Reading in العربية (Arabic) | Read in English
إعادة تشكيل معادلات الأمن الإقليمي
تقدير موقف سياسي وأمني
مقدمة
دخل الشرق الأوسط خلال عام 2026 مرحلة مختلفة من الصراع الإقليمي، لم تعد فيها المواجهة محصورة في حدود جغرافية واضحة أو في جبهات عسكرية منفصلة، بل أصبحت شبكة مترابطة من الضغوط العسكرية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية تمتد من إيران والخليج إلى إسرائيل واليمن ولبنان، وتصل آثارها إلى أسواق الطاقة والتجارة الدولية.
ويبرز مضيق هرمز في قلب هذه المعادلة باعتباره واحدًا من أهم الممرات البحرية في النظام الاقتصادي العالمي. فالمضيق لم يعد مجرد ممر لعبور النفط والغاز، وإنما تحول إلى أداة ضغط استراتيجية يمكن أن تؤثر في أمن الطاقة، وتكاليف النقل والتأمين، والأسواق المالية، وسلاسل الإمداد، والقرار السياسي في الدول المستهلكة.
وفي الوقت نفسه، تدخل إسرائيل مرحلة سياسية وأمنية شديدة الحساسية مع اقتراب الانتخابات المقررة في 27 أكتوبر 2026. وقد أصبح الملف الأمني جزءًا مركزيًا من النقاش السياسي الداخلي، في ظل استمرار الحرب مع إيران وتداعياتها الإقليمية، وارتفاع المخاوف من انتقال المواجهة إلى جولات جديدة أو جبهات إضافية.
وفي المقابل، تحاول إيران الجمع بين الضغط العسكري والضغط الاقتصادي والتمسك بمسار التفاوض. وتكشف التطورات الأخيرة أن طهران لا تزال تمتلك أدوات مؤثرة في البيئة الإقليمية، لكنها تواجه في الوقت نفسه كلفة اقتصادية وسياسية متزايدة نتيجة استمرار الحرب والعقوبات والاضطراب في حركة الملاحة.
ومن هنا فإن السؤال المركزي لم يعد ما إذا كانت المنطقة أمام حرب جديدة، بل أصبح أكثر تعقيدًا:
هل تتجه المواجهة الحالية نحو إعادة ضبط تدريجية لقواعد الاشتباك، أم أن استمرار الضغوط المتبادلة قد يقود إلى توسع جديد في نطاق الصراع؟
أولًا: مضيق هرمز من ممر للطاقة إلى أداة في الصراع الاستراتيجي
يمثل مضيق هرمز نقطة الاختناق الأهم في منظومة الطاقة العالمية، ولذلك فإن أي اضطراب كبير في الملاحة داخله لا يبقى أثره محصورًا في الخليج.
خلال الأشهر الماضية انخفضت حركة السفن التجارية عبر المضيق بصورة كبيرة مقارنة بالمستويات المعتادة، قبل أن تبدأ بعض حركة الناقلات بالعودة تدريجيًا.
وهذه النقطة مهمة لأنها تؤكد أن الحديث عن إغلاق كامل ومستمر للمضيق يحتاج إلى قدر كبير من الدقة. فالمشهد الحالي أقرب إلى اضطراب شديد في الملاحة وارتفاع استثنائي في المخاطر الأمنية والتجارية منه إلى إغلاق كامل ومستقر.
لكن أهمية المضيق لا تقاس فقط بعدد السفن التي تعبره يوميًا، وإنما بحجم المخاطر التي تترتب على أي تهديد للملاحة فيه.
فمجرد ارتفاع مستوى الخطر يؤدي إلى زيادة تكاليف التأمين، ورفع أجور الشحن، وإعادة تقييم مسارات السفن، وتأخير عمليات التسليم، ورفع علاوة المخاطر في أسعار الطاقة.
وبذلك تستطيع إيران استخدام المضيق كأداة ضغط حتى دون اتخاذ قرار بإغلاقه بالكامل.
