لماذا كان استشهاد علي والحسين ضرورة تاريخية؟ قراءة في أزمة السلطة والضمير في الإسلام
Spread the love

Reading in العربية (Arabic) | Read in English

يُكتب التاريخ عادة بأقلام المنتصرين، لكن هناك لحظات استثنائية يصبح فيها المهزوم عسكريًا هو المنتصر الحقيقي في ذاكرة الإنسانية. فالقوة تستطيع أن تفرض سلطتها على الأرض، لكنها لا تستطيع أن تفرض شرعيتها على الضمير. ومن هذا المنطلق يمكن فهم المكانة الفريدة التي يحتلها علي بن أبي طالب والحسين بن علي في الوعي الإسلامي، ليس باعتبارهما شخصيتين دينيتين فحسب، بل باعتبارهما رمزين لصراع أعمق بين السلطة والحقيقة، وبين الغلبة الأخلاقية والغلبة السياسية.

اعتادت الكثير من القراءات التقليدية للتاريخ الإسلامي، خصوصًا في المدرسة السلفية، على التعامل مع الصراعات التي أعقبت وفاة النبي محمد باعتبارها خلافات سياسية بين شخصيات تاريخية عظيمة اجتهدت فأصابت أو أخطأت. غير أن هذا التوصيف، رغم ما يبدو عليه من حياد، يطرح إشكالية جوهرية: هل يمكن اختزال أعظم الانقسامات في التاريخ الإسلامي إلى مجرد خلافات سياسية؟ وهل يمكن فهم استشهاد علي والحسين بعيدًا عن السؤال المتعلق بطبيعة السلطة نفسها في الإسلام؟

إن الرواية الرسمية التي سادت قرونًا طويلة ركزت على شرعية الدولة واستقرارها أكثر من تركيزها على شرعية المعارضة الأخلاقية. ولهذا السبب جرى التعامل مع المنتصرين باعتبارهم صناع التاريخ، بينما جرى التعامل مع الضحايا باعتبارهم مجرد فصول مؤلمة في طريق بناء الدولة. لكن مراجعة أكثر عمقًا تكشف أن القضية لم تكن مجرد صراع على الحكم، بل صراع على تعريف الإسلام نفسه.

كان علي بن أبي طالب يمثل امتدادًا مباشرًا للمدرسة النبوية في فهم الدين. لم يكن مجرد قريب للنبي أو أحد كبار الصحابة، بل كان الشخصية التي ارتبطت بالمعرفة الدينية والعدالة والزهد والالتزام بالمبادئ حتى في أكثر الظروف تعقيدًا. ولهذا السبب لم يكن الخلاف حوله خلافًا شخصيًا، بل خلافًا حول أي نموذج ينبغي أن يقود الأمة: نموذج السلطة القائمة على المبادئ أم نموذج السياسة القائمة على موازين القوة.

لقد انتصر خصوم علي عسكريًا في نهاية المطاف، لكن السؤال الذي لا يزال مطروحًا بعد أربعة عشر قرنًا هو: لماذا بقي علي حاضرًا بوصفه رمزًا عالميًا للعدالة بينما تراجعت مكانة كثير من خصومه إلى مجرد شخصيات تاريخية؟ الجواب يكمن في أن الذاكرة الإنسانية لا تخلد الأقوى دائمًا، بل تخلد من جسد القيم التي تتجاوز عصره.

وينطبق الأمر نفسه بصورة أكثر وضوحًا على الحسين بن علي. فمن الناحية العسكرية كانت كربلاء هزيمة كاملة. مجموعة صغيرة من الرجال والنساء والأطفال حوصرت في الصحراء وقُضي عليها أمام جيش دولة تمتلك المال والسلطة والسلاح. ولو نظرنا إلى الحدث بمنطق السياسة المجردة لاعتبرنا أن الدولة انتصرت وأن الثورة فشلت.

لكن التاريخ لم يحكم بذلك.

فبعد قرون طويلة لم يعد أحد يتذكر كربلاء بوصفها انتصارًا للدولة، بل بوصفها انتصارًا للضمير الإنساني على منطق القوة. لقد تحول الحسين إلى رمز عالمي للمقاومة الأخلاقية، وأصبحت كربلاء مثالًا كلاسيكيًا على قدرة المبدأ على هزيمة السيف حتى بعد سقوط أصحابه على أرض المعركة.

