Reading in العربية (Arabic) | Read in English
في الشرق الأوسط هناك لحظات لا تكون فيها الاتفاقيات مجرد اتفاقيات، ولا تكون التحالفات مجرد صور جماعية أمام الكاميرات. أحيانا يكون توقيت الاتفاق أهم من نصه، والجهات التي توقعه أهم من بنوده، والمرحلة التي يستعد لها أهم من الحرب التي يبدو أنه جاء بسببها.
من هذه الزاوية تحديدا يجب قراءة الاتفاق الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان.
فالرياض لا تبدو وكأنها تنتظر نهاية الحرب الأمريكية الإيرانية لكي تعرف ماذا ستفعل. على العكس، يبدو أنها تتحرك قبل أن تتضح النتيجة، وكأن الرسالة الأساسية التي تريد إيصالها هي أن السعودية لن تسمح لأحد بأن يحدد لها شكل المنطقة التي ستعيش فيها بعد الحرب.
هذه ليست بالضرورة خطوة ضد إيران، وليست بالضرورة خطوة بعيدا عن الولايات المتحدة. إنها خطوة في اتجاه السعودية نفسها.
فالسنوات الماضية علمت دول الخليج درسا قاسيا: امتلاك المال والطاقة والبنية التحتية لا يعني بالضرورة امتلاك الأمن. وفي اللحظة التي تبدأ فيها الصواريخ والطائرات المسيرة بالوصول إلى أهداف حيوية، يصبح السؤال الحقيقي ليس كم تملك الدولة من مليارات، بل كم تستطيع أن تحمي نفسها عندما تتغير حسابات القوى الكبرى.
السعودية تبدو اليوم وكأنها تريد الإجابة عن هذا السؤال قبل أن تفرضه عليها الأحداث مرة أخرى.
إذا انتهت الحرب بانتصار أمريكي، فإن واشنطن ستخرج من المواجهة وهي أكثر قدرة على إعادة ترتيب قواعد اللعبة في المنطقة. وقد تجد دول الخليج نفسها أمام مرحلة جديدة من الطلبات الأمريكية، سواء في الإنفاق الدفاعي أو شراء الأسلحة أو إعادة بناء القدرات التي استُهلكت خلال الحرب.
لكن الرياض لا تريد أن تدخل هذه المرحلة من موقع المحتاج.
وفي المقابل، إذا انتهت الحرب بطريقة تسمح لإيران بالخروج وهي أكثر قوة أو أكثر ثقة بقدرتها على مواجهة الولايات المتحدة، فإن الخطر سيكون مختلفا. فقد ترى طهران أن قدرتها على الصمود تمنحها فرصة لإعادة فرض نفوذها الإقليمي من موقع أقوى، وربما محاولة تحويل نتائج الحرب إلى أوراق ضغط على خصومها الخليجيين.
والرياض لا تريد أن تنتظر حتى تعرف أي الاحتمالين سيحدث.
إنها تستعد لكليهما.
وهنا يصبح اختيار تركيا وباكستان ذا دلالة سياسية تتجاوز الجانب العسكري.
تركيا ليست مجرد دولة تمتلك جيشا قويا. إنها دولة تحاول بناء صناعة دفاعية مستقلة، وتطوير منظوماتها العسكرية الخاصة، وتوسيع نفوذها خارج إطار الاعتماد الكامل على الغرب. وفي السنوات الأخيرة تحولت الصناعات الدفاعية التركية إلى واحدة من أهم أدوات النفوذ السياسي لأنقرة.
أما باكستان فهي حالة مختلفة تماما. فهي قوة عسكرية كبيرة، تمتلك قدرات استراتيجية ودولة نووية، ولها تاريخ طويل من التعاون العسكري مع السعودية.
وبين تركيا وباكستان تحصل الرياض على مزيج يصعب تجاهله: التكنولوجيا والصناعة الدفاعية من جهة، والقدرة العسكرية والوزن الاستراتيجي من جهة أخرى.
لكن الأهم أن السعودية لا تحتاج إلى استبدال الولايات المتحدة بهذين الحليفين.
هي تحتاج إلى شيء أكثر ذكاء.
تحتاج إلى ألا تكون مضطرة إلى الاختيار.
وهنا ربما تكمن أكبر رسالة في الاتفاق.
السعودية تريد أن تقول لواشنطن إن الشراكة الأمريكية ستبقى مهمة، لكنها لن تكون الطريق الوحيد إلى أمن المملكة.
