لم يكن ما قاله الدكتور محمد المنفي في الزاوية مجرد خطاب عابر يضاف إلى أرشيف المناسبات ولا بيانا رسميا مكتوبا بلغة دبلوماسية باردة تصلح للاستهلاك الإعلامي ثم النسيان بل كان أقرب إلى لحظة مواجهة صريحة بين الدولة ونفسها لحظة قرر فيها مسؤول في قمة السلطة أن يتخلى عن المجاملة وأن يتكلم بوضوح نادر في المشهد الليبي وضوح لا يغازل أحدا ولا يخاف من تسمية الأشياء بأسمائها وضوح يضع الانقسام في مكانه الحقيقي كجريمة سياسية مستمرة ويضع الفساد في موقعه كعدو داخلي أخطر من أي تهديد خارجي ويضع المحسوبية باعتبارها السم البطيء الذي تسلل إلى مؤسسات الدولة حتى أفرغها من معناها
منذ سنوات وليبيا تدور في حلقة مفرغة من العناوين الكبيرة والنتائج الصغيرة اجتماعات لا تنتهي بيانات متكررة ووعود تتبخر قبل أن يجف حبرها والناس في الشوارع لم يعودوا يسألون عن النظريات الكبرى ولا عن الصيغ الدستورية المعقدة بل عن سؤال واحد بسيط ومباشر لماذا لا نعيش حياة طبيعية لماذا لا تعمل الكهرباء لماذا تتآكل الرواتب لماذا يبتلع سعر الصرف أعمارنا ولماذا تبدو الدولة وكأنها موجودة على الورق فقط هذا السؤال الشعبي الصادق هو الامتحان الحقيقي لأي سلطة وكل خطاب لا يقترب منه يصبح ترفا فكريا لا أكثر
المنفي اقترب من هذا السؤال بلا مواربة حين قال إن المواطن لا تعنيه المصطلحات الاقتصادية بل يريد أن يعرف أين تذهب الأموال هذه العبارة في ظاهرها بسيطة لكنها في جوهرها اتهام ثقيل لأنها تعني أن المال العام بلا حارس وأن الثروة الوطنية تتسرب من بين أيدي الليبيين إلى شبكات من المنتفعين والوسطاء والسماسرة وأن الاقتصاد المنهك ليس نتيجة ظروف عالمية فقط بل نتيجة إدارة مشوهة اختلطت فيها السياسة بالتجارة وتحول المنصب فيها إلى فرصة شخصية لا مسؤولية وطنية
ولهذا فإن رفضه لما سماه المصالحة الشكلية لم يكن موقفا لغويا بل نقدا مباشرا لثقافة كاملة تعودنا فيها على تسويات سطحية تصافح فيها الأيدي أمام الكاميرات بينما تبقى الجراح مفتوحة في القلوب لأن المصالحة التي لا تعترف بالحق ولا تنصف الضحية ولا تحاسب من أفسد ليست مصالحة بل هدنة مؤقتة تؤجل الانفجار المقبل المصالحة الحقيقية هي إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة وبين الليبي وأخيه الليبي وهذه الثقة لا تبنى بالكلمات بل بالقانون وبالعدالة وبالشعور بأن الجميع متساوون أمام النص لا أمام المزاج
المشكلة أن ليبيا خلال العقد الماضي لم تعرف دولة القانون بالمعنى الحديث بل عرفت شيئا أقرب إلى التعايش القلق بين قوى متنازعة لكل منها قانونها الخاص وسلاحها الخاص وحدودها الخاصة ومع الوقت تحولت هذه الحالة الشاذة إلى أمر واقع يتقبله البعض باعتباره قدرا بينما هو في الحقيقة أصل البلاء كله فلا يمكن أن تقوم تنمية في ظل تعدد السلاح ولا يمكن أن يزدهر اقتصاد في ظل تعدد مراكز القرار ولا يمكن أن يثق المواطن في سلطة لا تستطيع فرض قانون واحد على الجميع ولذلك جاءت معادلة المنفي واضحة وحاسمة لا تنمية بلا أمن ولا أمن بلا دولة ولا دولة بلا قانون واحد يسري على الجميع وكأنها تلخيص مكثف لدرس تاريخي تجاهلناه طويلا
الفساد في ليبيا لم يعد مجرد حالات فردية بل أصبح نظاما موازيا يبتلع النظام الرسمي من الداخل شبكات نفوذ تعيش على العقود الغامضة وعلى الإنفاق غير المحكوم وعلى فوضى الحسابات وعلى تضخيم الفواتير وعلى تحويل المال العام إلى مغانم خاصة وحين تتراكم هذه الممارسات سنة بعد سنة تتحول الدولة إلى هيكل فارغ وتتحول الموازنة إلى غنيمة وتتحول الوظيفة العامة إلى امتياز لا خدمة وهنا يفقد المواطن ثقته في كل شيء ويفتح الباب واسعا أمام اليأس أو الهجرة أو الغضب
في هذا السياق يصبح إعلان تشكيل لجنة لضبط الإنفاق اختبارا حقيقيا لا مجرد إجراء إداري لأن المشكلة في ليبيا ليست نقص اللجان بل نقص الإرادة في تنفيذ ما تقترحه اللجان فإذا تحولت هذه اللجنة إلى جهة حقيقية للمراجعة والمساءلة وقطعت شرايين الهدر وأغلقت منافذ الفساد فستكون خطوة تأسيسية في طريق استعادة الدولة أما إذا أضيفت إلى أرشيف اللجان السابقة فستعمق الإحباط وتؤكد أن النظام عاجز عن إصلاح نفسه والفرق بين الاحتمالين لا يصنعه النص القانوني بل الشجاعة السياسية في مواجهة المتضررين من الإصلاح
