في بلد أنهكته السنوات حتى صار التعب جزءًا من ملامح الناس وصار الحذر رد الفعل الأول تجاه أي وجه جديد وتجاه أي فكرة جديدة يصبح من الصعب أن تصدق أن أحدًا ما زال يؤمن بالكلمة أكثر من الرصاصة وبالمصافحة أكثر من القبضة وبالحوار أكثر من الغلبة لأن المشهد الليبي خلال الأعوام الماضية علّمنا أن الأعلى صوتًا هو من ينتصر وأن الأقسى هو من يفرض شروطه وأن السياسة ليست سوى حلبة صراع يتقدم فيها من يدفع خصمه إلى الأرض لا من يمد له يدًا للنهوض ولهذا حين يظهر صوت يتحدث بهدوء ويصر على لغة العقل يبدو الأمر غريبًا كأنه قادم من زمن آخر لا من هذا الركام
وأنا أستمع إلى علي الصلابي لم أشعر أنني أمام خطيب يبيع الأمل ولا أمام سياسي يوزع الوعود المجانية بل أمام رجل يحاول أن يعيد تعريف معنى القوة نفسها كأنه يقول لنا إن القوة ليست في أن تكسر خصمك بل في أن تمنع بلدك من الانكسار وإن الانتصار الحقيقي ليس أن تهزم طرفًا آخر بل أن تنقذ الجميع من الهزيمة الجماعية التي نعيشها منذ سنوات طويلة
ما يميز فكره في المصالحة أنه لا يتعامل معها كشعار أخلاقي جميل يصلح للندوات ولا ككلمة براقة للاستهلاك الإعلامي بل كضرورة وجودية كمسألة حياة أو موت لوطن كامل فهو لا يتحدث عن التسامح بوصفه فضيلة مثالية بل بوصفه حلًا عمليًا لوقف النزيف ولا يتحدث عن الحوار كترف ثقافي بل كأداة وحيدة متبقية حين تفشل البنادق في بناء أي شيء سوى المقابر وكأنه يريد أن يذكرنا بالحقيقة البسيطة التي نحاول الهروب منها أن الحرب مهما طالت لا تصنع دولة وأن السلاح مهما كثر لا يصنع شرعية وأن الكراهية مهما اشتعلت لا تصنع مستقبلًا
في خطابه لا تجد تلك اللغة المتعالية التي تقسم الناس إلى ملائكة وشياطين ولا ذلك المنطق الذي يوزع الوطنية على طرف ويصادرها من طرف آخر بل تجد إصرارًا على فكرة مزعجة لكثيرين وهي أن الجميع أخطأ وأن الجميع تلوث بشيء من هذا الخراب وأن لا أحد يملك رفاهية الادعاء بأنه الضحية الكاملة أو البطل الكامل وهذه الفكرة بالذات هي ما يخيف كثيرين لأن ثقافة المغالبة التي عشنا عليها تحتاج دائمًا إلى عدو مطلق تحتاج إلى طرف شرير بالكامل حتى تبرر استمرار الصراع أما حين تقول إن الجميع شركاء في الخطأ فأنت تسحب الوقود من نار الكراهية وتجبر الناس على النظر في المرآة بدل البحث عن شماعة
فكر المصالحة عنده يقوم على الاعتراف لا على الإنكار وعلى الحوار لا على الإملاء وعلى التنازل المتبادل لا على فرض الشروط وهذا ما يجعل مشروعه ثقيلًا على من اعتادوا سياسة كسر العظام لأنهم يعرفون أن لغة الحوار تسحب منهم امتيازاتهم فالحرب تمنح أمراءها مكانة وسلطة وموارد أما السلام فيعيد الجميع إلى حجمهم الطبيعي ولهذا يقاومه كثيرون حتى لو كانوا يرفعون شعارات الوطنية صباح مساء
حين يتحدث عن الحوار لا يقصده كمشهد بروتوكولي يجلس فيه الخصوم أمام الكاميرات ثم يعود كل طرف إلى خندقه بل يقصده كعملية طويلة ومؤلمة تتطلب شجاعة الاعتراف وشجاعة الاستماع وشجاعة التراجع أحيانًا لأن التراجع في نظره ليس هزيمة بل تضحية من أجل إنقاذ ما تبقى من الوطن وهذه فكرة لا يفهمها من يرى السياسة مباراة صفرية إما أنا أو أنت إما أن أنتصر أو تختفي بينما هو يحاول أن يرسخ معادلة مختلفة تقول إما أن نربح جميعًا أو نخسر جميعًا
