Reading in العربية (Arabic) | Read in English
ليس من الجدية السياسية تفسير التحركات الأمريكية الكبرى بوصفها ردود فعل آنية على فضيحة أو محاولة للهروب من استحقاق داخلي هذا النوع من التفسير يختزل دولة بحجم الولايات المتحدة في سلوك إدارة أو مزاج رئيس ويحول التحولات البنيوية في النظام الدولي إلى مادة للثرثرة الإعلامية ما يحدث أعمق من ذلك بكثير إنه يتعلق بلحظة تاريخية تكتشف فيها القوة التي صاغت النظام العالمي بعد الحرب العالمية الثانية أن قدرتها على تعريف هذا النظام لم تعد مطلقة كما كانت وأن أدوات الإقناع التي رافقت صعودها لم تعد كافية بذاتها لضمان استمرار موقعها المركزي
في مرحلة الصعود لم تكن الولايات المتحدة تقود العالم بالقوة وحدها بل قادته بالنموذج قدمت اقتصادا مفتوحا وسوقا عملاقة وابتكارا تكنولوجيا وجامعات ومؤسسات مالية جعلت الدولار عملة الثقة العالمية كانت القوة العسكرية جزءا من المعادلة لكنها لم تكن جوهر الجاذبية أما اليوم فيتغير المشهد تدريجيا إذ تتقدم العقوبات والقيود التجارية وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد إلى واجهة السياسة الخارجية ويغدو الحضور العسكري المكثف في مناطق التوتر رسالة بحد ذاته هذا التحول لا يعني أفولا مباشرا لكنه يعكس انتقالا من مرحلة إنتاج القواعد إلى مرحلة حمايتها
الصراع مع الصين يكشف جوهر هذه اللحظة فهو ليس مواجهة أيديولوجية على غرار القرن العشرين بل تنافس بين اقتصاد صناعي ضخم يملأ الأسواق العالمية وبين قوة مالية وتكنولوجية لا تزال تمسك بمفاتيح النظام النقدي العالمي الإشكال لا يكمن فقط في أن واشنطن تضغط على حلفائها لتقليص انكشافهم على بكين بل في أن البديل الاقتصادي الذي يمكن أن يعوض ذلك الانكشاف ليس دائما متاحا بالقدر ذاته هنا تظهر المعضلة البنيوية قوة قادرة على المنع لكنها تجد صعوبة متزايدة في أن تكون هي البديل الأمثل
هذا التحول يفرض كلفة استراتيجية متصاعدة فكل خطوة احتواء تحتاج إلى موارد مالية وسياسية أكبر وكل تحالف يتطلب إدارة دقيقة في عالم لم يعد أحادي القطب بالوضوح الذي عرفه مطلع التسعينيات ومع ذلك تبقى الولايات المتحدة قوة استثنائية بمقاييس الاقتصاد المعرفي والابتكار وسوق رأس المال والدور المحوري لعملتها في التجارة العالمية السؤال لم يعد هل ما زالت قوية بل كيف تستخدم هذه القوة في بيئة تتسع فيها مساحات المنافسة
أوروبا تقدم نموذجا مركبا لهذا التوازن الدقيق فهي ليست خاضعة خضوعا كلاسيكيا للقرار الأمريكي وليست مستقلة استقلالا كاملا عن المظلة الأمنية الأطلسية التي تشكلت عبر عقود الحرب الباردة ومع اندلاع الحرب في أوكرانيا تكشفت حدود الاستقلال وحدود الاعتماد معا فقد دفعت القارة ثمنا اقتصاديا مرتفعا في ملف الطاقة وأعادت ترتيب أولوياتها الصناعية تحت ضغط أمني متزايد لكنها في الوقت ذاته رأت في التماسك مع واشنطن ضمانة استراتيجية في مواجهة بيئة دولية أكثر اضطرابا ما نراه هنا ليس تبعية صرفة ولا تحررا كاملا بل اعتمادية متبادلة غير متكافئة تشكلت عبر الزمن وأصبحت جزءا من بنية النظام الغربي نفسه
في هذا السياق يبرز بعد نفسي سياسي لا يمكن تجاهله القوى الكبرى تطور سردية عن ذاتها بوصفها مركز الاستقرار العالمي وعندما تهتز هذه السردية حتى دون انهيار فعلي في عناصر القوة الصلبة ينشأ قلق المكانة هذا القلق لا يعني أن السياسات تدار بالعاطفة بل يعني أن حماية الصورة عن الذات تصبح هدفا موازيا لحماية المصالح المادية فتتحرك الأساطيل وتفرض القيود وتستعرض التحالفات ليس فقط لتحقيق نتائج محددة بل لتأكيد أن مركز الثقل لم ينتقل بعد
غير أن المشهد لا يختزل في قلق قوة قديمة فالقوة الصاعدة نفسها تواجه تحديات عميقة الصين وإن راكمت قدرات صناعية وتكنولوجية هائلة ما زالت تختبر قدرتها على تحويل هذا التراكم إلى قيادة عالمية شاملة كما أن نموذجها السياسي والاقتصادي لا يقدم نفسه بوصفه بديلا كوني الطابع يمكن أن يحل محل البنية القائمة وهكذا يجد العالم نفسه بين قوتين إحداهما تدافع عن موقع مركزي تاريخي والأخرى تسعى إلى توسيع حضورها دون أن تتحمل بعد أعباء النظام بكامله
نحن إذن أمام لحظة انتقال أكثر منها لحظة انهيار انتقال تتغير فيه أنماط القيادة وأدوات التأثير وتتوزع فيه مراكز الثقل دون أن تتفكك البنية الدولية بالكامل في مثل هذه اللحظات تميل الدول الكبرى إلى التشبث بمكانتها لأن الاعتراف بأن الزمن تغير ليس قرارا سياسيا فحسب بل مراجعة لهوية تاريخية تشكلت عبر عقود وربما قرون
السؤال الذي يفرض نفسه ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة على وشك السقوط ولا ما إذا كانت الصين في طريقها إلى وراثة النظام بل ما إذا كان النظام الدولي قادر على امتصاص هذا التحول دون انزلاق إلى صدام مفتوح إن أخطر ما في لحظات الانتقال ليس صعود قوة أو تراجع أخرى بل محاولة كل طرف أن يثبت لنفسه قبل الآخرين أنه ما زال كما كان في عالم لم يعد كما كان.
