الوجود الأميركيّ في المزاد العراقيّ
Spread the love

بقلم أمين قمورية «أساس ميديا»

في أيّ حال، فإنّ الإدارة الأميركية الحالية العازمة على تعزيز وجودها في المنطقة بدليل إنشاء تحالف عسكري جديد في مواجهة جماعة الحوثي في اليمن، لا يبدو أنّ لديها الرغبة في الانسحاب العسكري من العراق، باعتباره إحدى أوراق الضغط على إيران ربطاً بمفاوضات فيينا، خصوصاً أنّ هناك رغبة أميركية أيضاً في تقويض التمدّد الإيراني في المنطقة كأحد استحقاقات عودة واشنطن إلى الاتفاق النووي.

لكن إذا افترضنا جدلاً أنّ الأميركي قرّر المغادرة مثلما فعل في أفغانستان، فإنّ العواقب ستحدّدها الآليّة التي يتمّ بها تحقيق هذا الانسحاب. ففي حال خرجت واشنطن باتفاق سياسي كما حصل عام 2011، ربّما يبقى التمثيل الدبلوماسي. أمّا إذا أُخرجت بطريقة عدوانية ومن دون اتفاق، فردّ واشنطن لن يراعي وضع الحكومة العراقية وقد يقود إلى إنهاء وجود السفارة والدعم الدولي والشرعية التي تحظى بها حكومة بغداد. وهو ما سيزيد من حجم الاستياء الشعبي نتيجة الإخفاق في الجوانب الأمنيّة والخدمية والاقتصادية.

نسخة جديدة من داعش؟

قد تذهب واشنطن إلى ما هو أبعد من ذلك عبر دفع العراق إلى خيارات صعبة ومرعبة مثل غضّ الطرف عن إطلاق نسخة جديدة من «داعش» في محاولة لإعادة إقناع العراقيين بأنّ وجود قوّاتها هو ضرورة لحمايتهم وإبقاء التوازنات في بلدهم، خصوصاً أنّ القوات المسلّحة العراقية لا تملك سلاحاً للجوّ يعتدّ به، وغير قادرة على مراقبة الحدود الواسعة للبلد. أو ربّما يخرج علينا سيناريو دفع العراق نحو التجزئة والتقسيم مع احتمال نقل قواعد أميركا العسكرية إلى إقليم كردستان من أجل تغيير قواعد اللعبة العراقية عبر تشجيع الأكراد على الاستقلال. كما قد تفعل الأمر نفسه مع السنّة العرب في الأنبار والغرب عبر التشجيع على إقامة إقليم حكم ذاتي لهم.

ربّما بعض القوى الموالية لإيران وجدت بعد الفوز الذي حقّقته في الانتخابات المحلية أنّ الفرصة باتت مؤاتية للانقضاض الكامل على السلطة في العراق وإسقاط آخر العقبات في طريق الهيمنة الإيرانية المطلقة… لكن على الأرجح أنّ طهران نفسها لا ترغب حالياً في دفع العراق نحو التماهي معها بشكل صريح، لأنّها تدرك أنّ التداعيات ستكون وخيمة عليها. ذلك أنّ العراق بات يمثّل الرئة التي تتنفّس منها اقتصادياً. وتحظى بغداد باستثناء أميركي مؤقّت من العقوبات الأميركية في ما يتعلّق بوارداتها من الغاز والكهرباء الإيرانيَّين. وهذا يعني أنّ العراق سيغرق في الظلام وإيران ستخسر موردها الرئيس من العملات الصعبة.

السّنّة والشيعة والأكراد يرفضون

الحماسة الشديدة لحلفاء طهران لإخراج القوات الأميركية من البلاد، تواجهها معارضة سياسية واسعة. حيث إنّ كتلاً سياسية عدّة تتخوّف من إحكام طهران سطوتها على البلاد بشكل مطلق في حال انسحاب القوات الأميركية:

– حكومة إقليم كردستان لن تقبل بالانسحاب، نظراً لطبيعة العلاقات المميّزة بين الطرفين. ذلك أنّ بقاء القوات الأميركية في الإقليم مهمّ جداً، خصوصاً إذا ما قرّرت واشنطن تأييد استقلاله يوماً ما.

– أمّا العرب السُنّة، فبعدما كانوا أكثر مكوّنات الشعب العراقي رفضاً للوجود الأميركي بعد الغزو، وشهدت مناطقهم أعنف العمليات المسلّحة التي استهدفت قوات الاحتلال، باتوا الآن لا يحبّذون انسحاب الأميركيين اعتقاداً منهم أنّ ذلك سيجعلهم ومناطقهم مكشوفين أمام تهديدين: بقايا «داعش»، والفصائل المدعومة من إيران.

– إذا كان الخوف من التبعية الإيرانية قويّاً بين السنّة والأكراد والمسيحيين والتركمان، إلا أنّه أيضاً بدأ يظهر بين أنحاء المكوّن الشيعي، الذي دعمت شرائح واسعة منه الاحتجاجات الشعبية المطالبة بخروج العراق من السيطرة الإيرانية.

الأرجح أنّ ارتفاع الأصوات المطالبة بخروج الأميركيين من البلاد لا يعدو كونه محاولات دعائية من فصائل في الحشد موالية لطهران. وربّما الجزء الأكبر ممّا يجري في العراق يدخل ضمن مساحة «الكسب والترويج السياسي». إذ إنّ الفصائل الكبرى في الحشد تنأى بنفسها عن عمليات استهداف الأميركيين وتكتفي بإطلاق الشعارات السياسية. فالحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 2003 كانت تميل دائماً إلى التعامل مع واشنطن وتتجاهل النداءات المناوئة للوجود الأميركي خشية الإضرار بمصالحها التي لولا الغزو الأميركي للعراق لما كان لها وجود أصلاً.

أمين قمورية

The post الوجود الأميركيّ في المزاد العراقيّ – 2 appeared first on جريدة الشرق اللبنانية الإلكترونيّة – El-Shark Lebanese Newspaper.

التاريخ

عن الكاتب

المزيد من
المقالات