Reading in العربية (Arabic) | Read in English
كلما تصاعد الحديث عن احتمال توجيه ضربة أمريكية لإيران يعود إلى السطح تصور استراتيجي يبدو للوهلة الأولى شديد الإغراء نقل مركز الثقل من الميدان العسكري إلى شرايين الاقتصاد العالمي عبر استهداف منشآت النفط في الخليج بوصف ذلك الرد الأكثر إيلاماً والأقدر على خلق ضغط دولي يقيّد واشنطن ويدفعها إلى إعادة حساباتها غير أن هذا التصور مهما بدا منطقياً في معادلة الكلفة والردع يخفي وراءه تعقيدات عميقة تتصل بطبيعة النظام الدولي المعاصر وحدود استخدام الطاقة كسلاح
الافتراض الجوهري في هذا الطرح أن الاقتصاد العالمي أكثر حساسية من المؤسسة العسكرية الأمريكية وأن ارتفاع أسعار النفط واضطراب الأسواق سيشكّلان ضغطاً سياسياً داخلياً وخارجياً يفوق أثر أي مواجهة عسكرية مباشرة غير أن قراءة متأنية لتطورات العقدين الأخيرين تكشف أن بنية سوق الطاقة تغيرت بصورة جذرية الولايات المتحدة تحولت من مستورد رئيسي إلى منتج ضخم للنفط والغاز بفعل ثورة الطاقة الصخرية وامتلاكها احتياطيات استراتيجية وأدوات مالية ونقدية متقدمة يمنحها قدرة على امتصاص الصدمات قصيرة المدى بصورة لم تكن متاحة في سبعينيات القرن الماضي
إضافة إلى ذلك فإن ضرب منشآت الطاقة في دول الخليج لن يُقرأ بوصفه عملاً تكتيكياً محدوداً بل سيُفهم باعتباره تهديداً مباشراً لاستقرار الاقتصاد العالمي برمته وهنا تكمن المفارقة فبدلاً من خلق جبهة ضغط على واشنطن قد يؤدي ذلك إلى تشكّل إجماع أوسع لحماية طرق الإمداد وتأمين الممرات البحرية وتوسيع نطاق التحالفات الأمنية أوروبا التي تعتمد على الاستقرار الطاقي لن تنظر إلى تعطيل الإمدادات من زاوية الصراع الثنائي بل من زاوية أمنها الاقتصادي والصين والهند بوصفهما أكبر مستوردي الطاقة لن تقبلا بأن تكون مصالحهما رهينة معادلة تصعيد إقليمي ومن ثم قد يتحول السلاح الاقتصادي إلى عامل عزلة بدلاً من أن يكون أداة ضغط فعّالة
من ناحية أخرى فإن المراهنة على أن ارتفاع أسعار الوقود سيقوّض الإرادة السياسية في واشنطن تتجاهل طبيعة السلوك السياسي الأمريكي التاريخي التجارب تشير إلى أن الهجمات التي تمس صورة الردع والهيبة العسكرية كثيراً ما تولّد تعبئة قومية وتماسكاً داخلياً بينما يمكن التعامل مع الأزمات الاقتصادية عبر سياسات نقدية ومالية مرحلية إن كلفة الطاقة تؤثر في المزاج الانتخابي لكنها لا تعادل في حسابات الأمن القومي مسألة تحدي المكانة الدولية أو كسر صورة التفوق العسكري
أما التقليل من وزن دول الخليج في ميزان القوة الإقليمي بوصفها مجرد أطراف هامشية فهو تقدير يغفل عن دورها كبنى ارتكاز لوجستية واستراتيجية في المعادلة الأمنية وجود قواعد عسكرية ومنشآت حيوية وممرات بحرية حساسة يجعل هذه الدول جزءاً لا يتجزأ من شبكة الردع الأوسع واستهدافها لن يؤدي إلى تحييدها بل إلى اندماج أعمق في تحالفات أمنية أكثر صلابة وربما إلى تسريع سباق تسلح إقليمي يعقّد المشهد بدلاً من أن يبسّطه
