السلفية وسؤال الندم المؤسس: حين يتحول الدفاع إلى إنكار
Spread the love

المعضلة الحقيقية مع التيار السلفي لا تكمن في تمجيده للسلف، بل في تحويله التاريخ إلى عقيدة، والاجتهاد السياسي إلى نصٍّ مقدّس، والأخطاء المعترف بها إلى فضائل مُعاد تدويرها. ومن هنا، فإن اعترافات أبي بكر قبل موته ليست مجرد روايات تاريخية، بل اختبارًا كاشفًا لسلامة المنهج السلفي نفسه.

السلفي يطالبك بالتصديق المطلق حين تُذكر الفضائل، لكنه يطلب منك التوقف والسكوت والتأويل القسري حين يظهر النقد من داخل النص ذاته. هذه ليست منهجية علمية، بل انتقائية أيديولوجية.

أبو بكر، وفق روايات ثابتة في مصادر سنية مبكرة، قال صراحة إنه ندم. لم يُجبره خصم، ولم يُكره على اعتراف، بل تكلّم وهو في لحظة مواجهة مع الموت. السؤال الذي يتهرّب منه السلفي ليس: هل الرواية صحيحة؟ بل: ماذا نفعل إن كانت صحيحة؟

حين يقول أبو بكر: “وددت أني لم أكن كشفت بيت فاطمة”، فالسلفي أمام خيارين لا ثالث لهما:

إما أن ينكر الرواية، وهنا يضرب مصنف ابن أبي شيبة والطبري في مقتل،

أو أن يقبلها، وحينها ينهار خطاب “الجيل المثالي” الذي لم يعرف القهر السياسي.

لا يكفي القول إن “النية كانت صالحة”. النية لا ترفع الظلم، ولا تُحوّل الخطأ السياسي إلى سنة. بيت فاطمة ليس بيتًا عاديًا، والاعتداء عليه ليس تفصيلًا. هو كسرٌ مبكر لحدود السلطة، وتدشين لمنطق: “الغاية السياسية تبرر الفعل”.

أما ندمه على إحراق الفُجاءة السلمي، فهو فضيحة فقهية مكتملة الأركان. النبي قال بوضوح: “لا يعذب بالنار إلا رب النار”. لا اجتهاد مع النص، هذه قاعدة يكررها السلفي ليل نهار، ثم ينسفها هنا حين تتعارض مع صورة الخليفة الأول. فإذا كان الاجتهاد يبيح خرق النص في أول الدولة، فلماذا يُكفَّر أو يُبدَّع غيره لاحقًا؟

الضربة القاضية للسردية السلفية تأتي من ندم أبي بكر على أصل تولّي الخلافة. تمنّيه لو أنه ألقى الأمر في عنق عمر أو أبي عبيدة اعتراف صريح بأن:

  • الخلافة لم تكن بنص
  • ولم تكن بإجماع
  • ولم تكن محسومة شرعًا

وهنا يسقط حجر الأساس الذي تقوم عليه السلفية السياسية: أن ما وقع هو “المنهج الصحيح الوحيد”. بل هو، باعتراف صاحبه، خيارٌ بشري قابل للخطأ والندم.

المفارقة أن التيار السلفي يشنّ حربًا شعواء على أي قراءة نقدية لهذا التاريخ، باسم “سد باب الفتنة”، بينما الحقيقة أن الفتنة الكبرى بدأت يوم مُنع السؤال، لا يوم طُرح. تحويل الصحابة إلى منطقة محظورة على العقل هو أعظم بدعة فكرية أُدخلت على الإسلام.

الأخطر أن السلفية لا تدافع عن أبي بكر بقدر ما تدافع عن نظامٍ فكري بُني لاحقًا، نظام يحتاج إلى سلفٍ بلا أخطاء كي يبقى قائمًا. لذلك، كل اعتراف بالندم يصبح تهديدًا وجوديًا، لا مسألة علمية.

وهنا السؤال الذي لا يملك السلفي جوابًا شجاعًا عليه:

إذا كان أبو بكر نفسه ندم على قرارات تأسيسية، فمن أين جئتم بعقيدة “العدالة المطلقة” التي تُخرس النقد، وتُجرّم المراجعة، وتحوّل التاريخ إلى وحيٍ موازٍ؟

الإسلام لم يحتج يومًا إلى حراسة أيديولوجية. الذي يحتاج إلى الحراسة هو القراءة السلفية للتاريخ، لأنها تعلم في قرارة نفسها أن أول تصدّع حقيقي سيكشف أن الدولة لم تُؤسَّس على نموذج معصوم، بل على اجتهادٍ بشري اعترف صاحبه بأخطائه.

من هنا، فإن مواجهة السلفية لا تكون بالشتم، بل بسؤال واحد كفيل بهدم بنيانها:

هل تقديسكم للسلف نابع من الدين، أم من خوفكم مما سيقوله التاريخ إن تُرك حرًا؟

التاريخ

عن الكاتب

المزيد من
المقالات