
تلقيت من الصديق العزيز الصحافي الأستاذ محمود بري مقالاً رائعاً لم يثر إعجابي وحسب إنما حرك في طواياي الحنين الى التعامل مع اللغة العربية بالأسلوب الجميل في المعنى النبيل والمبنى المتماسك الذي افتقدناه طويلاً، بعدما استسهلوا التعامل مع هذه اللغة كما يتعاملون مع كل شيء في زمن الرداءة والردة. وحرصاً مني على عدم الاستئثار بجمالية هذا المقال، أفسح له في المجال أدناه. كتب محمود بري يقول:
* * *
أنا اللبناني… عليه السلام
لم يتمكن من الاعتياد على الظلم، ولن يمكنه ذلك. حتى وهو في قعر جهنم الأنبياء الكَذَبَة، لن يمكنه ذلك، حتى لو أراد. تدأب جهود شتى لغرس الإحباط في يقينه، لكن ماضيه وتراث الضحكة الثري في خزانة جبينه، وخصوبة أوهامه التي يتبنّاها ويُربّيها في تلك الآفاق الواسعة في المخيلة، تجعله أكثر حياة وعبقاً. ليس أنه خارق لطبيعة الإنسان، ولا أنه عنيد مثل زرقة بحر، ولا أنه قوي مثل برّية عصيّة، بل لأنه ممتلىء بالحلم…
هنا معجزته.
نعم. سرّه الكئيب يكمن في إخلاصه لمخيلته. يُسلّمها واقعه ويتركها تنسج أشرعتها التي لا تبلى على هواها لتواصل به الرحلة. ومن التهابات يومياته وأنواء أساها، يظلّ متواصلاً ندِيّاً بالنسمة النقيّة. يبقر بطنه خنزير أدونيس، فتسيل دماؤه ربيعاً يتفتّح عشتروت الحكاية اليانعة، ويتكرر ربيعاً بعد كل مقتلة.
ليس ضحيةً هو بل شهيدٌ يسقط يرتفع ولا يهوي، وكل موت يجتاحه، تتفتح منه جلالي دحنون وأقحوان.
غريب هو في الحياة كغربته في الموت. يشبه رمحاً اخترق شِغاف قلبه وبقي منتصباً… عموداً يرفع السماء. غريب حاله كمثل غربة باطن الأرض، يُعانق اليوم التالي ولا يملّ من معاقرة الوجع، ولا يتعب. يشتري بأيامه تفاؤلاً يبعثره في الدروب، ويمضي يضحك من حلاوة الروح.
هو كذبة سائرة، لا يصدّقها إلا العارف بالأسرار التي يُداريها النهر وذُؤابات أعشاب تترنح في أحضان الضِفاف، وهذه الحبيبة الزوجة المُعجزة التي يظنّها نصفه وهي كلّه. يوشوش خصلات شعرها وأغصان الشجر… مؤنساً خوفه وهلع العصافير من حيث لا تدري ولا تجفل، ويمضي في لحظات فراغه يزرع النجوم في رداء السماء لإكمال بهاء الظلام العظيم. وحين ينبلج الفجر، يتباهى مُشرقاً من وراء القمم… يظنون أنه الشمس.
وفي يأس العتمة المُهابة يتقوس هلالاً في مملكة المشهد البهيّ، يُداوي استدارة البدر المحتومة التي لا بدّ منها، ماضٍ في انتظاره كأيّ أمل.
اللبناني الصِّدّيق… عليه السلام.
The post شروق وغروب – خليل الخوري – انا اللبناني appeared first on جريدة الشرق اللبنانية الإلكترونيّة – El-Shark Lebanese Newspaper.

