ليس من السهل اليوم قراءة المشهد الليبي باعتباره أزمة محلية أو صراعًا داخليًا على السلطة، فهذه القراءة لم تعد تفسّر شيئًا من الواقع، بل تضلّل عنه. ليبيا لم تعد تعيش أزمتها وحدها، بل أُدخلت قسرًا في شبكة صراعات إقليمية ودولية متداخلة، حيث الطاقة والجغرافيا والتحالفات المتغيرة هي المحرّك الحقيقي للأحداث، وحيث تُدار الأزمات لا بهدف حلّها، بل لإبقائها ضمن مستوى يمكن التحكم به.
في شرق البحر المتوسط، لم يكن الغاز مجرد اكتشاف اقتصادي، بل كان الشرارة التي أعادت تعريف النفوذ، وأعادت ترتيب الأصدقاء والخصوم، وأخرجت دولًا من الهامش وأدخلت أخرى في قلب الصراع. هنا، لم تعد الخرائط البحرية خطوطًا تقنية ترسمها لجان قانونية، بل أصبحت أدوات سياسية تُستخدم للضغط والإقصاء وفرض الوقائع. وفي هذا السياق تحديدًا، وجدت ليبيا نفسها فجأة في موقع لم تختره، لكنه فُرض عليها بحكم الجغرافيا والتاريخ وضعف الدولة.
المشاريع التي تشكّلت في شرق المتوسط، سواء تلك المتعلقة بنقل الغاز أو ببناء تحالفات أمنية، قامت على فكرة مركزية واحدة: تجاوز تركيا أو تحجيم دورها. لم يكن ذلك بدافع العداء المباشر بقدر ما كان نتاج حسابات مصالح ترى أن أنقرة لاعب يصعب تطويعه، وأن احتواءه يتطلب بناء منظومات بديلة تتجاهله. هذا المنطق الإقصائي هو ما فتح الباب أمام إدخال ليبيا في المعادلة، ليس بوصفها دولة ذات سيادة كاملة، بل كمساحة يمكن عبرها كسر الطوق المفروض على طرف، أو تشديد الخناق على طرف آخر.
عندما وُقّعت الاتفاقية البحرية بين ليبيا وتركيا، لم تكن مجرد تفاهم قانوني حول خطوط بحرية، بل كانت إعلانًا صريحًا بأن ليبيا ليست خارج لعبة المتوسط، وأن تجاهلها ليس خيارًا آمنًا. فجأة، تحوّلت الدولة التي عانت لسنوات من التهميش إلى عقدة جيوسياسية أربكت الحسابات، وأجبرت الفاعلين الإقليميين على إعادة النظر في مشاريع بدت قبل ذلك وكأنها تسير دون عوائق. هنا، لم تعد ليبيا مجرد متلقٍّ لتداعيات الصراع، بل أداة مؤثرة فيه، حتى وإن لم تكن هي من يمسك بمفاتيح استخدامها.
تركيا، في هذا السياق، لا تنظر إلى ليبيا بمنظار التحالفات العاطفية أو الاصطفافات الأيديولوجية. هي تتعامل معها كحقيقة جغرافية لا يمكن تجاوزها، وكأصل استراتيجي لا يرتبط بحكومة بعينها أو قائد بعينه. الحضور التركي في ليبيا، بأبعاده العسكرية والأمنية والبحرية، ليس استعراض قوة بقدر ما هو محاولة لتثبيت معادلة تقول إن من يريد الحديث عن المتوسط لا يمكنه تجاوز أنقرة ولا تجاهل طرابلس. وحتى انفتاح تركيا على قوى في شرق ليبيا، بعد سنوات من الخصومة، يعكس هذه البراغماتية الباردة التي تفضّل إدارة التناقضات على الانخراط في معارك صفرية.
