مقابلة أجرتها السيدة جوسلين شربل بدوي مع سعادة سفير أستراليا لدى لبنان، السيد أندرو بارنز
لطالما كانت أستراليا شريكًا داعمًا للبنان، سواء من خلال حضورها الدبلوماسي الفاعل أو عبر الجالية اللبنانية النشطة والمؤثرة في أستراليا. وقد استلم سعادةُ السفير الأسترالي لدى لبنان، السيد أندرو بارنز، مهامه سفيرًا منذ نيسان 2022، عايش خلالها التحديات الجسيمة التي واجهها لبنان، كما لمس في الوقت نفسه صلابة شعبه وقدرته على الصمود.
في هذه المقابلة الحصرية، يشاركنا سعادته رؤيته وأولوياته وتأملاته في مهمته الدبلوماسية، مؤكدًا التزام أستراليا الثابت بدعم لبنان وتعزيز العلاقات المتينة التي تجمع البلدين. وتعكس كلماته ليس فقط أولويات دبلوماسية واضحة، بل أيضًا رسالة تضامن وأمل موجهة إلى الشعب اللبناني، في الوطن والاغتراب على حد سواء. كما يبرز دور الجالية اللبنانية في أستراليا.
سعادة السفير، نرحب بكم ونشكر لكم مشاركتكم معنا. بداية، كيف ترون رؤيتكم للبنان ودوره في منطقة الشرق الأوسط؟
شكرًا جزيلًا، يسعدني كثيرًا أن تتاح لي هذه الفرصة لإجراء هذه المقابلة.
إن رؤيتنا للبنان تتمثل في أن يكون بلدًا ينعم بالسلام والازدهار والاستقرار. فقد مرّ لبنان بمراحل صعبة للغاية: حرب أهلية طويلة، ثم أزمة اقتصادية خانقة، وانفجار مرفأ بيروت، وجائحة كوفيد-19، وصولًا إلى الحرب الأخيرة مع إسرائيل. كل هذه التحديات كانت قاسية.
نحن نؤمن بأن السلام هو المدخل الأساسي للاستقرار والازدهار، ونأمل أن يدخل لبنان اليوم مرحلة جديدة من التعافي والنمو. يتمتع لبنان بعناصر قوة كبيرة؛ فهو، في نواحٍ كثيرة، صورة مصغّرة عن الشرق الأوسط، بتنوعه الديني والثقافي، وسكانه المتعلمين، ودوره التاريخي كجسر بين العالم العربي والغرب. هذه الخصائص كانت أساس ازدهاره سابقًا، ونأمل أن تستمر وتعزز مكانته مستقبلًا.
ما هو الانطباع الذي تكوّن لديكم عن لبنان خلال مهمتكم حتى الآن؟
أكثر ما يلفت النظر ويترك أثرًا عميقًا عند الوصول إلى لبنان هو دفء الشعب اللبناني وكرمه وحسن ضيافته. لقد خدمت في دول عديدة حول العالم، لكنني أستطيع القول بثقة إن الشعب اللبناني من أكثر الشعوب دفئًا وترحابًا. هذه الروح الإنسانية مميزة حقًا.
كيف ترون دور أستراليا في دعم لبنان خلال الحرب والأزمة الحالية؟
تقف أستراليا إلى جانب لبنان في أوقاته الصعبة، وقد فعلت ذلك دائمًا. وترتكز هذه العلاقة بشكل أساسي على الجالية اللبنانية الكبيرة والنشطة في أستراليا، والتي تشكل العمود الفقري للعلاقات الثنائية بين البلدين.
على مدى السنوات الخمس الماضية، قدمت أستراليا أكثر من سبعين مليون دولار أسترالي دعمًا ماليًا مباشرًا للفئات اللبنانية الأكثر ضعفًا. وقد تزامنت هذه الجهود الحكومية مع الدعم الحيوي الذي قدمته الجالية اللبنانية الأسترالية، والذي كان له أثر بالغ في مساعدة لبنان.
إلى جانب المساعدات الإنسانية، تدعم أستراليا الحكومة اللبنانية وتشجعها على تنفيذ الإصلاحات الضرورية. نحن نساند الحكومة الجديدة في مساعيها الإصلاحية، ونؤكد أن لبنان يقف اليوم عند مفترق طرق، لا سيما في ما يتعلق بالإصلاح الاقتصادي وحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، وتحديدًا تحت سلطة الحكومة والقوى المسلحة الشرعية. هذه قضايا جوهرية لمستقبل لبنان.
كيف تصفون الجالية اللبنانية في أستراليا؟
أستراليا محظوظة بامتلاك واحدة من أكثر الجاليات اللبنانية نشاطًا وحيوية في العالم. صحيح أن هناك جاليات لبنانية كبيرة في دول مثل البرازيل والولايات المتحدة وكندا وفرنسا، إلا أن الجالية اللبنانية في أستراليا تُعد من الأكثر تفاعلًا والتزامًا ودعمًا.
وهذا يشكل فائدة كبيرة لأستراليا، كما أنه بالغ الأهمية للبنان، نظرًا للدعم المستمر الذي تقدمه الجالية لقراها ومجتمعاتها ولمؤسسات الدولة اللبنانية. وتولي أستراليا اهتمامًا خاصًا بلبنان تحديدًا بسبب هذا الارتباط الإنساني العميق.
