
بقلم عماد الدين أديب
«أساس ميديا»
المستوى سؤاله: لماذا لا تقيم الرياض علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل؟
وجاء الردّ الفوريّ: «الرياض هي عاصمة السعودية التي يلتزم ملكها بلقب خادم الحرمين الشريفين».
وأضاف: «لا يمكن للمملكة أن تقيم علاقات من دون حلّ للقضية الفلسطينية ومن دون إيجاد حلّ نهائي لوضع مدينة القدس الشريف حيث المسجد الأقصى، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، ومسرى رسول الله عليه الصلاة والسلام».
على الرغم من ذلك ظلّ الحلم الأميركي أن تكون دول الخليج على علاقة تنسيق أمني مباشر أو غير مباشر مع إسرائيل لمواجهة أيّ سيناريو عسكري إيراني.
في النهاية فهمت إدارة بايدن الموقف السعودي وأسبابه ودواعيه.
هكذا حُسمت ملفّات اليمن، خاشقجي، وإسرائيل مع السعودية بشكل مؤقّت لمصلحة التصوّر السعودي.
وهكذا أدركت إدارة بايدن أنّ وليّ العهد السعودي لا يمكن معاقبته أو عزله دولياً أو وضعه تحت «الاختبار الأميركي» اليوم أو غداً.
«نجاح» زيارة الأمير خالد
من هنا يمكن تبرير «النجاح الباهر» للزيارة الأخيرة التي قام بها الأمير خالد بن سلمان، نائب وزير الدفاع وأحد المقرّبين جدّاً من وليّ العهد السعودي، ليس لأنّه «أخ شقيق» وحسب، بل ولأنّه رجل ذو كفاية وقدرات عالية ومعرفة مميّزة بصناعة القرار في واشنطن منذ أن كان سفيراً لبلاده هناك.
في تلك الزيارة فتح كلّ طرف قلبه للآخر بصراحة، ووُضع تصوّر مشترك لعدّة ملفّات هي: اليمن، الاتفاق النووي، أمن المنطقة، أسواق النفط، التعاون الثنائي.
خرج فريق بايدن من اللقاءات مع الأمير خالد بنتيجة مفادها أنّ «المسار الإجباري» الوحيد نحو الرياض هو وليّ العهد السعودي، وأنّ أيّ محاولة لتجاوز هذا المسار ستكون مكلفة إقليمياً ونفطيّاً وأمنيّاً. يمكن القول الآن إنّ الأمير محمد نجح في «تصغير المشاكل»، وأولاها «الخلاف الشرس» مع قطر الذي وضع له نهاية وقام بالدور الرئيسي في إقناع كلّ من مصر والإمارات والبحرين بالمصالحة في «قمّة العلا».
بعد الزيارة الأخيرة للأمير محمد لتركيا وربط شبكة المصالح السعودية – التركية باتفاقات تجارية تساعد الاقتصاد التركي المرهَق بسبب التضخّم، يمكن القول إنّ «ملفّ اغتيال خاشقجي» قد أُودع في أدراج مكاتب الأمن التركي.
اقتربت كلّ الملفّات كثيراً من التسوية والحلّ بانتظار الإغلاق النهائي. تتطوّر الآن كلّ ملفّات الاقتصاد بشكل إيجابي نحو معدّلات غير مسبوقة. يخطىء أكبر عقل سياسي في إدارة بايدن حين يتجاهل قيمة القوّة الروحية والمادّية للمملكة التي تجعل ملياراً ونصف مليار مسلم يتوجّهون إليها يوميّاً بقلوبهم.
هذه هي السعودية
السعودية شبه قارّة، وهي الدولة الـ13 في المساحة عالمياً، وتعداد سكّانها 30 مليون نسمة، أكثر من 60 في المئة منهم تراوح أعمارهم من 18 إلى 35، أي إنّ مجتمعها شابّ، وأمّا على المستوى التعليمي فهي من الدول الأكثر إرسالاً لبعثات علمية إلى الخارج.
السعودية هي لاعب «سوبر رئيسي» في أسواق النفط، ورمّانة الميزان في تحالف «أوبك بلاس»، وصاحبة الاحتياطي الأهمّ من النفط.
