د. طالب سعد (باحث في الاقتصاد السياسي والاجتماعي)
قد لا يخفى على أحد خاصة في الدول غير المستقرة سياسياً، اقتصادياً واجتماعياً، ومحكومة بمجموعات ثرية وفاسدة، عبارة «جمهورية الموز»، وهو مصطلح سياسي اقتصادي تعود قصته لفترة دخول الموز الى الولايات المتحدة سنة 1870عن طريق تاجر تجاوزت ارباحه منها 1000%، لكن فاكهة الموز لا تنمو في امريكا بحكم طقسها البارد فذهب المزارعون والتجار، لزارعتها في هندوراس جنوب القارة الامريكية، حيث سيطرت ثلاث شركات امريكية على زراعة الموز في هندوراس كانت قد ذهبت من اجل الموز وزراعته وما لبثت الا ان استولت على مرافق الانتاج وخطوط النقل وسكك الحديد اللازمة للتصدير، ومن بين هذه الشركات الشركة المتحدة التي كانت تعرف باسم الاخطبوط بسبب قوة نفوذها وهيمنتها على الاقتصاد في هندوراس. فمن خلال تبرير الحاجة الى وجود ثمار الموز استطاعت مجموعة شركات نافذة من الهيمنة الكاملة على كل شيئ وتبرير كل السلوك المرافق لها.
في لبنان تخطت المنظومة الحاكمة نهج جمهورية الموز السيئ لما هو أسوأ، ضاربة بعرض الحائط كل المفاهيم الدستورية والقانونية والاقتصادية الاجتماعية والانسانية وجعلت من السياسة مادة لفن «المستحيل» وليس «الممكن»، بحيث لو عاد ميكافيللي لتعذر عن تفسيرها. فالجمهورية المعطلة باتت بلا رئيس وتحولت الى كانتونات طائفية ومربعات أمنية حاكمة بقوانين منبثقة عن سلطة الأمر الواقع لا مجلس الشعب. واقتصاد الدولة تم استبداله بمصالح الأحزاب التي أدارت الحرب اللبنانية ثم أدارت مرحلة السلم فسرقت ثروة المجتمع دون حسيب أو رقيب وها هي الآن توزع الأدوار وتتهرب من المسؤوليات وتدمر كل ما تبقى من مؤسسات الدولة اللبنانية المهترئة.
يمكننا القول أننا انتقلنا من جمهورية الموز إلى مجسّات الأخطبوط ذو الثمانية أذرع الحاكمة والمتحكمة بكل شيئ يحصل عليه بأسلوب رخوي لا هيكل عظمي له، تماما كما أصبحت دولتنا فارغة مفرغة من هيكلها التظيمي والدستوري وبنيتها الاقتصادية وهويتها الضائعة. يصطاد الأخطبوط فرائسه في الليل، وتحقن بعض الأُخطبوطات فريستها بسموم متفاوتة السميّة باستخدام المناقير التي تستخدمها أيضاً لاختراق الأصداف الصلبة وكسرها. وهو نفس الأسلوب المتبع في بث الثقافات الحزبية الطائفية السامة التي تضرب مفهوم المواطنة والانتماء للوطن وتجعل أكبر ولائها لها وليس لتطوير المجتمع. يمتلك الأخطبوط مهارات عالية في الدفاع عن نفسه، وقدرات كبيرة على الاختفاء عن الأنظار، ويحوي جسمه على شبكة خلايا عصبية في عضلاته تُمكنَّهُ من تغيير لون بشرته بما يُناسب مُحيطه، وينفث هذا الأخطبوط سحابة كبيرة من الحبر لمنع رؤيته من المُفترس، مما يمنحه وقتًا للهرب. وهو نفس أسلوب المنظومة الحاكمة في الدفاع عن نفسها أمام ما تبقى من أحرار صادقين لا يسكتون عن حقهم وكرامتهم. مهاراتهم عالية في كسر العدالة وتمييع القوانين والحقائق واستخدام الاعلام والتابعين بشكل أعمى الذين ينبرون للدفاع عن جلاديهم كلما تدعو الحاجة أو يناديهم المنادي، لتجد نفسك أمام مشهدية ضبابية معقدة ملوثة بتهديد طائفي مذهبي يطغى بخطورته على كل الجرائم المالية والاقتصادية والاجتماعية التي تتحمل مسؤوليتها بشكل قاطع وجازم كل الأطراف الحاكمة والمتحكمة بمفاصل الدولة المتهالكة.