ما هي أبرز المشاريع أو المبادرات التي تعمل عليها السفارة حاليًا، وما أهم إنجازاتكم خلال فترة خدمتكم؟
تركّز المساعدات الأسترالية حول العالم على دعم الفئات الأكثر ضعفًا، ولبنان ليس استثناءً. وتشمل أولوياتنا دعم المساواة بين الجنسين وحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة. نحن نؤمن بأن تمكين النساء والأشخاص ذوي الإعاقة ينعكس إيجابًا على المجتمع بأسره اجتماعيًا واقتصاديًا.
أما على الصعيد الشخصي، فأعتبر أن من أهم إنجازاتي خلال السنوات الثلاث والنصف الماضية هو دعم لبنان خلال الحرب الأخيرة ومعالجة تداعيات الأزمة الاقتصادية.
هل من مشروع خاص تودون الإشارة إليه؟
من أبرز العمليات التي قامت بها السفارة خلال الحرب تنظيم 19 رحلة إجلاء إلى أستراليا خلال فترة تسعة أيام فقط، لمساعدة المواطنين الأستراليين المقيمين في لبنان، خصوصًا الفئات الأكثر عرضة للخطر. كانت عملية كبيرة ومعقدة، شارك فيها الجيش الأسترالي، وتم تعزيز طاقم السفارة بشكل كبير لتلبية المتطلبات القنصلية الطارئة.
ما أهمية التعاون الثقافي والتعليمي بين لبنان وأستراليا من وجهة نظركم؟
يمكن لكل من لبنان وأستراليا أن يتعلما الكثير من بعضهما البعض. أستراليا دولة متعددة الثقافات ناجحة، إذ إن أكثر من نصف سكانها إما وُلدوا في الخارج أو لديهم أحد الوالدين مولود خارج البلاد. وعلى الرغم من أن التجربة ليست مثالية، إلا أنها من أنجح التجارب عالميًا.
في المقابل، يمتلك لبنان خبرة طويلة في التعايش والتعددية، رغم التحديات. كما أن التبادل الثقافي يمتد حتى إلى تفاصيل الحياة اليومية، كالثقافة الغذائية، حيث انتقلت إلى لبنان بعض ملامح ثقافة القهوة الأسترالية.
أي منطقة أو مدينة لبنانية تركت لديكم الذكرى الأجمل ولماذا؟
سؤال جيد، لقد تجولت في أنحاء لبنان كافة. كنت محظوظًا في أول عام ونصف قبل اندلاع الحرب، حيث حرصت على السفر وزيارة جميع المناطق. ذهبت إلى الجنوب والشمال، كما زرت البقاع والشوف وجبل لبنان وإهدن ووادي قاديشا، طرابلس وصيدا. أحببت كل ما شاهدته.
إذا كان عليّ أن أختار، فأقول بلدة دوما، مسقط رأس الحاكمة السابقة لولاية نيو ساوث ويلز ، السيدة ماري بشير، وهي بلدة رائعة بطبيعتها وجمالها، تتميز بطابع خاص للأستراليين، لكنها أيضًا قرية جميلة غير ملوثة ومنطقة رائعة تحيط بها الجبال. مارست أيضاً الكثير من رياضة المشي والتنزه في جميع أنحاء البلاد، كما أن طرابلس مدينة ساحرة بتاريخها ومعمارها.
ما هو طبقكم اللبناني المفضل؟
حسنًا، أنا رجل بسيط إلى حد ما، وأحببت الشاورما، كنت دائمًا أتناول شاورما اللحم، ثم انتقلت إلى الدجاج، لكنني أحب كلاهما. كما أنني أحب بابا غنوج، والتبولة. هناك الكثير من الأطعمة الشهية. الأمر ليس فقط عن طبق لبناني معين، بل عن ثقافة المائدة اللبنانية نفسها، فهي مهمة جدًا: المازة، حيث يجتمع الناس ويتشاركون الطعام بروح جماعية ،مع العائلة ومع المجتمع ويستمتعون بالطعام معًا. وأعتقد أننا يمكن أن نتعلم من الثقافة اللبنانية المتعلقة بالطعام، حيث تأخذ وقتك، وتستمتع بتناول الطعام ببطء، وتتذوق كل شيء، وهو صحي.
أخيرًا، ما الرسالة التي تودون توجيهها إلى اللبنانيين في لبنان وإلى الجالية اللبنانية في أستراليا؟
لبنان يقف اليوم عند مفترق طرق حاسم في بُعدين أساسيين: الإصلاح الاقتصادي، وحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية.
أستراليا تقف إلى جانب لبنان في هذه المرحلة الصعبة، لكنها في الوقت نفسه تحثّه على اغتنام هذه الفرصة التاريخية للإصلاح. يجب أن يكون لبنان بلدًا غنيًا بموارده البشرية ومؤسساته التعليمية، لا بلدًا يعتمد على المساعدات.
يمتلك لبنان طاقات بشرية هائلة، وإذا نجح في تنفيذ الإصلاحات المطلوبة في القطاعين المصرفي والاقتصادي، فسيتمكن من استعادة مكانته الطبيعية بين دول العالم. لبنان قادر على ذلك، وشعبه يستحق مستقبلًا افضل.