التاريخ يقدم دروساً لكنه لا يمنح وصفات جاهزة ما كان ممكناً في صراعات الإمبراطوريات البحرية في القرن التاسع عشر جرى في سياق عالم تفتقر علاقاته إلى التشابك الاقتصادي والمؤسسي الذي يميز عصرنا اليوم الاقتصاد العالمي شبكة مترابطة والقرارات العسكرية ذات الأثر العابر للحدود تتحول خلال ساعات إلى أزمات مالية وتجارية وإعلامية تتفاعل معها أسواق المال والمؤسسات الدولية والرأي العام العالمي ومن ثم فإن أي ضربة واسعة لمنشآت الطاقة لن تكون مجرد رسالة ردع بل حدثاً كونياً يعيد تشكيل الاصطفافات بسرعة غير متوقعة
الأهم من ذلك أن أي استراتيجية ناجحة يجب أن تخدم هدفاً سياسياً محدداً فإذا كان الهدف فرض شروط تفاوض أو تحسين موقع تفاوضي فإن توسيع نطاق الضرر ليشمل الاقتصاد العالمي قد يرفع سقف المواجهة إلى مستوى يتجاوز القدرة على التحكم فيه أما إذا كان الهدف إعادة رسم التوازن الإقليمي بالقوة فإن تحويل الطاقة إلى ساحة صراع قد يدفع قوى كبرى إلى تدخل مباشر لحماية مصالحها وهو ما يحوّل نزاعاً إقليمياً إلى أزمة دولية مفتوحة
ثمة بعد أخلاقي وسياسي كذلك لا يمكن إغفاله استهداف منشآت اقتصادية حيوية في دول أخرى حتى لو كانت متحالفة مع الخصم يُفهم بوصفه إيقاع ضرر واسع النطاق بملايين المدنيين والاقتصادات المرتبطة بهم وهذا يضعف السردية السياسية لأي طرف ويمنح خصومه فرصة لبناء خطاب تعبوي يوسّع دائرة العداء ضده بدلاً من حصر المواجهة في إطارها العسكري الضيق
الرهان على النفط كسلاح حاسم يعكس تصوراً بأن العالم ما زال يعيش تحت منطق الصدمة الأحادية غير أن واقع اليوم تحكمه مرونة الأسواق وتعدد مراكز الإنتاج ووجود احتياطيات استراتيجية وتدخلات نقدية سريعة إن القدرة على إحداث اضطراب لا تعني بالضرورة القدرة على توجيه نتائجه السياسية وفق الرغبة فالفارق بين الضربة المؤلمة والضربة المجدية سياسياً هو الفارق بين إحداث صدمة لحظية وتحقيق هدف استراتيجي مستدام
في النهاية ليست المسألة في حجم الضرر الممكن إلحاقه بل في مدى انسجامه مع الغاية السياسية المرجوة الاستراتيجية الرشيدة لا تبحث عن أقصى درجات الإيلام بل عن أدق معادلة بين الردع والتصعيد وبين الرسالة والنتيجة تحويل شرايين الطاقة العالمية إلى ساحة مواجهة قد يبدو في لحظة ما خياراً مغرياً لكنه يحمل في طياته احتمال توسيع نطاق الصراع بصورة لا يمكن احتواؤها وحين تتجاوز الحرب حدود الحسابات الأولية تصبح الكلفة غير قابلة للقياس والسيطرة
القوة في عالم مترابط ليست في تفجير أكبر عدد من العقد في شبكة الاقتصاد العالمي بل في فهم كيفية تحريك الخيوط دون أن تنقطع بالكامل لأن انقطاعها لا يسقط خصماً واحداً بل يهز النظام بأسره وقد يجد من بدأ التحريك نفسه في قلب عاصفة لا يستطيع توجيهها أو إيقافها