ثانيًا: معادلة الإغلاق الكامل وأسلوب الضغط التدريجي
الإغلاق الكامل لمضيق هرمز يمثل خيارًا بالغ الكلفة على جميع الأطراف، بما في ذلك إيران نفسها.
إيران دولة مطلة على الخليج وتعتمد بدرجات مختلفة على التجارة البحرية والطاقة، ولذلك فإن إغلاق المضيق بصورة طويلة الأمد يمكن أن يضر بمصالحها الاقتصادية إلى جانب الضغط على خصومها.
لكن هذا لا يعني أن طهران غير قادرة على استخدام المضيق عسكريًا.
هناك فارق استراتيجي بين إغلاق المضيق وإبقائه مفتوحًا بصورة جزئية وتحت مستوى مرتفع من المخاطر.
في السيناريو الثاني، تصبح كل رحلة بحرية عملية تحتاج إلى حسابات أمنية وسياسية، بينما تستمر حركة محدودة تسمح لإيران بالاحتفاظ بأداة الضغط دون تحمل كامل تبعات الإغلاق.
وهذا النوع من الضغط قد يكون أكثر مرونة من الإغلاق الكامل، لأنه يسمح باستخدام التصعيد والتراجع كأداتين في التفاوض.
ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى مضيق هرمز باعتباره جزءًا من معادلة تفاوضية أوسع بين واشنطن وطهران، وليس مجرد ساحة مواجهة عسكرية.
ثالثًا: الطاقة العالمية في مواجهة صدمة ممتدة
كان النفط والغاز من أول القطاعات التي شعرت بتداعيات الحرب.
وتظهر التطورات الأخيرة أن اضطراب حركة الملاحة لا يؤدي بالضرورة إلى اختفاء كامل للإمدادات، وإنما يعيد توزيعها ويزيد تكلفتها ويرفع المخاطر المرتبطة بها.
وفي سبتمبر، ارتفعت صادرات النفط من كبار منتجي الشرق الأوسط مقارنة بالأشهر السابقة، كما بدأت حركة بعض ناقلات الغاز الطبيعي المسال بالعودة عبر المضيق، بما في ذلك شحنات مرتبطة بقطر.
وهذا التطور يخفف من احتمالات حدوث انقطاع عالمي شامل في الإمدادات، لكنه لا يلغي المخاطر.
فالسوق لا يحتاج إلى توقف كامل للإنتاج حتى ترتفع الأسعار. يكفي أن يشعر المتعاملون بأن جزءًا من الإمدادات معرض للخطر أو أن تكاليف النقل والتأمين ترتفع بصورة كبيرة.
ولهذا فإن التأثير الاقتصادي الحقيقي للأزمة قد يكون أطول من عمر المواجهة العسكرية نفسها.
ارتفاع تكلفة الطاقة ينعكس على النقل والصناعة والكهرباء والأسمدة والمواد الغذائية، وبالتالي فإن أزمة إمدادات الطاقة يمكن أن تتحول تدريجيًا إلى أزمة تضخم وسلاسل إمداد.
رابعًا: المخزونات الاستراتيجية لا تلغي الخطر
تملك الدول الصناعية الكبرى مخزونات استراتيجية وآليات للتعامل مع أزمات الطاقة.
لكن هذه المخزونات ليست بديلًا دائمًا عن الإنتاج والتجارة الطبيعية.
يمكن للمخزونات أن تخفف الصدمة خلال مرحلة معينة، لكنها لا تستطيع تعويض نقص طويل الأمد في الإمدادات إذا استمرت الأزمة لفترة طويلة.
ولهذا فإن السيناريو الأخطر ليس بالضرورة توقف الإمدادات بالكامل، بل استمرار حالة عدم اليقين لعدة أشهر.
فالسوق يحتاج إلى رؤية واضحة بشأن المستقبل.
كلما طال أمد الغموض، ارتفعت علاوة المخاطر، وتوسعت عمليات التحوط، وزادت تكلفة النقل والتأمين، وبدأت الدول والشركات في بناء احتياطات إضافية.
