اخطر ما يمكن ان يصيب انسانا ليس ان ينكر وجود الله بل ان يعيش بلا عقل يعمل وبلا وعي يسأل وبلا شجاعة يفكر اخطر من الالحاد الديني ذلك الشكل الخبيث من التدين الذي يطلب منك ان تغلق عقلك ثم يسمي هذا الاغلاق طاعة ويزينه بالتقوى ويقدمه علي انه ايمان خالص بينما هو في الحقيقة هروب من التفكير وخوف من السؤال وعجز عن الفهم هذا هو الالحاد الحقيقي لكنه الحاد مقنع بعمامة ومسبحة وخطاب مملوء بالتهديد لا بالبرهان
الدين في جوهره لم ينزل ليصنع قطيعا بل ليصنع انسانا حرا عاقلا مسؤولا والدليل ان اول ما خاطب به الوحي الانسان لم يكن صلاة ولا صوما ولا طقسا بل كان قراءة قال الله تعالي اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الانسان من علق اقرأ وربك الاكرم الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم هذه الايات وحدها كافية لنسف كل خطاب يقدس الجهل ويخوّن السؤال ويجرّم التفكير فاله يبدأ رسالته بكلمة اقرأ لا يمكن ان يكون عدوا للعقل ولا كارها للعلم ولا خائفا من المعرفة
ومع ذلك يخرج علينا رجال دين في كل عصر يرفعون شعار النقل مقدم علي العقل وكأن العقل خصم للنص لا اداته وكأن الله انزل وحيا بلا معني وبلا مقاصد وبلا حاجة للفهم هؤلاء لا يدافعون عن الدين بل يدافعون عن سلطتهم فالعقل الحر يسأل ويحاسب ويكشف والعقل المعطل يطيع ويصمت وينفذ ولهذا يصبح تعطيل العقل عبادة عندهم ويصبح التفكير بدعة ويصبح السؤال فتنة
القرآن لم يخاطب المؤمنين كأتباع بلا عقول بل وبخ من يعطل عقله اشد توبيخ فقال افلا تعقلون وقال افلا يتفكرون وقال افلا يتدبرون القرآن وقال وقال ان شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون وقال وجعلنا لهم قلوبا لا يفقهون بها واعينا لا يبصرون بها واذانا لا يسمعون بها اولئك كالانعام بل هم اضل هذه ليست ايات اخلاقية عابرة بل اعلان صريح ان تعطيل العقل انحطاط انساني وان الجهل ليس فضيلة وان الايمان الذي لا يمر عبر العقل ايمان ناقص مشوه
بل ان القرآن ربط الايمان بالعلم ربطا مباشرا فقال قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون وقال يرفع الله الذين امنوا منكم والذين اوتوا العلم درجات وقال انما يخشى الله من عباده العلماء فالخشية الحقيقية ليست خوف الجاهل بل وعي العالم ومن هنا نفهم لماذا كان الجهل دائما حليف الاستبداد ولماذا يخاف الطغاة من العقل ويحبون التدين السطحي
النبي محمد لم يبن امته علي التسليم الاعمي بل علي الفهم والتعليم فقال انما بعثت معلما وقال طلب العلم فريضة علي كل مسلم ولم يقل علي بعض المسلمين ولم يستثن النساء ولا الفقراء ولا العامة وقال من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين فجعل الفقه شرطا للخير لا كثرة الشعائر وجعل التفكر عبادة حين قال تفكر ساعة خير من عبادة سنة ولو كان التفكير خطرا علي الايمان لما فضله النبي علي العبادة الشكلية
والنبي نفسه فتح باب الاجتهاد وشرعن الخطأ العقلي النزيه حين قال اذا اجتهد الحاكم فاصاب فله اجران واذا اجتهد فاخطأ فله اجر واحد هذه الجملة وحدها تفضح كل خطاب يكفر المخالف ويجرم التفكير لان النبي اعطي اجرين للعقل المصيب واجرا للعقل المخطئ ولم يعط شيئا للعقل المعطل
اما علي بن ابي طالب فهو الامتحان الحقيقي لكل خطاب ديني يدعي تقديس العقل لان كلماته لا تحتمل التلاعب ولا تقبل التخفيف قال لا خير في عبادة لا فقه فيها ولا خير في علم لا فهم فيه ولا خير في قراءة لا تدبر معها وقال العقل رسول الحق وقال قيمة كل امرئ ما يحسنه وقال من استبد برأيه هلك ومن شاور الرجال شاركها في عقولها وقال لا تستوحشوا طريق الحق لقلة سالكيه هذه ليست اقوال فيلسوف معاصر بل كلمات امام جعل العقل ميزان الانسان وربط الكرامة بالفهم لا بالتقليد
السخرية المؤلمة ان كثيرا من رجال الدين الذين يتغنون بعلي يفرون من منطقه لان منطقه يهدم تجارتهم فهو لا يقبل تابعا بلا عقل ولا مريدا بلا وعي ولا مجتمعا يسير خلف الصوت الاعلي ولهذا يصبح علي خطرا علي التدين الزائف كما يصبح العقل خطرا علي الكهنة
الالحاد الديني يمكن مواجهته بالحجة ويمكن تفكيكه بالفلسفة ويمكن محاورته بالعقل اما الالحاد العقلي فلا يمكن محاورته لانه يقتل الحوار من اساسه ويمنح الجهل حصانة الهيّة ويجعل الفتوي نصا مقدسا ويحول الشيخ الي وسيط بين الانسان وربه ويقنع الناس ان التفكير خروج عن الطاعة وان السؤال بداية الكفر وان العقل باب الضلال
والنتيجة مجتمعات تصلي كثيرا وتفكر قليلا تحفظ النصوص وتجهل المقاصد ترفع الشعارات وتسحق الانسان تخاف من السؤال اكثر مما تخاف من الظلم وتدافع عن الخطاب اكثر مما تدافع عن القيم ثم تتساءل ببراءة مصطنعة لماذا يهرب الشباب ولماذا ينتشر الشك ولماذا يسقط الدين من قلوب الناس الدين لم يسقط بل سقطت قراءته السلطوية
الله الذي اعطاك عقلا لا يمكن ان يطالبك بالغائه والايمان الذي يناقض العقل ليس ايمانا بل خوف والعبادة التي تسبقها الحرية وحدها عبادة صادقة اما الطاعة العمياء فليست دينا بل استسلاما ولهذا كان العقل شرط التكليف فمن لا عقل له لا دين عليه فكيف يصبح غياب العقل فجأة فضيلة حين يتكلم رجل الدين
الامم لا تنهار حين تشك بل حين تمنع الشك لا تسقط حين تسأل بل حين تخاف من السؤال وحين يتحول العقل الي تهمة والتفكير الي جريمة والتدبر الي وقاحة فاعلم ان الدين هنا لم يعد رسالة هداية بل صار اداة سيطرة
لهذا نعم الالحاد العقلي اكثر خطورة من الالحاد الديني لان الاول يهدم الانسان من الداخل ويقتل اداته الوحيدة للفهم بينما الثاني مجرد موقف فكري قابل للنقاش والرد والتجاوز اما عقل اذا مات مات معه الدين والاخلاق والحرية والانسان كله دفعة واحدة