وفي هذا السياق يبدو حديثه عن العقلانية مهمًا لأنه لا يقدم المصالحة كخطاب عاطفي فقط بل كخيار منطقي بحت حين ننظر إلى الوقائع ببرود سنجد أن كل جولة صراع جديدة لم تضف للبلاد سوى مزيد من الدمار ومزيد من الانقسام ومزيد من التدخلات الخارجية وأن الذين يراهنون على الحسم العسكري يكررون الوهم نفسه منذ سنوات دون نتيجة فكم مرة قيل إن المعركة الأخيرة اقتربت وكم مرة وُعد الناس بأن الحسم على الأبواب ثم اكتشفوا أن الأبواب تفتح فقط على حرب أخرى وعلى مقابر أخرى وعلى جيل جديد يتربى على الخوف
أمام هذا الفشل المتكرر تبدو دعوة الحوار ليست مثالية زائدة بل واقعية قاسية لأن البديل عنها ليس العدالة الكاملة بل الفوضى الدائمة وليس النصر الساحق بل الانهيار البطيء للدولة والمجتمع ومع ذلك ما زال كثيرون يفضلون الوهم المريح على الحقيقة المؤلمة يفضلون خطاب الانتصار على خطاب التنازل لأن التنازل يحتاج شجاعة أخلاقية أكبر بكثير من شجاعة إطلاق النار
ما يجعل تجربة علي الصلابي مختلفة في نظري أنه لا يتحدث من موقع المراقب البعيد بل من شخص يعرف تفاصيل المجتمع الليبي يعرف تركيبته القبلية والدينية والسياسية ويعرف أن أي حل يتجاهل هذه التعقيدات محكوم عليه بالفشل ولهذا فهو يحاول أن يخاطب الجميع بلغة جامعة لا لغة إقصائية بلغة تقول تعالوا نبحث عن مساحة مشتركة بدل أن نبحث عن سبب جديد للخصومة وهذه اللغة قد لا ترضي المتحمسين ولا تشبع رغبة الانتقام عند الغاضبين لكنها ربما تكون اللغة الوحيدة القادرة على جمع شتات هذا البلد
قد يختلف الناس حول شخصه وتاريخه ومواقفه وهذا حقهم بل هذا أمر صحي لكن الفكرة التي يدافع عنها تستحق أن تُسمع بهدوء بعيدًا عن التخوين لأن ليبيا لم تعد تحتمل المزيد من المعارك الأيديولوجية ولا المزيد من التصفيات السياسية ما تحتاجه ببساطة هو عقل بارد وقلب واسع وشجاعة الاعتراف بأن لا أحد سينقذ هذا الوطن وحده وأن الطريق الوحيد هو أن نمشي معًا ولو بخطوات مترددة
وفي لحظة صدق مع النفس أجدني أقول إن المشكلة لم تعد في نقص الشعارات ولا في غياب الخطباء بل في غياب رجال يقبلون أن يدفعوا ثمن السلام بدل أن يربحوا من استمرار الحرب فإذا كان هناك من يحاول أن يعيد الاعتبار للحوار وللعقل وللغة الجامعة فعلينا على الأقل أن نصغي قبل أن نحاكم وأن نفكر قبل أن نهاجم لأن الأوطان لا تبنى بالصراخ بل تبنى بالجهد الصامت وبالقرارات الصعبة التي لا يحبها أحد لكنها تنقذ الجميع
ربما لن يكون الطريق سهلًا وربما ستتعثر كل مبادرة وربما سنختلف كثيرًا حول التفاصيل لكن يكفي أن يتقدم صوت يقول إن الحوار أولًا والعقل أولًا والإنسان أولًا لأن في هذا الصوت تذكيرًا بأن ليبيا لم تخلق للحرب وأن أبناءها لم يولدوا ليكونوا وقودًا لصراعات لا تنتهي وأن السلام مهما بدا بعيدًا يظل الخيار الوحيد الذي يستحق أن نجربه بصدق قبل أن نغلق آخر نافذة ونستسلم للظلام