وهنا تتحول الأزمة من مشكلة عسكرية إقليمية إلى عامل ضغط اقتصادي عالمي.
خامسًا: إسرائيل أمام تقاطع الأمن والانتخابات
تدخل إسرائيل الانتخابات المقررة في 27 أكتوبر في بيئة سياسية وأمنية شديدة التعقيد.
وقد أصبح الأمن القومي أحد المحاور الأساسية للحملة السياسية، خصوصًا في ظل استمرار الصراع مع إيران وتداعيات الحرب على مكانة الحكومة الإسرائيلية داخليًا وخارجيًا.
في 29 سبتمبر، حذر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من احتمال محاولة خصوم إسرائيل تنفيذ هجوم قبل الانتخابات، بينما تلقى زعيم المعارضة يائير لابيد إحاطة أمنية، ثم انتقد استخدام الملفات الأمنية في سياق الحملة الانتخابية ودعا إلى التعامل معها بصورة مهنية.
وهنا تظهر معادلة دقيقة.
فالتحذير الأمني قد يكون مبنيًا على معلومات حقيقية تستوجب رفع مستوى الاستعداد، وفي الوقت نفسه يمكن أن يتحول إلى عنصر سياسي في موسم انتخابي شديد الحساسية.
ولا يمكن من خارج المؤسسات الأمنية تحديد الدافع الحقيقي وراء كل تحذير سياسي.
ولهذا يجب التمييز بين ثلاثة مستويات:
المستوى الأول هو وجود تهديد أمني فعلي.
المستوى الثاني هو مستوى المعلومات الاستخباراتية المتوفرة حول هذا التهديد.
المستوى الثالث هو كيفية تقديم هذه المعلومات للرأي العام والسياسة الداخلية.
الخلط بين المستويات الثلاثة يؤدي إلى قراءة خاطئة للمشهد.
سادسًا: الانتخابات الإسرائيلية تضيف عاملًا جديدًا إلى حسابات التصعيد
كلما اقتربت الانتخابات، تصبح الرسائل الأمنية أكثر حساسية.
فأي هجوم كبير قد يغير الأولويات السياسية بصورة مفاجئة، وأي نجاح أمني يمكن أن يستخدم لتأكيد خطاب سياسي معين.
لكن ذلك لا يعني أن الحرب أو التصعيد يتم اتخاذهما تلقائيًا لأسباب انتخابية.
القرار العسكري في إسرائيل مرتبط بمنظومة واسعة تشمل الجيش والأجهزة الأمنية والحكومة والاعتبارات الدولية والتحالف مع الولايات المتحدة.
ولهذا فإن العلاقة بين الأمن والانتخابات يجب أن تُقرأ باعتبارها عاملًا مؤثرًا في البيئة السياسية وليس باعتبارها تفسيرًا وحيدًا لأي قرار عسكري.
سابعًا: إيران وإعادة صياغة الردع
تبدو إيران خلال المرحلة الحالية وكأنها تعمل على إعادة تعريف قواعد الردع التي تحكم علاقتها بالولايات المتحدة وإسرائيل.
الرد الإيراني لم يعد يعتمد فقط على الصواريخ والطائرات المسيرة، وإنما يشمل أيضًا الضغط على الملاحة والطاقة، واستخدام القوى المتحالفة معها في المنطقة، والتهديد باستهداف مصالح اقتصادية مرتبطة بالخصوم.
وقد حذرت طهران خلال المرحلة الأخيرة من أن منشآت الطاقة في الخليج يمكن أن تصبح أهدافًا في حال تعرضت مصالحها لهجمات جديدة.
وهذه الرسالة تكشف تحولًا مهمًا في مفهوم الردع الإيراني.
فالهدف لم يعد بالضرورة منع الهجوم، وإنما رفع كلفة الهجوم إلى مستوى يجعل الخصم يعيد حساباته.
