Reading in العربية (Arabic) | Read in English
بعد أكثر من عقد على سقوط نظام معمر القذافي في أعقاب ثورة السابع عشر من فبراير عام 2011، كان يفترض أن تكون ليبيا قد بدأت رحلة بناء دولة حديثة تستند إلى المؤسسات والقانون. لكن ما حدث في الواقع كان شيئاً مختلفاً تماماً؛ فقد ظهرت طبقة سياسية جديدة أتقنت فن البقاء في السلطة أكثر مما أتقنت فن بناء الدولة. وفي مقدمة هذه الطبقة يبرز اسم محمد المنفي، رئيس المجلس الرئاسي الليبي، الذي يبدو أحياناً وكأنه اكتشف وصفة سياسية بسيطة: تحدث كثيراً عن الوطنية، وستنسى الناس أن تسأل ماذا فعلت من أجل الوطن.
المنفي لا يتعب من الحديث عن المصالحة الوطنية. في كل خطاب تقريباً تعود الكلمة نفسها، وكأن ليبيا تعاني من نقص في المفردات لا من نقص في القرارات. المصالحة هنا، المصالحة هناك، المصالحة في كل اتجاه… حتى كاد الليبيون يظنون أن الرجل يحمل بوصلة خاصة تشير دائماً إلى كلمة “المصالحة”. لكن المشكلة ليست في الكلمة، بل في الاتجاه الذي تتحرك نحوه تلك البوصلة.
فلو تأمل الليبيون المشهد بدقة سيكتشفون أن بوصلة المنفي لا تشير دائماً إلى المصالحة الوطنية كما يقول، بل كثيراً ما تشير إلى ما يشبه مصالحة المصالح. أي ذلك النوع من السياسة الذي يجعل التوازنات أهم من الحقيقة، والمجاملات أهم من الدولة، والصفقات أهم من المبادئ.
هنا يبدأ المشهد في اكتساب طابع ساخر. فالرجل يتحدث عن الشفافية بينما تزداد الضبابية في القرارات السياسية. ويتحدث عن الوطنية بينما تبدو السياسة في كثير من الأحيان وكأنها سوق مفتوحة للمكاسب الخاصة. والأكثر إثارة للسخرية أن الخطاب يزداد ارتفاعاً كلما ازداد الواقع ابتعاداً عن تلك الشعارات.
في السياسة عادة توجد بوصلة واحدة لرجل الدولة: مصلحة الدولة. لكن في ليبيا يبدو أن بعض السياسيين اكتشفوا بوصلات أخرى أكثر مرونة. بوصلة تشير أحياناً إلى التوازنات، وأحياناً إلى الحسابات الشخصية، وأحياناً أخرى – كما يقول الليبيون بسخرية مرة – إلى قبلة الدولار حيث تتجه المصالح وتستقر الصفقات.
والمشكلة أن هذه البوصلة لا تقود إلى بناء دولة، بل إلى إطالة عمر الأزمة. فالدولة تحتاج قرارات واضحة ومواقف صريحة، بينما سياسة إدارة التوازنات لا تنتج إلا مزيداً من الجمود. وكلما طال الجمود ازدهرت حياة السياسيين الذين تعلموا كيف يعيشون داخل الأزمة دون أن يقتربوا كثيراً من حلها.
لقد أصبح المشهد الليبي اليوم أقرب إلى مسرح سياسي تتكرر فيه المشاهد نفسها: خطابات عن الوطن، بيانات عن الشفافية، تصريحات عن المصالحة… ثم لا يحدث شيء تقريباً. كأن الدولة مشروع مؤجل دائماً إلى الخطاب القادم.
لكن التاريخ لا يُكتب بالخطابات، بل بالقرارات. والدول لا تُبنى بالشعارات، بل بالقدرة على تحمّل مسؤولية السلطة. وهنا يظهر الفرق بين السياسي الذي يدير التوازنات، ورجل الدولة الذي يغيّر الواقع.
السياسي يبحث عن الطريقة التي تبقيه في موقعه أطول فترة ممكنة. أما رجل الدولة فيبحث عن القرار الذي يخدم بلده حتى لو كلفه ذلك موقعه. ولهذا السبب لا تُقاس القيادة بعدد الخطب التي يلقيها المسؤول، بل بالمسافة التي تقطعها الدولة في عهده.
ولو كان معيار الحكم هو الخطابة وحدها، لكان محمد المنفي أحد أنجح القادة في تاريخ ليبيا. أما إذا كان المعيار هو بناء الدولة، فإن الأسئلة تصبح أكثر صعوبة بكثير.
في المقابل، يتشكل داخل المجتمع الليبي جيل مختلف تماماً عن النخب التي أدارت المرحلة الماضية. نخب وطنية شابة لم تعد تنظر إلى السياسة بوصفها وسيلة للنفوذ، بل بوصفها مسؤولية تاريخية. جيل يرى بوضوح أن الدولة لا يمكن أن تبنى بعقلية المجاملات السياسية، وأن المصالحة الحقيقية لا تكون بإرضاء الجميع بل بإقامة دولة عادلة للجميع.
هذا الجيل لا يبحث عن خطب جديدة عن الوطنية، بل عن ممارسات تثبت تلك الوطنية. ولا يبحث عن شعارات عن الشفافية، بل عن سياسات واضحة يمكن للناس أن تحاسب المسؤولين عليها.
ولهذا فإن السؤال الذي يواجه محمد المنفي اليوم ليس سؤالاً إعلامياً عابراً، بل سؤال سياسي قاسٍ: إلى أي قبلة تتجه بوصلته فعلاً؟ هل هي قبلة رجل الدولة الذي يضع مصلحة ليبيا فوق كل اعتبار، أم قبلة السياسي الذي يتقن الحديث عن الوطن بينما يتحرك وفق حسابات أخرى؟
فالتاريخ لا يهتم كثيراً بما يقوله السياسيون عن أنفسهم. ما يهتم به هو الاتجاه الذي سارت فيه البلاد تحت قيادتهم. وليبيا اليوم لا تحتاج بوصلة جديدة للكلمات، بل بوصلة حقيقية تقود إلى دول

