
بقلم د. جان معكرون
اتفاق ترسيم الحدود البحرية وإشكالياته القانونية
طرح اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان واسرائيل سجالات ونقاشات قانونية تمحورت حول المسألتين التاليتين:
1- هل يستوجب هذا الاتفاق مصادقة مجلس النواب.
2- هل أن توقيع هذا الاتفاق يعني اعترافاً بدولة اسرائيل.
تفيد الوقائع إلى أنه بعد وساطة أميركية، أدّى اتفاق ترسيم الحدود إلى السماح للدولتين بالتنقيب عن الغاز والنفط في منطقة متنازع عليها.
وخلال الأسبوع الأول من شهر تشرين الأول الحالي، قدّم الوسيط الأميركي آموس هوكستين إقتراح الاتفاق الأخير وأعلن الطرفان موافقتهما عليه. وسيدخل حيّز التنفيذ عندما ترسل الولايات المتحدة الأميركية إشعاراً إلى الطرفين يتضمّن تأكيداً على استلامها رسالة منهما تفيد بموافقتهما على الشروط المنصوص عليها في الاتفاق.
ونسوق فيما يلي مراحل التوصل النهائي إلى الاتفاق وفقاً لنص رسالة الولايات المتحدة إلى طرفي الاتفاق:
المرحلة الأولى: ترسل الولايات المتحدة رسالة إلى كل من لبنان واسرائيل مرفقة بالنقاط والأفكار التي تعكس فهمها للإطار الخاص بالمفاوضات العائدة لترسيم الحدود البحرية بين الطرفين.
المرحلة الثانية: يقوم الطرفان بإبلاغ موافقتهما على قائمة الإحداثيات الجغرافية ذات الصلة بإقامة حدود بحرية دائمة بينهما وذلك بموجب رسالة تُوجّه من كل منهما إلى حكومة الولايات المتحدة.
المرحلة الثالثة: ترسل الولايات المتحدة إخطاراً نهائياً إلى الطرفين بشأن الشروط المذكورة في رسالتها تُؤكد فيها استلامها رسالة من كل منهما والمتضمنة موافقتهما على الشروط المنصوص عليها في الاتفاق.
المرحلة الرابعة: يرسل كل طرف رسالة تحتوي على قائمة الإحداثيات الجغرافية ذات الصلة بترسيم الحدود إلى أمين عام الأمم المتحدة بصفته وديعاً لإتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.
– ماهية اتفاق ترسيم الحدود البحرية.
رغم أن لبنان لم يبرم اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات للعام 1969 فإن مجلس شورى الدولة قد اعتبر انها تشكّل جزءاً من المبادئ العامة للقانون الدولي.
ولقد حدّدت المادة 2 من هذه الاتفاقية المعاهدة بأنها «اتفاق دولي معقود بين الدول في صيغة مكتوبة والذي ينظمه القانون الدولي سواء تضمنته وثيقة واحدة أو وثيقتان متصلتان أو أكثر ومهما كانت تسميته الخاصة.»
وكانت هيئة التشريع والإستشارات في وزارة العدل قد اعتبرت في استشارتها رقم 625 تاريخ 10/8/2018 ان «المعاهدة الدولية تتخذ عدة أشكال ومن هذه الأشكال الرسائل إذ يجوز، إذا استوفيت بعض الشروط الشكلية والموضوعية، أن يشكل تبادل الرسائل معاهدة دولية بمفهوم اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات.»
استناداً إلى ما تقدم نستنتج أن منطق تبادل الرسائل أو المذكرات المنصوص عليه والمعتمد في اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان واسرائيل عبر الوساطة الأميركية هو مألوف وجائز قانوناً.
لكن السؤال الواجب طرحه هنا هو كيفية نفاذ اتفاق ترسيم الحدود البحرية إذ جاء في القسم الرابع البند «ب» من هذا الاتفاق أنه «يدخل حيّز التنفيذ في التاريخ الذي ترسل فيه حكومة الولايات المتحدة الأميركية إشعاراً يتضمن تأكيداً على موافقة كل من الطرفين على الأحكام المنصوص عليها في هذا الاتفاق.»
وهذا ما يطرح تساؤلات عديدة بالنسبة لنفاذ هذا الاتفاق حول وجوب مصادقة مجلس النواب المتمثلة بإصداره قانوناً يجيز لرئيس الجمهورية إبرامه بالإتفاق مع رئيس الحكومة لكي يصبح نافذاً وفقاً للمادة 52 من الدستور، والتي اشترطت موافقة مجلس النواب قبل إبرام أي معاهدة تنطوي على شروط تتعلق بمالية الدولة والمعاهدات التجارية وسائر المعاهدات التي لا يجوز فسخها سنة فسنة.
الواضح لدينا أن اتفاق ترسيم الحدود البحرية موضوع بحثنا يطال مالية الدولة وله طابع تجاري كما انه لا يجوز فسخه فسنة. وبالتالي لدى معاينة هذا الاتفاق نلاحظ لأول وهلة أنه يستوجب موافقة مجلس الوزراء ومجلس النواب. ولكن لدى قراءة نص المادة 11 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات نستنتج منها أن مجرّد التوقيع على المعاهدة يعبّر عن قبول الدولة بالإلتزام بها. والإلتزام هو الأساس بالنسبة لطرفي الإتفاق. ولقد ورد في المادة 11 حرفيّاً ما يلي:
«يمكن التعبير عن رضا الدولة الإلتزام بالمعاهدة بتوقيعها، أو بتبادل وثائق إنشائها، أو بالتصديق عليها، أو بالموافقة عليها، أو بقبولها أو بإبرامها أو الإنضمام إليها أو بأية وسيلة أخرى متفق عليها.»