وتريد في الوقت نفسه أن تقول لطهران إن أي تغيير في ميزان القوة بعد الحرب لن يجد السعودية مكشوفة أو معزولة.
وتريد أن تقول للقوى الدولية الأخرى إن المملكة أصبحت مستعدة لبناء ترتيباتها الأمنية بنفسها، وليس فقط انتظار ترتيبات يصممها الآخرون لها.
هذه ليست سياسة مواجهة بقدر ما هي سياسة تحوط.
والتحوط في السياسة الدولية ليس علامة خوف، بل علامة على أن الدولة بدأت تفكر في أكثر من سيناريو في الوقت نفسه.
السعودية لا تراهن على أن الولايات المتحدة ستنتصر، ولا تراهن على أن إيران ستنتصر، ولا تنتظر تسوية بين الطرفين.
إنها تتصرف كما لو أن النتيجة أيا كانت لن تكون كافية لضمان مصالحها.
وهذا تحول مهم في التفكير السعودي.
فلسنوات طويلة كانت المعادلة الأمنية في الخليج تقوم بدرجة كبيرة على المظلة الأمريكية. أما اليوم، فتبدو الرياض أكثر اهتماما ببناء منظومة متعددة الطبقات: الولايات المتحدة في جانب، وتركيا وباكستان في جانب آخر، وتطوير الصناعة العسكرية السعودية في جانب ثالث، وعلاقات متنامية مع قوى دولية مختلفة في جانب رابع.
الهدف ليس بناء تحالف واحد ضد دولة بعينها.
الهدف هو منع أي دولة من امتلاك القدرة على ابتزاز السعودية.
وهذا ينطبق على إيران كما ينطبق على الولايات المتحدة، وإن كان بدرجات مختلفة وبأدوات مختلفة.
فالدولة التي تعتمد على قوة واحدة في أمنها تكون خياراتها السياسية محدودة. أما الدولة التي تمتلك أكثر من مركز للقوة وأكثر من شريك وأكثر من مصدر للسلاح والتكنولوجيا والردع، فإن مساحة المناورة أمامها تصبح أكبر بكثير.
وهذا تحديدا ما يبدو أن الرياض تسعى إليه.
إنها لا تريد فقط أن تكون قادرة على شراء السلاح.
إنها تريد أن تكون قادرة على تحديد من أين يأتي السلاح، ومن يشاركها في تطويره، ومن يستطيع الدفاع عنها، ومن يحتاج إليها بقدر حاجتها إليه.
وهنا يصبح الاتفاق السعودي التركي الباكستاني جزءا من قصة أكبر بكثير من الحرب الحالية.
إنه جزء من صعود السعودية كقوة تحاول الانتقال من مفهوم حماية المملكة إلى مفهوم صناعة البيئة الأمنية المحيطة بها.
وهذا التحول قد يكون أهم من الاتفاق نفسه.
فالشرق الأوسط الذي سيخرج من الحرب الأمريكية الإيرانية لن يكون بالضرورة الشرق الأوسط الذي دخلها.
قد تتغير موازين القوى، وقد تتغير التحالفات، وقد تتراجع دول وتتقدم أخرى، وقد تعود واشنطن إلى المنطقة بقوة أكبر أو تبدأ في تقليل حضورها، وقد تخرج إيران أضعف أو أكثر تحديا.
لكن السعودية يبدو أنها قررت ألا تنتظر لمعرفة الإجابة.
إنها تريد أن تكون جزءا من صناعة الإجابة.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس لماذا تحالفت السعودية مع تركيا وباكستان الآن.
السؤال الأكثر أهمية هو لماذا قررت السعودية أن يكون أمنها في المستقبل قائما على تعدد الخيارات لا على خيار واحد.
إذا كانت السنوات الماضية قد أثبتت شيئا، فهي أن التحالفات تتغير، والسياسات تتبدل، والحروب تنتهي، لكن الدول التي تملك البدائل هي التي تدخل مرحلة ما بعد الحرب بأكبر قدر من القدرة على المناورة.
السعودية تتحرك الآن وكأنها تريد أن تكون واحدة من تلك الدول.
قد لا يكون اتفاق اليوم تحالفا ضد إيران، وقد لا يكون تحديا للولايات المتحدة، لكنه بالتأكيد يحمل رسالة سياسية واضحة:
في الشرق الأوسط القادم لن تنتظر السعودية أن يقرر الآخرون من يحميها، ومن يهددها، ومن يحدد ثمن أمنها.
هذه المرة تريد الرياض أن تكون هي من يحدد شروط اللعبة.




