“وصيّتي الأخيرة لبلادي ورئيسي” – 3
Spread the love

بقلم عماد الدين أديب

«اساس ميديا»

المطلوب هو رجال شركاء في تحمّل حجم التحدّي وليس مجموعة من كبار الموظّفين.

إنّ من يطّلع على بعض تحقيقات نيابة أمن الدولة العليا مع بعض كبار المسؤولين السابقين عقب ثورة كانون الثاني سوف يجد عبارات معيّنة كثيراً ما تكرّرت حينما يجيب المستجوَبون على سؤال السيّد المحقّق: ما قولك في ما هو منسوب إليك؟ تأتي الإجابة: “لست مسؤولاً عن أيّ من هذه القرارات، أنا كنت فقط أنفّذ الأوامر الصادرة إليَّ من الرئاسة”.

هنا قد يسأل سائل: أليست هذه هي طبيعة الأمور دائماً منذ عقود طويلة؟

الردّ بسيط وصريح وواضح: “حجم التحدّي الاقتصادي كونيّاً، والضغط الماليّ محليّاً، والتوتّر الكامل على الحدود (غزّة، السودان، ليبيا)، والفراغ الاستراتيجي الأميركي المرتبك، تجعلنا بحاجة إلى فريق سوبر في الأداء على مستوى رؤية وأداء الرئيس، حتى يتعامل مع “السوبر أزمة” التي بدأت بالتكوّن منذ الحرب الروسية – الأوكرانية”.

إنّني أطرح بصوت عالٍ ثلاثة أسئلة على عقل وضمير مَن هو مهموم بشؤون حاضر ومستقبل مصر.

1- هل ما هو آتٍ هو أزمة عاديّة شبيهة بما سبق؟ أم هي عاصفة تسونامي اقتصادية غير مسؤولين عن صناعتها، لكن علينا مسؤولية مواجهتها؟

2- هل لدينا أفكار إبداعية غير تقليدية لمواجهتها؟

3- هل لدينا فرق العمل لتسكين الأزمة والتعامل معها بما يجب.

إذا كانت الإجابة على الأسئلة الثلاثة إيجابية وأنّ “كلّه تمام وتحت السيطرة”، فلا داعي لأن نهتمّ إطلاقاً بما أنا قلق منه، وسأكون أسعد الناس بهذه النتيجة.

أمّا إذا كانت الإجابة تؤكّد أنّ الأزمة كبيرة وأكبر من الحلول، وأنّنا بحاجة إلى فريق مناسب لحجم الأزمة من كلّ مفاصل الدولة، فنحن بحاجة إلى تغيير فخم وعظيم يعتمد مبدأ الكفاءة المطلوبة والقدرة على تحمّل المسؤولية الضخمة.

بالتأكيد في فريق الرئيس الحالي قوى مخلصة ذات كفاءة عملت معه بتفانٍ ووصلت الليل بالنهار، لكنّ حجم الأزمة الحالية قد يكون أكبر منها، وتكون قدرتها على الحلول محدودة، وتكون قدرتها على الفكر والإبداع قد تجاوزها الزمن وأنهى عمرها الافتراضي.

إنّ الموقف شبيه بمدير فريق كرة قدم في المنتخب الوطني اعتاد أن يفوز بلاعبيه أمام فرق أخرى عاديّة أو متوسّطة المستوى، ثمّ ساعدته “قرعة القدر” أن يلعب أمام فريق مثل البرازيل أو الأرجنتين أو ألمانيا بعد زمن قصير وضاغط. هنا يطرح مدير الفريق على نفسه سؤالاً حتمياً ومنطقياً: هل يمكن إحراز أيّ نتائج إيجابية وتجنّب هزيمة ساحقة باللاعبين الذين يديرهم أم أنا محتاج إلى خطة جديدة تستبعد من لا يناسب مستوى الفريق الخصم وأستعين بلاعبين جدد يعطوننا دماء جديدة في مواجهة تهديدات الفرق الخطرة التي ستواجهنا؟

ببساطة نحن بحاجة إلى مراجعة:

1- الخطط.

2- الوسائل والحلول.

3- الإبقاء على من يصلح والاستغناء الكريم عمّن لا يصلح.

القصة بأبسط قدر من الطروحات هي: هل يصلح أن يكون تشكيل فريق كرة القدم الذي نلعب به، فريق الأسد المرعب، هو ذاته حينما نلاعب برشلونة أو ريال مدريد؟

لكلّ أزمة رجالها، والرئيس وحده هو الذي يعرف درجات الكفاءة والقدرات الحقيقية للمساعدين.

قرارات الرئيس في التسعين يوماً الأخيرة تؤكّد ذلك:

1- البحث عن استثمارات يقوم بها الأشقّاء العرب.

