في التجربة الليبية المعاصرة لم يعد الحكم على القادة يقاس بحجم الإنجازات الكبرى ولا بعدد المشروعات الضخمة التي يعلن عنها في المنابر بل بات المعيار أكثر قسوة وأكثر واقعية في آن واحد كم حربا تم تجنبها وكم مدينة نجت من الدمار وكم روحا لم تُزهق بسبب قرار متسرع فالدول المستقرة تحاسب حكامها على جودة التنمية أما الدول الخارجة من النزاعات فتحاسبهم أولا على قدرتهم على منع الكارثة ومن هذه الزاوية تحديدا يمكن قراءة مسار محمد المنفي الذي اختار منذ وصوله إلى المجلس الرئاسي نهجا هادئا قليل الضجيج بعيدًا عن الاستعراض اللفظي ومختلفا عن تقاليد السياسة الليبية التي اعتادت الخطابات النارية والرهان الدائم على القوة
المنفي لم يقدم نفسه كزعيم مواجهة ولم يسع إلى صناعة صورة البطل الذي يحسم الصراعات بقرار مفاجئ بل تصرف كرجل إدارة أكثر منه رجل معركة يراقب التوازنات بدقة ويتقدم بخطوات محسوبة ويؤثر تجميد الاشتعال على إشعال جبهات جديدة وقد يبدو هذا السلوك باهتا في أعين من يبحثون عن مشاهد درامية لكنه في واقع ليبيا المضطرب يحمل قدرا كبيرا من العقلانية لأن أي مغامرة غير مدروسة كفيلة بإعادة البلاد إلى دوامة الاقتتال التي دفعت أثمانها المدن والناس والاقتصاد على حد سواء
أبرز ما يمكن تسجيله في هذا السياق هو موقفه الواضح من رفض تحويل طرابلس إلى ساحة صراع مفتوح فقد أدرك أن العاصمة ليست مجرد مركز إداري بل هي قلب الدولة ورمزها وأن انفجارها يعني عمليا سقوط فكرة الشرعية نفسها ولذلك كان إصراره على كبح التحشيد المسلح ومنع الانجرار إلى حرب جديدة موقفا سياسيا وأخلاقيا في الوقت ذاته انسجم مع مزاج شعبي متعب لم يعد يحتمل مزيدا من الدماء ولم يعد يبحث عن قائد معركة بل عن رجل دولة يوقف النزيف
غير أن الاكتفاء بتجنب الحرب لا يكفي لبناء السلام فالتاريخ يعلمنا أن الهدوء الهش قد يخفي تحته أسباب الانفجار وأن تجميد الصراع دون معالجة جذوره لا يصنع استقرارا دائما بل يؤجل المواجهة فقط وهنا تكمن المعضلة الأساسية في التجربة الحالية إذ لا يمكن أن يتحول الرفض النظري للحرب إلى استقرار فعلي ما لم يُترجم إلى سياسات أمنية واضحة وإصلاحات مؤسسية حقيقية تعيد للدولة احتكار السلاح وتفرض سيادة القانون على الجميع دون استثناء
سياسة التوازن التي يتبعها المنفي بين الأطراف المتنافسة منحت المجلس الرئاسي مساحة للحركة وجنبته الدخول في اصطفافات حادة لكنها في الوقت نفسه لا يمكن أن تبقى استراتيجية دائمة لأن الدولة لا تُبنى على الحياد المستمر بل على قرارات حاسمة تحدد الاتجاه وتفرض القواعد فالوساطة مفيدة في لحظات التهدئة لكنها لا تكفي عندما يتعلق الأمر بإعادة تشكيل مؤسسات الأمن والاقتصاد والعدالة وإذا بقي المجلس الرئاسي في منطقة الوسط إلى الأبد فسيتحول إلى مظلة شكلية لا إلى سلطة فعلية