ورغم عدم وضوح هذه المادة وصعوبة تفسيرها فإنه يمكن الركون إليها واعتبار التوقيع على المعاهدة أحد الخيارات المتاحة أمام الطرفين الموقعين لبدء نفاذها.
وحيث أن المعاهدة المعقودة بطريقة تبادل المذكرات قد أصبحت مألوفة جداً ولا تستوجب المصادقة أي مصادقة مجلس النواب وفقاً لما جاء في المرجع الدبلوماسي
Satow’s Guide to Diplomatic Practice, Fifth Edition P.247
وحيث أن لجنة القانون الدولي التي أشرفت على وضع اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات للعام 1969 قد علّقت على المادة 14 من هذه الإتفاقية والواردة بعنوان «التعبير عن الرضا بالإلتزام بالمعاهدة بالتصديق عليها أو بقبولها أو بالموافقة عليها» وشرحت موقفها بالآتي:
«…مهما يكن من أمر فإن توسع العلاقات بين الدول لا سيما فيما يتعلق بالحقلين الإقتصادي و التقني قد أدّى إلى تزايد مستمر في استعمال نماذج اتفاقيات دولية أقل رسمية ومن بينها كان تبادل المذكرات Exchange of Notes والمعتمد عادة بين الأطراف لكي يصبح ملزماً بمجرد التوقيع وحده.»
Satow’s Guide… Page 247
ولقد أشار المرجع المذكور إلى أمثلة عديدة قد تمّ اعتمادها عن طريق تبادل المذكرات وفي مواضيع هامة، مثل نقل قواعد عسكرية وتسوية نزاعات حدودية وترسيم مياه إقليمية…Delimitation of territorial waters
وقد أن هذا الرأي المرتكز على نفاذ الإتفاق الدولي بمجرد التوقيع عليه قد تثبّت أيضاً في المرجع القانوني.
Principles of Public International Law, Ian BROWNLIE, page 611
وقد تتضمن: Ian BROWNLIE: “… modern practice contains many examples of less formal agreements not requiring ratification and intended to be binding by signature.”
أي « أن الممارسة الحديثة تشمل أمثلة عديدة عن اتفاقيات أقل رسمية لا تستلزم المصادقة ومعدّة لأن تكون ملزِمة بمجرد التوقيع.»
سنداً لكل ما تقدّم يمكن الإستخلاص أن توقيع لبنان على اتفاق ترسيم الحدود البحرية لا يستلزم مصادقة مجلس النواب.
– هل يعني اتفاق ترسيم الحدود البحرية اعترافاً باسرائيل؟
حدّدت المراجع القانونية الإعتراف بالدول بأنه عمل أو إجراء يتم بواسطتِه تحقّق دولة ما من وجود دولة أخرى.
“La reconnaissance d’Etat est l’acte par lequel un Etat constate l’existence d’um autre Etat” – Simone Dreyfus.
والإعتراف عمل أحادي وإرادي الجانب تقرّره دولة ما وفقاً لمصالحها.
وهو على نوعين صريح Express كالذي تنص عليه معاهدة أو وثيقة دبلوماسية.
أما الإعتراف الضمني Implied فهو الممكن استنتاجه من عمل معيّن كالبيان المشترك الصادر من قبل دولتين بإقامة علاقات دبلوماسية دون الإشارة صراحة إلى إعتراف متبادل ببعضهما.
ونستطيع القول إلى المرجع الأساسي والموثوق به في هذا المجال والذي يعطي فكرة واضحة عما إذا كان اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان واسرائيل هو بمثابة إعتراف ام لا، هو القاضي السابق في محكمة العدل الدولية Lauterpach والذي توصل الى الاستنتاج التالي:
– يُعتّد فقط بالاعتراف الصريح بين الدول في حال عقد معاهدة ثنائية تنظم العلاقات 8بين الدولتين او في حال مباشرة علاقات دبلوماسية رسمية او صدور براءة قنصلية لرئيس بعثة قنصلية من قبل الدولة الموفد اليها تسمح له بممارسة اعماله.
– اعتبر Lauterpacht أن الإعتراف الضمني هو المستنتج من إقامة علاقات دبلوماسية بين دولتين في ظل عدم وجود اعتراف رسمي. وأعطى مثلاً على ذلك كيف ان بريطانيا اعترفت ضمناً بدولة ناميبيا عند إقامة علاقات دبلوماسية معها في العام 1990 رغم أنها لم تعترف بها رسمياً.
– ويعتقد Lauterpacht أن الممارسة الدولية تبيّن أن لا اعتراف ضمني بين دولتين في الحالات التالية بالنسبة للدولة غير المعترف بها تجاه الغير.
– إقامة تمثيل غير رسمي بين دولتين.
– انضمام الدولة غير المعترف بها الى معاهدة متعددة الاطراف.
– الانضمام الى منظمة دولية بالنسبة للدول المعارضة لهذا الانضمام.
– مشاركة الدولة غير المعترف بها في مؤتمر دولي.
نستخلص مما تقدّم ان توقيع لبنان على اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع اسرائيل في الوضعية القانونية المنصوص عليها في هذا الاتفاق لا يشكل اعترافاً ضمنياً بدولة اسرائيل.
The post اتفاق ترسيم الحدود البحرية وإشكالياته القانونية appeared first on جريدة الشرق اللبنانية الإلكترونيّة – El-Shark Lebanese Newspaper.

