حين افتتحت إفريقيا نفسها في الرباط… قراءة أخرى في حفل لم يُرد أن يكون مجرد افتتاح
Spread the love

لم يبدأ افتتاح كأس أمم إفريقيا 2025 في الرباط من المنصة، ولا من أسماء الفنانين، ولا حتى من الكأس الذهبية التي اعتادت الكاميرات أن تلاحقها.

بدأ من فكرة أعمق: كيف تروي دولة قصتها لقارة بأكملها خلال ثلاثين دقيقة؟

في مساء شتوي، وتحت سماء لم تكن صافية تمامًا، اختار المغرب أن لا يؤجل المشهد ولا يساوم عليه. الأمطار التي تساقطت فوق ملعب الأمير مولاي عبد الله لم تكن عائقًا، بل تحولت إلى عنصر إضافي في لوحة بصرية أرادت أن تقول شيئًا واحدًا:

هذه بطولة تُفتتح رغم الطقس، لا بسببه.

افتتاح بلا استعجال… وبلا ضجيج مجاني

استمر الحفل قرابة نصف ساعة، زمنٌ محسوب بدقة، لم يُثقل على المشاهد ولم يختزل الفكرة. لم يكن الهدف إبهارًا لحظيًا، بل بناء سردية:

من الجذور الأمازيغية، مرورًا بالعمق العربي، وصولًا إلى الانتماء الإفريقي، ثم الوقوف بثبات في الزمن المعاصر.

لم تُقدَّم الهوية المغربية كـ “فولكلور”، بل كمسار تاريخي متواصل، تُرافقه تقنيات بصرية حديثة لم تكن للاستعراض، بل لتوضيح الفكرة:

أن الحداثة لا تُلغي الأصل، بل تُعيد تقديمه.

الفن هنا… ليس فقرة

في معظم افتتاحيات البطولات، تكون الفقرات الغنائية فواصل زمنية بين الكلمات الرسمية.

في الرباط، كان الفن جزءًا من النص.

تنوّعت الأصوات، واختلفت المدارس، لكن القاسم المشترك كان واضحًا:

لا نجم يطغى، ولا لون يهيمن.

وهنا يبرز دور المنتج الموسيقي العالمي نادر خياط “ريدوان”، ليس كاسم يوضع في الواجهة، بل كعقل فني يفضّل بناء الإيقاع العام على حساب اللحظة الفردية، واضعًا الانسجام في صلب التجربة.

فالافتتاح لم يُبنَ على أغنية واحدة أو نجم واحد، بل على إيقاع جامع يسمح لكل صوت أن يكون جزءًا من المشهد دون أن يكسره.

من French Montana الذي حمل حضوره دلالة الجسر بين الهوية المحلية والصوت العالمي،

إلى Davido الذي مثّل إفريقيا المعاصرة بلغتها الشبابية العابرة للحدود،

مرورًا بأصوات مغربية تعكس أجيالًا مختلفة واتجاهات متعددة،

كان المشهد أقرب إلى خريطة موسيقية… لا إلى حفل نجوم.

حين يصبح الإخراج موقفًا

اللافت في هذا الافتتاح أن الإخراج لم يحاول منافسة المباراة التي ستليه.

لم تكن هناك ذروة مصطنعة، ولا لحظة “انفجار” متوقعة.

حتى عرض مجسم الكأس جاء في النهاية بهدوء محسوب، وسط أعلام المنتخبات، كأن الرسالة تقول:

الكأس في المنتصف… لا فوق الجميع.

هذا الخيار الإخراجي لم يكن تفصيلًا تقنيًا، بل موقفًا واضحًا:

أن البطولة تُبنى جماعيًا، لا فرديًا.

جمهور لم ينتظر التعليمات

قبل ساعات من الافتتاح، كانت الطرقات المؤدية إلى الملعب مكتظة.

لم يكن ذلك نتيجة حملة تعبئة، بل نتيجة شعور عام بأن ما يحدث يتجاوز مباراة افتتاح.

الجمهور لم يأتِ فقط ليرى، بل ليكون جزءًا من المشهد.

وهذا ما التقطته الكاميرات دون تعليق:

مدرجات ممتلئة، صبر على المطر، وتفاعل لم يُطلب من أحد.

افتتاح كبيان

في النهاية، لم يكن هذا الحفل محاولة لمنافسة افتتاحيات عالمية،

ولا استعراضًا لإمكانات تقنية فقط.

كان بيانًا ناعمًا يقول إن كأس أمم إفريقيا 2025 في المغرب:

  • لن تُختزل في 90 دقيقة
  • ولن تُروى فقط بالأهداف
  • بل ستُقدَّم كحدث ثقافي، إنساني، وجماهيري

الافتتاح لم يكن عرضًا فنيًا بقدر ما كان تمرينًا على التوازن:

كيف تُدار لحظة قارية بعين عالمية، دون أن تفقد لغتها المحلية.

افتتاح صيغ بعقل فني يعرف متى يتقدم ومتى ينسحب خطوة إلى الخلف…

وهذا، في حد ذاته، أحد أسرار قوته.

التاريخ

عن الكاتب

المزيد من
المقالات