قطر وتمويل مشروع الحوار الليبي: دعم دولي يعزّز المسار الأممي ويعيد الثقة بالحلول السلمية
Spread the love

يحمل توقيع بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا مذكرة تعاون مع دولة قطر لتمويل مشروع الحوار دلالات سياسية واضحة، تتجاوز بعدها الإجرائي لتؤكد أن المجتمع الدولي ما زال يرى في الدوحة شريكًا يمكن الاعتماد عليه في الملفات الأكثر تعقيدًا وحساسية. فهذه الخطوة ليست مجرد دعم مالي لمسار سياسي، بل تعبير عن ثقة أممية بدور قطري اتسم على الدوام بالالتزام بالقانون الدولي واحترام الشرعية.

ومنذ اندلاع الأزمة الليبية، حافظت قطر على نهج دبلوماسي يتسق مع قرارات مجلس الأمن، دون أن تسجّل عليها أي مخالفة لقرارات حظر السلاح أو دعم عسكري لأي طرف. وفي الوقت الذي أثارت فيه بعض الوقائع—مثل العثور على صواريخ “جافلين” في غريان—تساؤلات دولية حول تورط أطراف إقليمية في دعم عسكري خارج إطار الشرعية، بقي الموقف القطري بعيدًا عن هذا النوع من التدخلات، ولم تُنسب إليه أي عمليات قصف أو دعم عسكري داخل ليبيا. هذا السجل كان عاملًا مهمًا في ترسيخ موثوقية الدوحة لدى الفاعلين الدوليين والأطراف الليبية على حد سواء.

وما تقدمه قطر اليوم لليبيا يأتي في سياق دور دولي آخذ في الاتساع. فقد أثبتت الدوحة خلال السنوات الماضية قدرتها على إدارة ملفات شائكة وذات طابع عالمي، بدءًا من وساطة الاتفاق التاريخي بين الولايات المتحدة وطالبان، مرورًا بدورها الإنساني والسياسي البارز في حرب غزة، وصولًا إلى كونها منصة دبلوماسية تستطيع جمع أطراف متباعدة إلى طاولة واحدة. هذه الخبرة التراكمية تجعل من قطر وسيطًا جديرًا بالثقة، وقادرًا على مواكبة المسار الأممي في ليبيا دون فرض أي أجندة أو خلق اصطفافات جديدة.

إن دعم الدوحة لمشروع الحوار الليبي لا يمثل اصطفافًا إلى طرف ضد آخر، بل هو تعزيز لفكرة أن الحل السياسي يستحق أن يُمنح فرصة حقيقية، وأن السبيل الأمثل لتسوية النزاع الليبي يكمن في الحوار، لا في منطق الكسب بالقوة أو السلاح. كما أن هذا الدعم يأتي منسجمًا مع التوجه الدولي العام الذي يرى أن ليبيا بحاجة إلى شريك يضيف زخمًا للعملية الأممية، لا أن ينافسها أو يعمّق حالة الاستقطاب القائمة.

وفي بلد عانى طويلًا من تعدد المبادرات وتناقض المصالح الإقليمية، يشكل الدخول الرسمي لقطر كداعم للحوار فرصة لاستعادة الثقة بالمسار السياسي وتقوية أدوات الوساطة التي يمكن أن تجمع الليبيين حول رؤية مشتركة. فوجود وسيط يحظى باحترام دولي، ويحافظ على مسافة واحدة من الجميع، ويعمل ضمن إطار الأمم المتحدة، يساهم في خلق بيئة أكثر استقرارًا ويدعم إمكانية الوصول إلى تفاهمات قابلة للبناء عليها.

إن توقيع مذكرة التعاون بين بعثة الأمم المتحدة وقطر يمثل خطوة يمكن أن تضيف قيمة نوعية للمسار السياسي الليبي، وتمنح الليبيين مساحة أوسع للتحاور بعيدًا عن الضغوط والاستقطاب. وهي خطوة تفتح الباب أمام دور دولي أكثر توازنًا يضع مصلحة ليبيا فوق أي اعتبارات أخرى، ويرسّخ فكرة أن الدبلوماسية حين تُعطى المساحة الكافية قادرة على صنع الفارق

التاريخ

عن الكاتب

المزيد من
المقالات