ومن هنا يمكن فهم أهمية الخليج ومضيق هرمز وباب المندب باعتبارها أجزاء مترابطة من منظومة ضغط واحدة.
ثامنًا: إيران بين التصعيد والتفاوض
المفارقة الأهم في المشهد الإيراني أن طهران تستخدم الضغط العسكري بالتزامن مع المسار الدبلوماسي.
فخلال سبتمبر جرت محادثات غير مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران بوساطة قطرية، وتمحورت المفاوضات حول وقف الأعمال العدائية ورفع القيود المفروضة على الملاحة وإعادة فتح مضيق هرمز إلى جانب ملفات العقوبات والبرنامج النووي.
وفي نهاية الشهر، قدمت إيران مقترحًا يقوم على خطوات لبناء الثقة وإعادة فتح المضيق خلال فترة زمنية محددة، بينما استمرت الوساطة القطرية في محاولة تقريب المواقف.
وهذا يعني أن إيران لا تتعامل مع الحرب والتفاوض باعتبارهما مسارين متناقضين بالضرورة.
بل تستخدم الضغط العسكري لتحسين شروط التفاوض، بينما تستخدم التفاوض لتجنب تحول الضغط العسكري إلى حرب مفتوحة طويلة الأمد.
تاسعًا: الولايات المتحدة بين القوة والتفاوض
تواجه الولايات المتحدة معادلة معقدة.
فمن جهة، تمتلك واشنطن قدرة عسكرية كبيرة على حماية الملاحة وضرب أهداف إيرانية ورفع تكلفة أي تهديد للممرات البحرية.
ومن جهة أخرى، فإن استمرار الحرب لفترة طويلة يخلق ضغوطًا اقتصادية وسياسية ويزيد من احتمالات توسع الصراع.
ولهذا يبدو أن الخيار الأمريكي يتحرك بين الضغط العسكري والبحث عن صيغة تفاوضية.
وتستمر الوساطات والمفاوضات غير المباشرة، مع بقاء الخلافات الأساسية حول ترتيب الخطوات والضمانات والعقوبات والملف النووي.
وهذا يفسر استمرار الرسائل المتناقضة ظاهريًا من واشنطن.
فرفع مستوى الاستعداد العسكري لا يعني بالضرورة أن القرار السياسي اتخذ باتجاه حرب شاملة، كما أن استمرار التفاوض لا يعني انتهاء الخيار العسكري.
عاشرًا: الخليج أمام معادلة أمنية جديدة
دول الخليج تجد نفسها في قلب الأزمة دون أن تكون بالضرورة صاحبة القرار في أصل الصراع.
فهي تعتمد على استقرار الملاحة والطاقة والتجارة، وفي الوقت نفسه تخشى أن تصبح أراضيها أو منشآتها الاقتصادية جزءًا من المواجهة المباشرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.
ولهذا ظهرت خلال المرحلة الأخيرة محاولات خليجية لدعم المسار الدبلوماسي والبحث عن مخارج سياسية.
وتشير التطورات الإقليمية إلى أن دول الخليج أصبحت أكثر انخراطًا في محاولة إدارة الأمن الإقليمي، مع استمرار اعتمادها على الدور الأمريكي في توفير المظلة الأمنية.
وهذا قد يقود إلى تحول طويل الأمد في السياسة الخليجية، يتمثل في زيادة الاعتماد على الدبلوماسية الوقائية إلى جانب التحالفات العسكرية.
الحادي عشر: اليمن وباب المندب
لا يمكن قراءة أزمة هرمز بمعزل عن البحر الأحمر وباب المندب.
فأي اضطراب في أحد الممرين يمكن أن ينعكس على الآخر.
وتشكل جماعة أنصار الله في اليمن أحد العناصر الرئيسية في هذه المعادلة، خصوصًا مع استمرار التوتر بينها وبين السعودية والولايات المتحدة وإسرائيل.
