هوامش – بقلم ميرفت سيوفي – المشهد اللبناني في الأعياد
Spread the love

أشياء كثيرة تخنق صفو الأعياد هذا العام أيضاً، تكفي الشّوارع والبيوت المعتمة والفرح النّاقص الذي بلغ انخفاض منسوبه حدّ الجفاف. اللبنانيّون بحاجة حقيقيّة إلى إجازة العيد وفرحه ولكن! كلّ ما يحيط بهم ضاغط إلى أقصى حدّ وهو فوق طاقة احتمالهم، ومع هذا هم مستمرّون في محاولة الاحتمال ومقاومة واقع مظلم وظالم، يتلفتّون حولهم متأكدّين أنّ أحداً لا يريد حتّى أن يدع اللبنانيّين الفقراء وقد صاروا أغلبيّة يُفرحون أولادهم ببساطة ما تبقّى لديهم ممّا تعول عليه هذه العائلات الجائعة. أمّا السياسة والسياسيّون فمنشغلون بأعيادهم ولعبة “الورقة البيضاء” لتعطيل البلاد المستمر إلى أجل غير معروف وغير مبرّر!

تختنق الشوارع اللبنانيّة بازدحام سيارات كالعادة تحدّثك نفسك أنّها “عجقة العيد” تلتفت باتجاه واجهات المحال حيث اعتدت أن ترى بهجة الأعياد مرسومة على واجهاتها المغرية بألوانها، تبحث فتطالعك واجهات كئيبة ومتاجر أبوابها مقفلة أو تحمل إعلان “محلّ للإيجار”، ليس هناك من حركة بيع وشراء، حتى الـ “حركة بلا بركة” لا تشعر بها، يداخلك شعور بالحزن، هذه ليست شوارعنا ولا أعيادنا ولا أحياءنا التي تكتسي بكلّ أنواع الزينة، تعود إلى بيتك بعد جولة طويلة وفي قلبك غصّة وفي عينك دمعة وفي صوتك احتباس يمنعك من الكلام من الصراخ في وجه حكّام يتقاذفوننا من أسبوع لآخر غير عابئين بانهيار الاقتصاد وجنون الدولار وحريق الأسعار وهلمّ جرّاً!

تتنقّل الأزمات اللبنانيّة “من قرنة لقرنة” لا بُدّ من شيءٍ ما يُعبّئ الفراغ اللبناني ويملأه بكلمات ما، وبالرّغم من كلّ المرارات التي يعيشها هذا الشعب رغم  كلّ معاناته وضائقاته لا يضجر ولا ييأس ولا يستسلم، لا أحد يستطيع أن يمنع الأقدار من الجريان كالأنهار، هذا شعب يجري في مصبات الحياة، وعمر هذا الشعب من عمر لبنان وكل الذين مارسوا القهر عليه رحلوا. وما يبعث على الأمل، هو أنّ “دوام الحال من المحال” وتذكروا أن كلّ الرئاسات لا تدوم.. علّمتنا الحروب اللبنانيّة والأزمات الكبرى أيضاً أنّه في هذا البلد “لا أحد يخسر”، علّمتنا تجارب لبنان أن التسويات تفرض نفسها مهما تطاحن الفرقاء على الحصص، هذه حقيقة يعرفها الجميع، هذا بلد لا غالب ولا مغلوب، ونقطة على السطر!

مضجرة أعيادنا، في شهر كانون الأول وحده نرثي شهداء ثلاثة بالأمس رثينا الدكتور محمّد شطح وقبله اللواء فرنسوا الحاج وقبله جبران تويني، تأتي الأعياد، والرجال الذين ماتوا..ماتوا.. نعم قد يبدو المشهد وكأنّ اللبنانيّين قد نسوْا غابة الشهداء الممتدة منذ العام 2005 وسط هذا الفقر والظّلام في المشهد الدّاخلي، ولكن الحقيقة ليست كذلك، الدماء تبقى حارّة وللشّعوب في تاريخها كبوات كبرى، ومهما ظنّ الذين ضيّعوا لبنان ونهبوا شعبه من أجل مكاسبهم الشخصيّة وأنفسهم الدنيئة أنّ هذا الشّعب هان أو استكان ويئس أو أحبط، أيها الشّعب الصّابر المتألّم في زمن الأعياد والرّجاء “لا تحزن إنّ الله معنا”.

‏m _ [email protected]

The post هوامش – بقلم ميرفت سيوفي – المشهد اللبناني في الأعياد appeared first on جريدة الشرق اللبنانية الإلكترونيّة – El-Shark Lebanese Newspaper.

التاريخ

عن الكاتب

المزيد من
المقالات