ومن هنا تبرز ضرورة ملحة لا تحتمل التأجيل وهي توحيد المجلس الرئاسي نفسه قبل أي شيء آخر فالمؤسسة المنقسمة داخليا لا تستطيع أن توحد بلدا منقسما ولا يمكن لقيادة تتحدث بأصوات متعددة أن تفرض رؤية وطنية جامعة إن تماسك المجلس وانسجام أعضائه خلف برنامج واضح للدولة شرط أساسي لاستعادة الثقة الشعبية لأن المواطن البسيط لا يعنيه تعقيد التوازنات السياسية بقدر ما يعنيه أن يرى سلطة متماسكة تعرف ماذا تريد وتمضي إليه بثبات
هذا التماسك يجب أن يقترن بجرأة في اتخاذ قرارات قوية لصالح الدولة لا لصالح شبكات المصالح الضيقة قرارات تعيد ترتيب الأولويات وتضع مصلحة الوطن فوق حسابات الأفراد والجماعات فليبيا لم تعد تتحمل إدارة يوم بيوم ولا مساومات لا تنتهي بل تحتاج إلى لحظة حسم تعلن فيها المؤسسات الرسمية أن زمن الفوضى قد انتهى وأن القانون هو المرجعية الوحيدة للجميع
وفي صلب هذه المرحلة يجب أن تتصدر ملفات المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية وجبر الضرر جدول الأعمال دون تردد لأن الصراع الليبي لم يكن مجرد تنافس سياسي بل كان جرحا اجتماعيا عميقا خلّف ضحايا ومظالم وذكريات ثقيلة لا يمكن القفز فوقها إن تجاهل هذه الملفات يعني إبقاء النار تحت الرماد أما مواجهتها بشجاعة وعدالة فيعني فتح الباب أمام عقد اجتماعي جديد يعيد الثقة بين الدولة والمواطن وبين الليبيين أنفسهم فالمصالحة ليست شعارا احتفاليا بل عملية قانونية وأخلاقية تعترف بالضحايا وتعيد الحقوق وتعالج الانتهاكات وتؤسس لذاكرة وطنية تمنع تكرار المأساة
عند هذه النقطة فقط يمكن لسياسة تفادي الهاوية أن تتحول إلى مشروع بناء حقيقي لأن الاستقرار لا يولد من الخوف من الحرب وحده بل من الإحساس بالعدالة ومن شعور الناس بأن الدولة تحميهم جميعا على قدم المساواة وإذا لم تُغلق ملفات الماضي بعدل وشفافية فستظل الانقسامات كامنة وقابلة للانفجار في أي لحظة
إن المنفي يقف اليوم أمام اختبار تاريخي فإما أن يظل مدير أزمة بارعا ينجح في منع الأسوأ لكنه يكتفي بإدارة الوقت وإما أن ينتقل إلى مستوى رجل الدولة الذي يصنع التحول ويقود عملية إعادة التأسيس الفرق بين الدورين ليس في النوايا بل في القرارات الجريئة وفي القدرة على الانتقال من التوازن السلبي إلى المبادرة الإيجابية
ليبيا اليوم لا تحتاج خطابات مرتفعة ولا شعارات تعبئة جديدة بل تحتاج هدوءا مصحوبا بحسم وتوافقا مدعوما بقانون ومصالحة تستند إلى عدالة وإذا استطاع المجلس الرئاسي موحدا أن يتبنى هذه الرؤية وأن يجعل المصالحة والعدالة الانتقالية وجبر الضرر عناوين المرحلة وأن يفرض قرارات قوية تعيد للدولة هيبتها فقد يكون ما بدأ كسياسة لتجنب الكارثة بداية فعلية للخروج من حالة التيه الطويلة والاقتراب أخيرا من بر الأمان حيث تصبح الدولة واقعا ملموسا لا حلما مؤجلا وحيث يشعر الليبيون أن وطنهم لم يعد ساحة صراع بل بيتا مشتركا يتسع للجميع.