2- البحث عن بدائل لواردات القمح الروسي والأوكراني.

3- التحرّك على المستوى الخليجي.

4- إطلاق مبادرة الحوار الوطني.

5- مراجعة السياسات النقدية.

6- التعديل الحكومي الأخير.

7- التعديل في قيادة البنك المركزي.

سوف تشهد البلاد تغييرات أخرى مقبلة يقودها الرئيس، تستهدف أوّلاً مواجهة الهجوم، وثانياً استكمال رؤيته ومشروعه للجمهورية الجديدة.

كتب العلّامة الدكتور جمال حمدان (عام 1967- الطبعة الأولى) في مؤلّفه العبقري “شخصية مصر” عن عبقرية الموقع والمكان التي تخلق حالة من التجانس الطبيعي الذي يحقّق التجانس السياسي للمواطنين على أرض مصر.

أزمة اليوم أنّ الإرث التاريخي لسوء إدارة ملف الاقتصاد منذ 1952 أدّى إلى حالة من عدم التجانس الاقتصادي الذي يخلق حكماً وبالضرورة  حالة من عدم الرضاء الطبقي.

في دراسة الطبقات الاجتماعية يقول علماء السياسة إنّ الطبقات الأساسية فقيرة ومتوسطة وغنية بشرائحها المختلفة المتعّددة يجب أن تحقّق حدودها الدنيا من الاحتياجات حتى تصل إلى حالة الرضاء على أوضاعها.

أزمة هذا الخلل الطبقي ينبّه إليها العلّامة الاقتصادي إبراهيم حلمي عبد الرحمن عقب أحداث تظاهرات الطعام في 1977 حينما قال: “الخلل يكمن في أنّ 5 في المئة من السكّان يستهلكون 95 في المئة من الخدمات والسلع، بينما يعيش 95 في المئة من السكّان على 5 في المئة من السلع والخدمات”.

هذا كان في عهد الرئيس الراحل أنور السادات.

ظهر هذا الخلل في الغضب الشعبي في كانون الثاني 2011 الذي ارتفعت فيه مطالب فئوية محقّة على الرغم من ارتفاع المؤشّرات العامّة لأداء الاقتصاد الكلّي للبلاد، والسبب كان عدم تلامس هذا التحسّن مع هؤلاء، وخاصة الطبقة الوسطى.

الطبقة الوسطى في مصر، كما هو الحال في كلّ المجتمعات، هي “صمام الأمان” الاجتماعي والسياسي، حينما تتضرّر تغضب وحينما ترتاح تدعم الاستقرار.

من هنا يصحّ السؤال المطروح الضاغط: هل هذه الحكومة بتشكيلها الحالي وفريق العمل الممسك بالملفّات الكبرى قادران على التصدّي للخطر الحالي والخطر المحتمل؟

يرى الرئيس الضوء الأحمر الذي أضاءته الأزمة الكونية على كلّ اقتصادات العالم ويرى فيها إنذاراً مبكراً من خطر آت.

أهمّ ما يجب ملاحظته أنّ الرئيس السيسي يُدرك تماماً وبالتفصيل الخطر الآتي من هذا الظرف الطارئ الضاغط، لا يهوّن منه ولا يستسلم له.

يُدرك الرئيس أنّ المواجهة تكون بالحشد، والحشد يستدعي الاصطفاف، والاصطفاف يحتاج إلى رجال، والرجال يجب أن تكون فيهم 3 شروط:

1- الصدق في الوعد والانتماء.

2- النزاهة المطلقة في تغليب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة.

3- أن يكونوا على حجم تحدّيات الخطر الاقتصادي. ويُدرك الرئيس أنّه في دولة مثل مصر يجب أن لا يكون هناك مركز قوى نهائيّ سوى الشعب.

الحفاظ على الدولة الوطنية من أجل سلامة الشعب وتحقيق مشروعه الإصلاحي هو شاغله الشاغل.

التحدّي الأكبر هو أن يوفّق بمن يحملون هموم الوطن معه على كاهلهم، وليس من يصبحون عبئاً على الوطن، وعليه شخصيّاً، ولا يقولون “إحنا عبد المأمور” ولسنا مسؤولين عن شيء.

اللهمّ إني بلغت، اللهمّ فاشهد.

قلت هذا أمام ربّي وضميري ورئيسي الذي أحبّ وأحترم.

The post “وصيّتي الأخيرة لبلادي ورئيسي” – 3 appeared first on جريدة الشرق اللبنانية الإلكترونيّة – El-Shark Lebanese Newspaper.

التاريخ

عن الكاتب

المزيد من
المقالات