ليبيا بين الفرصة والتحدي: فرص البعثة الأممية لتحقيق تسوية شاملة
Spread the love

تظل ليبيا أمام مفترق طرق تاريخي يمكن أن يحدد مستقبل الدولة لعقود قادمة، وتبرز البعثة الأممية كأداة دولية محورية لإعادة توحيد مؤسساتها السياسية، ووضع إطار دستوري، وتمهيد الطريق لانتخابات رئاسية وبرلمانية نزيهة. نجاح هذا المسار ليس مضمونًا، لكنه ممكن، شرط توفر الإرادة السياسية الفعلية لدى الأطراف المحلية والدعم الدولي الصادق، مع مراعاة الدروس المستفادة من الاتفاقات السابقة مثل الصخيرات وجنيف وبرلين. فقد أظهرت التجارب السابقة أن التوقيع على الاتفاقات ليس كافيًا لتحقيق الاستقرار، وأن الإخفاق غالبًا ما يأتي نتيجة نقص أدوات التنفيذ وغياب الضمانات العملية لمساءلة الأطراف المتفاوضة عند الخرق أو التعطيل.

اتفاق الصخيرات في ديسمبر 2015 شكّل محاولة أولى جادة لبناء توافق سياسي بين الأطراف الليبية المختلفة، وأسس حكومة وحدة وطنية، لكنه اصطدم بعقبات تطبيقية عديدة، أبرزها رفض بعض الميليشيات والكتل السياسية منح الحكومة الجديدة سلطتها الكاملة، واستمرار وجود حكومات موازية في الشرق والغرب، بالإضافة إلى تدخلات خارجية متنافسة على النفوذ الاقتصادي والعسكري. على الرغم من أن الاتفاق وضع أسسًا مؤسسية نظريًا، إلا أن غياب آليات ملزمة لتنفيذ بنوده جعل أي تقدم هشًا وسريع الانهيار عند أي تصعيد. الاتفاق أظهر أيضًا أن دعم المجتمع الدولي لا يمكن أن يكون مجرد مراقبة سياسية أو دبلوماسية، بل يجب أن يكون مصحوبًا بعقوبات ووسائل ضغط قوية لمنع أي طرف من نسف العملية لصالح أجندته الخاصة.

بعد أربع سنوات، جاء اتفاق جنيف 2020 ووقف إطلاق النار، مصحوبًا بتشكيل لجنة عسكرية مشتركة (5+5)، كخطوة إيجابية نحو نزع السلاح وتوحيد المؤسسات العسكرية. هذا الاتفاق أبرز إمكانية الوصول إلى توافق على المستوى العسكري، لكن التحديات السياسية ظلت قائمة، إذ لم يواكب الاتفاق جهود كافية لتوحيد مؤسسات الدولة المدنية، ولم يفرض آليات ملزمة لإزالة تأثير الميليشيات على القرار السياسي، ما حدّ من قدرة البعثة على تحويل التوافق العسكري إلى نجاح سياسي حقيقي. ورغم أن بعض المناطق شهدت تقليصًا للمواجهات المسلحة، إلا أن الانقسامات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية أعاقت انتقال هذه المكاسب إلى حيز المؤسسات الرسمية.

مسار برلين، الذي حاول جمع الفاعلين الدوليين لوضع حد للتدخلات الأجنبية، أسهم في إظهار التزامات دولية أكبر تجاه ليبيا، لكنه لم يكن كافيًا لتوحيد الضغط على الأطراف المحلية. إذ ظل تنفيذ بنود الاتفاق محدودًا، ولم يكن هناك آليات صارمة لضمان وقف التدخلات أو مراقبة التزام القوى المحلية بخارطة الطريق. هذا الواقع أظهر أن أي اتفاق دولي يحتاج إلى آليات تنفيذية محكمة داخلية وخارجية لضمان تحقيق مخرجات ملموسة، وأن ضعف الرقابة والتساهل في فرض العقوبات على الخروقات يفتح المجال أمام الأطراف المعطّلة لإعادة إنتاج الانقسام.