إنه نظام الاخطبوط الحاكم الذي يسكن قاع البحر، يلتهم بأذرعه الثمانية كل شيئ، من مدخرات الشعب بشيبه وشبابه، بأيتامه وعجزته، كما التهم أموال المتقاعدين والضمان الاجتماعي ومدخرات المستشفيات والجمعيات الصحية، فأضحت عاجزة عن تأمين الحد الأدنى من حاجاتها مقابل منظومة ممعنة في الاستيلاء على ما تبقى من ودائع للناس في البنك المركزي والبنوك التجارية، بحجة تأمين مادة المازوت لمولدات الأزقة المدعومة من أحزابها المهيمنة والتي باتت بديلة لكهرباء الدولة المتوارية عن الأنظار. الأخطبوط الذي يلتهم حقوق المقهورين ظلماً دون أن يعلموا ماذا فعلوا وماذا يفعلون، يقضي على القضاء والعدالة، يضرب الأمن والأمان، يشوه نظام التربية والتعليم ويضر بأساتذته وخريجيه، يلوث النظام الصحي والاستشفائي والدوائي ويضيق على المستشفيات في تأمين لوازمها الطبية المفقودة. إنه الراعي الرسمي للفقر والمرض والتخلف وتردي القوة الشرائية للأفراد، الذي جعلهم رهينة له مكرساً مفهوم الزبائنية السياسية بكل أبعاده ومضامينه.
لقد استطاعت المنظومة الاخطبوطية الحاكمة أن تلتهم كل حقوق الناس، وتسمم من صعب عليها كسره، وتعمل في الظلام والعتمة ودائما ضد مصلحة المجتمع بمؤسساته وأفراده وجعلهم يعتادون على الظلم والتبعية العمياء، أو يخافون الكلام والاعتراض، اذ يصبح المعترض خائناً وعميلاً وخارجاً عن القانون ليصبح التدجين الاجتماعي موضوعا بحثياً خصباً للمهتمين من علماء الاجتماع والاقتصاد.
فيا معشر الأحرار في هذا الوطن، لا تقنتوا من رحمة الله وتأكدوا أن دولة الظلم ساعة ودولة الحق إلى قيام الساعة. فلا جمهورية الموز عاشت ولا مجسات الأخطبوط دامت، إذ أنه من أقصر الحيوانات عمرا حيث يعيش بين السنة والثلاث سنوات، وإن يجد البعض المقارنة الزمنية غير واقعية إلا أنه من الواضح والمؤكد كما قال ابن خلدون أنه عندما تكثر جباية الدولة تقترب من نهايتها. وها هي الدولة اليوم تقترب من نهاية حكمها، فلا هم لها إلا تحصيل الأموال عبر شتى الطرق، من ضرائب أو ودائع أو عمليات الصيرفة المشبوهة والتي باتت تطرح ألف سؤال وسؤال لا بد أن نتطرق لها في موضوع منفصل. بكل الأحوال إننا نشهد نهاية الطبقة السياسية الحاكمة، فلم تعد حجة الحاجة الى الموز تشفع لهم بعد اليوم ولا أذرع الاخطبوط ستظل قادرة على الإلتهام، نحن نلعب في الوقت الضائع، وكما كتب التاريخ عن جمهورية الموز قبل 150 عاماً، سيكتب مجدداً عن مجسات الأخطبوط اللبناني الممثلة بالمنظومة الحاكمة التي أتت على الأخضر واليابس دون أن يرف لها جفن ومازالت. وعلى الجميع أن يعي أنه في لحظة حاسمة ما سينقلب السحر على الساحر وسيتحول الأخطبوط إلى مثلا ونموذجاً عن حكام لبنان يُدرّس في الجامعات وكتب الاجتماع والسياسة الفاسدة والاقتصاد المهدور.
The post من جمهورية الموز إلى مجسّات الأخطبوط appeared first on جريدة الشرق اللبنانية الإلكترونيّة – El-Shark Lebanese Newspaper.