وقد شهدت الأشهر الماضية اتصالات غير معلنة بين مسؤولين أمريكيين وممثلين عن الحوثيين في سلطنة عمان، وهو ما يكشف أن المسار الدبلوماسي لا يزال حاضرًا حتى مع استمرار المواجهة.
وهذا مهم لأن إدارة الصراع في البحر الأحمر قد تصبح جزءًا من أي تسوية أوسع مع إيران.
الثاني عشر: هل تتشكل جبهة إقليمية جديدة؟
هناك مؤشرات على تقارب متزايد في المصالح الأمنية بين إسرائيل وعدد من دول الخليج في مواجهة التهديدات الإيرانية والحوثية.
لكن الحديث عن تشكيل تحالف عسكري إقليمي موحد أو غرفة عمليات مشتركة تضم جميع الأطراف المتداولة في بعض التقارير يحتاج إلى قدر كبير من الحذر.
فالواقع الإقليمي أكثر تعقيدًا.
دول الخليج ليست جميعها متفقة على طريقة التعامل مع إيران، كما أن لكل دولة حساباتها الخاصة في علاقتها بواشنطن وإسرائيل وطهران.
ولهذا فإن الأدق الحديث عن تقاطع مصالح أمنية متزايد بدلًا من افتراض وجود تحالف عسكري موحد مكتمل الأركان.
الثالث عشر: حرب المعلومات جزء من الحرب نفسها
من أبرز سمات الأزمة الحالية الانتشار الواسع للمعلومات غير المؤكدة.
وتتداخل في هذا المجال:
التسريبات العسكرية
المصادر المجهولة
الحسابات المرتبطة بأطراف النزاع
التقارير الإعلامية غير المستقلة
المقاطع القديمة المعاد نشرها
الصور التي يعاد توظيفها في سياقات جديدة
والتصريحات المنسوبة إلى مسؤولين دون تسجيل رسمي.
ولهذا فإن كثرة الأخبار لا تعني بالضرورة كثرة المعلومات الموثوقة.
وفي الأزمات العسكرية، يمكن للمعلومة غير الدقيقة أن تؤدي وظيفة استراتيجية حتى لو كانت غير صحيحة، لأنها تؤثر في الأسواق والرأي العام وتوقعات الخصوم.
ومن هنا تصبح إدارة الرواية جزءًا من إدارة الصراع.
الرابع عشر: تصريحات دوغلاس ماكغريغور ودلالتها
ينبغي التعامل مع التصريحات المنسوبة إلى دوغلاس ماكغريغور باعتبارها تحليلًا سياسيًا وعسكريًا شخصيًا، وليس باعتبارها تقريرًا رسميًا عن حالة الاقتصاد أو الجيش الأمريكي.
وقد استخدمت منصات إعلامية مرتبطة بإيران وغيرها من تصريحاته لإسناد رواية تتحدث عن انهيار اقتصادي أمريكي وشيك.
لكن الفرق كبير بين انتقاد السياسات الأمريكية أو الحديث عن ارتفاع الدين العام وتكاليف الحرب، وبين الاستنتاج بأن الولايات المتحدة على وشك الانهيار.
ولهذا فإن هذه التصريحات يمكن أن تكون ذات قيمة في دراسة الحرب الإعلامية والسرديات المتنافسة، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات وقوع تحول استراتيجي في القوة الأمريكية.
الخامس عشر: كالينينغراد والجبهة الأوروبية
يجب كذلك مراقبة الجبهة الأوروبية، وخصوصًا العلاقة بين روسيا وحلف شمال الأطلسي.
لكن ربط أي توتر حول كالينينغراد مباشرة بالصراع الإيراني يحتاج إلى حذر.
فروسيا والولايات المتحدة وحلف الناتو يمتلكون ملفات صراع مستقلة في أوروبا، وقد تتقاطع هذه الملفات سياسيًا دون أن تكون جزءًا من عملية عسكرية واحدة.
ولهذا فإن أي أزمة حول كالينينغراد ينبغي تحليلها باعتبارها مسارًا استراتيجيًا منفصلًا قد يتأثر بالمناخ الدولي العام، وليس باعتبارها جبهة تلقائية في الحرب الإيرانية الأمريكية.