وفي ملف النفط تتجلى المفارقة الليبية بأقسى صورها بلد يطفو على بحر من الثروة لكنه يعجز عن توفير أبسط الخدمات لشعبه لأن النفط الذي كان يفترض أن يكون رافعة للتنمية تحول إلى أداة للصراع والابتزاز وإلى كعكة تتقاسمها القوى المتنافسة الحديث عن إدارة هذا القطاع بعقل الدولة لا بعقل الغنيمة ليس شعارا أخلاقيا بل ضرورة وجودية لأن كل صفقة غير شفافة هي سرقة مؤجلة من مستقبل الأطفال وكل عقد غامض هو مدرسة لم تبن ومستشفى لم يجهز وطريق لم يصلح النفط ليس مجرد أرقام في تقارير بل حياة يومية للناس وإذا بقي في الظلام فسيتحول فعلا إلى ثقب أسود يبتلع أحلامهم
سياسيا تبدو البلاد كأنها عالقة في زمن انتقالي لا يريد أن ينتهي مؤسسات مؤقتة تحولت إلى دائمة ومراحل استثنائية أصبحت قاعدة عامة وانقسام يتجدد كلما اقترب الحديث عن انتخابات حقيقية وهنا تبرز قيمة التأكيد على أن الحل يجب أن يكون بملكية ليبية وبقرار ليبي لأن التجارب أثبتت أن الخارج مهما كانت نواياه لن يبني دولة بدلا عن أهلها وأن التدخلات لا تأتي مجانا بل تحمل أثمانا سياسية واقتصادية تدفعها الأجيال اللاحقة
لكن من الخطأ أيضا أن نضع كل اللوم على الخارج فالخطر الأكبر كما أشار المنفي يأتي من الداخل من التعايش مع الفوضى ومن تطبيع الفساد ومن قبول الرداءة كأنها قدر نهائي حين يقبل المجتمع بأن يكون الاستثناء قاعدة فإنه يشارك دون أن يدري في إدامة الأزمة وحين يتحول الغضب إلى شكوى يومية بلا فعل منظم تصبح الفوضى هي اللغة الوحيدة المتاحة ولذلك فإن أي مشروع إصلاح حقيقي يحتاج إلى شراكة بين القيادة السياسية والمجتمع لا إلى خطابات من طرف واحد
ما يميز كلمات المنفي أنها لم تكن دفاعا عن سلطة ولا هجوما على خصوم بل محاولة لإعادة تعريف معنى الدولة نفسها الدولة ليست مبنى ولا علما ولا نشيدا بل عقدا أخلاقيا بين الحاكم والمحكوم التزاما متبادلا بالحماية والخدمة والعدالة وعندما يختل هذا العقد تنهار كل الرموز وتفقد السياسة معناها ولذلك فإن الحديث بلسان رجل الدولة يعني قبل كل شيء الاعتراف بأن الشرعية لا تأتي من المناصب بل من القدرة على تحسين حياة الناس فعليا
ومع ذلك فإن الصراحة تفرض تحذيرا لا بد منه فالتاريخ الليبي القريب مليء بخطابات واعدة انتهت إلى لا شيء لأن القوى التي تستفيد من الفوضى ليست قليلة ولا ضعيفة وهي لن تتخلى طوعا عن امتيازاتها لذلك فإن الطريق إلى إنهاء الانقسام والحد من الفساد ومحاربة المحسوبية لن يكون مفروشا بالتصفيق بل بالمقاومة الشرسة من أصحاب المصالح وهنا يظهر الفارق بين رجل دولة يغامر بمكانته من أجل الإصلاح وبين سياسي يفضل السلامة الشخصية على المواجهة
ليبيا اليوم أمام لحظة اختيار حقيقية إما أن تتحول هذه اللغة الجديدة إلى برنامج عمل صارم يترجم إلى قوانين نافذة ومؤسسات موحدة وانتخابات شفافة تعيد الشرعية إلى مصدرها الطبيعي وهو صندوق الاقتراع وإما أن تبقى الكلمات معلقة في الهواء بينما تستمر نفس الوجوه ونفس الممارسات ونفس الدائرة المغلقة لا توجد منطقة وسطى بين الدولة واللادولة بين النظام والفوضى بين السيادة والارتهان
ولهذا يمكن القول إن ما قيل في الزاوية لم يكن مجرد خطاب بل إشارة بداية لبناء مختلف لبنة أولى في جدار طويل إذا وضعت بصدق فقد تتبعها لبنات أخرى وإذا سحبت سيسقط كل شيء إنها لحظة اختبار للسلطة كما هي لحظة اختبار للمجتمع فإما أن يلتقط الجميع الفرصة ويحولوا الكلمات إلى أفعال أو يضيعوا فرصة جديدة وتبقى البلاد أسيرة زمن مؤجل
في النهاية لا يحتاج الليبيون إلى معجزات ولا إلى شعارات كبيرة بل إلى دولة عادية تحترم قانونها وتدير مالها بشفافية وتؤمن لمواطنيها الأمن والكرامة وإذا كان خطاب المنفي قد نجح في شيء فهو أنه أعاد هذا المطلب البسيط إلى مركز النقاش وأعلن بوضوح أن الانقسام والفساد ليسا قدرا وأن الخروج منهما ممكن إذا توفرت الإرادة وإذا استمرت هذه الروح وتحولت إلى قرارات شجاعة فقد تكون فعلا الخطوة الأولى نحو مصالحة حقيقية وانتخابات نزيهة ودولة تستعيد معناها وهيبتها أما إذا تراجعت تحت ضغط المصالح فسيدفع الجميع الثمن لأن الأوطان لا تنتظر المترددين ولا ترحم من يضيع فرصتها الأخيرة