في المقابل، تنظر إسرائيل إلى ليبيا من زاوية مختلفة تمامًا. ليست معنية ببناء شراكة مستقرة معها، ولا بتوحيد مؤسساتها، بل بتركها في حالة سيولة سياسية تمنع تشكّل محور إقليمي قادر على تهديد توازنات الطاقة القائمة. الاهتمام بشرق ليبيا وسرت لا يرتبط بشخصيات أو مشاريع حكم، بل بفكرة أبسط وأكثر قسوة: كلما بقيت ليبيا منقسمة، تراجعت قدرتها على لعب دور فاعل في المتوسط، وكلما تراجعت هذه القدرة، بقيت مشاريع المنافسين تحت السيطرة. إنها سياسة التعطيل الذكي، لا الاحتلال ولا التحالف.
أما أوروبا، فتقف في منطقة رمادية بين الخطاب والممارسة. تتحدث عن الاستقرار والدولة والمؤسسات، لكنها في العمق تنظر إلى ليبيا بوصفها عنصرًا في معادلة أمن الطاقة قبل أي شيء آخر. ما يهمها هو تدفّق النفط والغاز، وضبط الهجرة، ومنع الانفجار الكامل، حتى لو كان الثمن هو الإبقاء على حالة شلل سياسي طويل الأمد. هذا النوع من “الاستقرار الوظيفي” لا يصنع دولة، لكنه يخدم مصالح خارجية ترى في ليبيا موردًا وممرًا أكثر مما تراها شريكًا كامل السيادة.
وسط هذه التشابكات، تبدو ليبيا دولة تملك كل أسباب القوة النظرية، لكنها عاجزة عن تحويلها إلى نفوذ فعلي. موقعها الجغرافي استثنائي، مواردها الطاقوية هائلة، وقربها من أوروبا يمنحها وزنًا استراتيجيًا نادرًا، ومع ذلك تبقى خارج غرف القرار الكبرى. السبب لا يكمن فقط في الانقسام الداخلي، بل في غياب رؤية وطنية قادرة على التعامل مع هذه الصراعات باعتبارها فرص تفاوض لا أقدارًا مفروضة.
المشكلة الأعمق أن ليبيا، في كل مرة تحاول الخروج من عزلتها، تفعل ذلك عبر الارتهان لمحور أو قوة خارجية، لا عبر بناء موقع تفاوض مستقل. تُراهن على هذا الطرف أو ذاك، متوهمة أن التحالفات الإقليمية ثابتة، بينما الواقع يثبت أن هذه التحالفات سيّالة، متغيرة، تحكمها المصالح لا الوعود. في هذا العالم، لا أحد يقاتل من أجل ليبيا، بل من أجل موقعها.
الخطر الأكبر الذي يواجه ليبيا اليوم ليس سيناريو التقسيم الصريح، بل سيناريو التجميد الطويل. أن تبقى دولة معلّقة بين الحرب والسلام، بين الوحدة والانقسام، تُدار أزماتها بدل حلها، وتُستخدم فوضاها كورقة ضغط في صراعات لا تملك قرارها. هذا الوضع لا يُنتج انفجارًا سريعًا، لكنه يستنزف الدولة ببطء، ويُفرغ السيادة من معناها.
ليبيا لا تحتاج إلى مزيد من الوسطاء ولا إلى مزيد من البيانات الدولية. ما تحتاجه هو إعادة تعريف ذاتها في هذا النظام الإقليمي المضطرب: لا كساحة صراع، بل كلاعب يفاوض انطلاقًا من الجغرافيا، ويستثمر الطاقة كأداة سيادية، لا كغنيمة تتقاسمها الأطراف المتصارعة. وحده هذا التحول يمكن أن ينقل ليبيا من دولة تُمسك بخيوط المتوسط دون أن يُسمح لها بتحريكها، إلى دولة تعرف متى وكيف تشدّ هذه الخيوط لصالحها. وحتى يتحقق ذلك، ستظل ليبيا في قلب العاصفة، ليس لأنها الأضعف، بل لأنها الأهم