السادس عشر: السيناريو الأول — احتواء تدريجي للمواجهة
يقوم هذا السيناريو على استمرار الوساطات القطرية والعمانية وغيرها، والوصول إلى ترتيبات مؤقتة تسمح بزيادة حركة الملاحة عبر مضيق هرمز مقابل خطوات أمريكية وإيرانية متبادلة.
وقد يكون هذا المسار على شكل اتفاق مرحلي بدلًا من تسوية شاملة.
ومن المؤشرات الداعمة لهذا السيناريو استمرار الاتصالات غير المباشرة ووجود مقترحات متبادلة لإعادة فتح المضيق ووقف التصعيد.
السابع عشر: السيناريو الثاني — استمرار الحرب المحدودة
في هذا السيناريو تستمر الضربات والعمليات البحرية والهجمات غير المباشرة، لكن دون الانتقال إلى مواجهة شاملة.
ويتميز هذا السيناريو بأنه يسمح لجميع الأطراف باستخدام القوة والضغط دون الوصول إلى نقطة يصعب بعدها التراجع.
لكن مشكلته الأساسية أن استمرار العمليات لفترة طويلة يزيد احتمال وقوع حادث كبير يؤدي إلى تجاوز الحدود التي رسمتها الأطراف لنفسها.
الثامن عشر: السيناريو الثالث — توسع إقليمي
في هذا السيناريو تنتقل المواجهة من إيران وإسرائيل والولايات المتحدة إلى ساحات إضافية بصورة أكثر مباشرة.
وقد تشمل عملية التوسع الخليج أو العراق أو اليمن أو لبنان أو الممرات البحرية.
الخطر الرئيسي هنا ليس فقط قرارًا سياسيًا متعمدًا بتوسيع الحرب، وإنما احتمال حدوث سلسلة من الردود المتبادلة.
ضربة تؤدي إلى رد.
والرد يؤدي إلى رد آخر.
ثم يصبح التراجع سياسيًا أصعب من الاستمرار.
وهذه هي إحدى أخطر آليات تصعيد الحروب الإقليمية.
التاسع عشر: السيناريو الرابع — تسوية مرحلية طويلة
قد لا تكون هناك تسوية نهائية في المدى القصير.
الأكثر واقعية في مثل هذه الأزمات هو ظهور سلسلة من التفاهمات المؤقتة:
فتح الملاحة تدريجيًا
وقف بعض العمليات
تخفيف العقوبات
تجميد بعض الملفات
عودة المفاوضات النووية
ترتيبات أمنية بحرية
ثم الانتقال لاحقًا إلى اتفاق أوسع.
هذا السيناريو يسمح للأطراف بالحفاظ على مساحة سياسية للمناورة دون تقديم تنازلات كبيرة دفعة واحدة.
العشرون: المؤشرات التي ينبغي مراقبتها
هناك مجموعة من المؤشرات التي ستساعد على فهم اتجاه الأزمة خلال المرحلة المقبلة.
أولًا، حجم حركة السفن عبر مضيق هرمز.
ثانيًا، مستوى حركة ناقلات النفط والغاز.
ثالثًا، أسعار النفط وعلاوة المخاطر.
رابعًا، طبيعة التحركات العسكرية الأمريكية في الخليج.
خامسًا، مستوى العمليات الإيرانية في البحر.
سادسًا، نشاط الحوثيين في البحر الأحمر والخليج.
سابعًا، مسار الوساطة القطرية والعمانية.
ثامنًا، طبيعة التصريحات الإسرائيلية قبل الانتخابات.
تاسعًا، مستوى التنسيق الأمني بين إسرائيل ودول الخليج.
عاشرًا، أي تغير في قواعد الاشتباك بين إيران والولايات المتحدة.
هذه المؤشرات ستكون أكثر أهمية من التصريحات السياسية المنفردة لأنها تسمح بقياس الاتجاه الفعلي للأزمة.