وهنا يبرز سؤال فلسفي عميق: ماذا لو انتصر علي منذ البداية؟ ماذا لو تمكن الحسين من هزيمة خصومه عسكريًا؟

قد يبدو السؤال غريبًا، لكنه يكشف جانبًا مهمًا من فهم التاريخ. فلو تحقق النصر السياسي الكامل لعلي أو للحسين، لكان من السهل على الكثيرين الانضمام إلى مشروعهما بدافع القوة أو المصلحة أو الخوف. كان التاريخ سيشهد موجة واسعة من الولاءات الجديدة، تمامًا كما شهدت الجزيرة العربية دخول أعداد كبيرة من الناس في الإسلام بعد أن أصبح القوة السياسية المهيمنة.

لكن ما الذي كان سيكشف حقيقة القلوب في هذه الحالة؟

إن القيمة الكبرى في تجربة علي والحسين تكمن في أنها وضعت الناس أمام اختبار لا يمكن تزويره. فقد أصبح الانحياز إليهما مكلفًا، وأصبح الدفاع عنهما يعني مواجهة السلطة لا الاستفادة منها. وهنا ظهر الفرق بين الإيمان الذي ينبع من القناعة والإيمان الذي يولد في ظل الغلبة السياسية.

لهذا السبب لا يمكن النظر إلى استشهادهما باعتباره مجرد مأساة تاريخية. لقد تحولا إلى معيار أخلاقي دائم. فكما كان النبي محمد معيارًا يميز بين الإيمان والكفر في عصر الرسالة، أصبح علي والحسين معيارين يكشفان الموقف من العدالة والحقيقة عندما تدخل الأمة مرحلة الصراع على السلطة.

وهذا ما يجعل بعض القراءات السلفية التقليدية تواجه مأزقًا فكريًا مستمرًا. فهي من جهة تؤكد فضل أهل البيت ومكانتهم العظيمة، لكنها من جهة أخرى تتردد في استخلاص النتائج الأخلاقية والسياسية المترتبة على ما حدث لهم. فالإقرار بفضائل علي والحسين لا يكفي إذا لم يترافق مع مساءلة البنية السياسية التي انتهت إلى محاربة أحدهما وقتل الآخر.

إن المشكلة لا تكمن في احترام الشخصيات التاريخية أو الطعن فيها، بل في الطريقة التي نقرأ بها التاريخ نفسه. فهناك فرق بين قراءة تعتبر الاستقرار السياسي أعلى قيمة، وقراءة تعتبر العدالة أعلى قيمة. وهناك فرق بين رواية تسأل: كيف انتصر المنتصرون؟ ورواية تسأل: لماذا وقف أصحاب المبادئ في صف المهزومين؟

إن الحضارات تتقدم عندما تمتلك الشجاعة لمراجعة تاريخها، لا عندما تحول ذلك التاريخ إلى منطقة محظورة على النقد. وليس من قبيل المصادفة أن أعظم التحولات الفكرية في العالم بدأت عندما أعادت الأمم النظر في رواياتها الرسمية، وسألت الأسئلة التي كان يُمنع طرحها.

واليوم، وبعد مرور قرون طويلة على تلك الأحداث، لا تزال قضية علي والحسين حية لأنها تتجاوز الأشخاص والعصور. إنها قضية العلاقة بين الدين والسلطة، وبين الضمير والقوة، وبين الحقيقة والمصلحة. وهي أسئلة لا تخص المسلمين وحدهم، بل تخص كل مجتمع يبحث عن العدالة في مواجهة الهيمنة.

لقد انتصر خصوم علي والحسين في معارك محددة، لكن عليًا والحسين انتصرا في معركة الذاكرة. انتصروا لأنهما قدما نموذجًا للإنسان الذي يرفض المساومة على المبدأ حتى عندما يعرف أن الثمن سيكون حياته. ولهذا السبب بقي اسماهما مصدر إلهام لملايين البشر عبر القرون.

إن التاريخ الحقيقي لا يُقاس بعدد الجيوش ولا بحجم الدول، بل بقدرة الإنسان على الدفاع عن الحقيقة عندما تصبح الحقيقة وحيدة. ومن هذه الزاوية لم يكن استشهاد علي والحسين نهاية مشروع، بل بداية سؤال أخلاقي ما زال العالم الإسلامي يبحث عن إجابته حتى اليوم.

التاريخ

عن الكاتب

المزيد من
المقالات