطبيعة.
ومن بين كل الشعارات التي ارتفعت اليوم، ربما كانت أكثرها دلالة تلك التي قالت:
“WE LOVE IMMIGRANTS.”
ثم إلى جانبها:
“RACISM HAS NO PLACE IN PARLIAMENT.”
كانت الرسالة واضحة: هؤلاء الطلاب لا يريدون أن يتركوا النقاش حول العنصرية والهجرة ومستقبل المجتمع للسياسيين وحدهم.
ومن أمام Town Hall في سيدني، بدا أن جيلا جديدا يريد أن يقول إنه حاضر، وإنه يراقب، وإنه مستعد للنزول إلى الشارع عندما يشعر أن قيم التعددية والاحترام والإنسانية التي يؤمن بها مهددة.
وقد لا تغير وقفة واحدة مسار السياسة الأسترالية، لكنها بالتأكيد أظهرت أن الشباب الأسترالي يريد أن يكون جزءا من النقاش حول البلد الذي سيعيش فيه مستقبلا.
اليوم، قالوا لا للعنصرية، ولا للكراهية، وقالوا إن أستراليا التي يعرفونها هي أستراليا التي تتسع للجميع.






