تقدير الموقف العام
الشرق الأوسط أمام مرحلة أمنية مختلفة عن المراحل السابقة.
الصراع لم يعد يدور فقط حول البرنامج النووي الإيراني أو الأمن الإسرائيلي، وإنما أصبح مرتبطًا بالطاقة والممرات البحرية والتجارة العالمية والأمن الخليجي والبحر الأحمر والسياسة الداخلية في إسرائيل والولايات المتحدة.
ويظل مضيق هرمز أحد أهم عناصر هذه المعادلة.
لكن التطورات الأخيرة تظهر أن الصورة أكثر تعقيدًا من سيناريو الإغلاق الكامل أو الحرب الشاملة.
فالملاحة بدأت تستعيد جزءًا من نشاطها، وبدأت بعض شحنات الغاز بالعودة إلى المرور، بينما تستمر في الوقت نفسه المخاطر الأمنية والمفاوضات السياسية.
وفي المقابل، فإن استمرار الحرب يفرض تكاليف متزايدة على إيران والولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج، الأمر الذي يخلق حافزًا متزايدًا للبحث عن صيغة تفاوضية.
لكن وجود هذا الحافز لا يعني أن التسوية أصبحت قريبة أو مضمونة.
فالخلافات المتعلقة بالعقوبات والبرنامج النووي والملاحة والضمانات الأمنية وترتيب الخطوات لا تزال كبيرة، كما أن الأطراف المختلفة تواجه ضغوطًا داخلية تجعل تقديم التنازلات أكثر صعوبة.
أما إسرائيل فتدخل مرحلة سياسية شديدة الحساسية، حيث يتداخل الأمن مع الانتخابات بصورة واضحة، وهو ما يجعل أي تطور عسكري خلال الأسابيع المقبلة ذا تأثير سياسي محتمل، دون أن يعني ذلك أن كل تحذير أمني هو بالضرورة جزءًا من الحساب الانتخابي.
وفي المحصلة، فإن الخطر الأكبر في المرحلة المقبلة قد لا يكون قرارًا منفردًا بإشعال حرب إقليمية شاملة، وإنما تراكم الأخطاء وسوء التقدير والردود المتبادلة.
فالمنطقة تعمل حاليًا ضمن بيئة شديدة الحساسية، تتجاور فيها القوة العسكرية مع الضغوط الاقتصادية والحسابات الانتخابية والوساطات الدبلوماسية وحرب المعلومات.
ولهذا فإن مستقبل الأزمة سيتحدد بدرجة كبيرة بقدرة الأطراف على التحكم في مستوى التصعيد، وبمدى نجاح الوسطاء في تحويل الضغط العسكري إلى مسار تفاوضي قابل للاستمرار.
إن إعادة فتح مضيق هرمز بصورة مستقرة، واستعادة حركة التجارة والطاقة، وخفض مستوى العمليات العسكرية، ستكون مؤشرات رئيسية على انتقال المنطقة من مرحلة إدارة الحرب إلى مرحلة إدارة التسوية.
أما استمرار التصعيد البحري والجوي، وتوسع العمليات إلى ساحات جديدة، وارتفاع مستوى الاستهداف المتبادل للمنشآت الحيوية، فسيعني أن الأزمة لا تزال تتحرك في الاتجاه المعاكس.
وفي كل الأحوال، فإن الشرق الأوسط يدخل مرحلة لن تعود فيها قواعد الأمن الإقليمي إلى ما كانت عليه قبل الحرب بسهولة، حتى لو توقفت العمليات العسكرية.
فالذي تغير ليس فقط حجم المواجهة، وإنما طريقة استخدام الطاقة والممرات البحرية والتحالفات الإقليمية والضغط الاقتصادي كأدوات في الصراع السياسي والأمني.
وهذا هو التحول الاستراتيجي الأهم الذي ينبغي مراقبته خلال المرحلة المقبلة.