اليوم، تواجه البعثة الأممية تحديًا مضاعفًا، إذ تتداخل الأزمات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية مع الأجندات السياسية المتنافسة. محاولة الوصول إلى حكومة موحدة، ووضع قاعدة دستورية، وإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية، لا يمكن أن تنجح دون معالجة الشبكات الاقتصادية المرتبطة بالفساد والتهريب والسلاح، والتي استفادت من سنوات الانقسام لترسيخ نفوذها. كما أن التدهور الاجتماعي، وتراجع مستوى المعيشة، وارتفاع معدلات البطالة، وفقدان الثقة بالطبقة السياسية، يفرض على أي اتفاق أن يمتلك قدرة على كسب رضا الشارع، وإلا فإن العملية ستكون عرضة للرفض الشعبي أو لإعادة الانقسام تحت مسميات مختلفة.

على الرغم من هذه التحديات، فإن هناك أسبابًا للتفاؤل الواقعي. البعثة الأممية تمتلك تصورًا أكثر وضوحًا لخطوات العملية الانتقالية، يبدأ بتثبيت الأمن ووضع ترتيبات مؤسساتية مشتركة، يليها توافق على قاعدة دستورية، وصولًا إلى الانتخابات. الجدولة المرحلية تعطي العملية صلابة أكبر إذا اقترنت بضمانات دولية صارمة وبآليات محلية فعّالة للمراقبة والتنفيذ. تجربة اتفاق الصخيرات وجنيف وبرلين، رغم إخفاقاتها، أظهرت أن المسار السياسي يحتاج إلى أدوات مساءلة قوية، وإجراءات أمنية تمنع الميليشيات من التأثير على القرار السياسي، ومشاركة اجتماعية حقيقية لضمان شرعية القاعدة الدستورية.

إمكانية الوصول إلى انتخابات نزيهة تتطلب وجود توافق محلي واسع، ضغط دولي موحّد، وبنية أمنية واقتصادية انتقالية فعالة، تشمل دمج الميليشيات أو تفكيكها، وإصلاح القطاع النفطي والمالي، وبرامج تنموية تقلل الضغط الاجتماعي وتزيد قبول الجمهور بالعملية السياسية. إن تحقيق هذه الشروط يجعل البعثة قادرة على تحويل الاتفاق النظري إلى واقع ملموس، ويزيد من فرص نجاح الحكومة الموحدة وإجراء الانتخابات.

في العمق، نجاح البعثة الأممية مرتبط بمدى استعداد الأطراف الليبية للتخلي عن جزء من مكاسبها قصيرة المدى من أجل بناء دولة مؤسسات، حيث ينافس الجميع داخل مؤسساتها الرسمية وليس خارجها. التاريخ يعلم أن الاتفاقات لم تفشل بسبب ضعف نصوصها، بل بسبب غياب الإرادة السياسية المشتركة والآليات العملية للتحويل إلى واقع. الفرصة اليوم متاحة لإعادة بناء الدولة على أسس مؤسساتية، مع ضمان تمثيل كل الفئات الاجتماعية والسياسية، ووضع آليات فعالة للتنفيذ والرقابة.

نجاح البعثة الأممية ليس مجرد احتمال، بل خيار ممكن إذا تم تفعيل الدروس المستفادة من التجارب السابقة، مع إرادة سياسية حقيقية وحوافز دولية قوية. تحويل هذا الخيار إلى واقع يعني أن ليبيا ستكون قادرة على استعادة وحدتها ومؤسساتها الشرعية، وفتح صفحة جديدة من الاستقرار والتنمية، بعيدًا عن صراعات الميليشيات والمصالح الإقليمية المتنافسة، بما يحقق تطلعات الشعب الليبي في دولة قوية ومستقرة ومؤسساتية

التاريخ

عن الكاتب

المزيد من
المقالات