الصندوق السيادي السعودي هو خامس أكبر صندوق سيادي في العالم، والمملكة هي من أهمّ دول العالم بعد الصين في الاستثمارات الخارجية في أسواق المال الأميركية.
ترتبط السعودية مع البنتاغون بعقود لشراء السلاح الأميركي. منذ الخمسينيّات انتعشت علاقتها مع أهمّ عشر شركات للصناعات العسكرية الأميركية، بدءاً من مسدّس الدفاع الشخصيّ، مروراً بمجموعات طائرات «إف» بكلّ أجيالها، وطائرات «الأواكس» للاستطلاع والمراقبة، وصولاً إلى الجيل الجديد من أنظمة «الباتريوت».
على الرغم من ذلك وقعت إدارة بايدن في محظور الفهم الخاطئ للدور السعودي في كانون الأول 2021، وعند استطلاع مؤشّرات العام الجديد تضاربت الرؤى حول «مستقبل الأداء السعودي».
جاءت الرؤية الإيجابية من لندن من التقرير السنويّ المحترم «إنتليجنس ريبورت» لمجلّة «الإيكونوميست»، وقد توقّع أنّ «وليّ العهد السعودي سوف يدير ملفّاته في الداخل والخارج بنجاح وحكمة، ويساعده على ذلك ارتفاع كبير في مداخيل النفط».
أمّا التقرير السلبيّ فجاء من مصادر دبلوماسية أميركية سرّبت ما يفيد بأنّ «إدارة بايدن قرّرت عدم التعامل مع الرياض إلا عبر قناة الملك سلمان أو وزير الخارجية». يستحيل تجاهل هذه «السعودية» وجعلها دولة منبوذة أو معاقبتها أو عزل أحد أهمّ حكّامها عن دوره. اضطرّ فريق بايدن إلى ابتلاع هذه الحقيقة، ليس عن اقتناع أيديولوجي مبدئي، لكن عن بل بسبب «ضغط أمر واقع لا يمكن مقاومته».
أهميّة القمّة وأهلها
بينما يدخل بايدن هذه القمّة في جدّة يومَيْ 15 و16 تموز عليه أن يدرك أنّ مجموع الثروات التي تضمّها الصناديق السيادية للمجتمعين في هذه القاعة تبلغ قرابة 2 تريليون دولار، أي ما يمثّل 8 في المئة من حجم الدين الأميركي العامّ.
سوف يدرك أنّ مجموع مشتريات السلاح للمجتمعين يتعدّى 12 مليار دولار سنوياً بما فيه برنامجا المساعدات لكلّ من مصر والأردن في المجال العسكري.
سوف يدرك أنّ مجموع حصص المجتمعين في سوق النفط يقارب ربع الإنتاج اليومي العالمي، وأنّ احتياط مصر من الغاز يؤهّلها لأن تكون لاعباً رئيسياً في سوق الغاز مطلع عام 2030.
سوف يدرك أنّ الدور القطري في المساعدة في وضع الكثير من الحلول للمشاكل الأميركية الإقليمية من الشيشان إلى طالبان، ومن حماس إلى إيران، هو «دور مهمّ»، خاصة إذا أضفنا أهمية الدور الاستراتيجي لقاعدتَيْ «العديد» و»السيلية» بقطر.
كلّ هؤلاء الآن في قاعة واحدة، في قاعة مؤتمرات بجدّة، بدعوة من القيادة السعودية، كي يحضر الرئيس الأميركي، المأزوم بالاقتصاد والتخبّط السياسي والخروج المرتبك من أفغانستان والغباء السياسي في إدارة دور بلاده في الحرب الروسية – الأوكرانية. هذا رئيس أميركي يدخل القاعة وأمله في نجاح حزبه في انتخابات التجديد للكونغرس ضعيف، وإمكانية التجديد له في الدورة الثانية شبه معدومة وتحتاج إلى معجزة سياسية.
يدخل الآن وليّ العهد السعودي القاعة والمستقبل، بإذن الله وإرادته، ممهَّداً تماماً، بعد تصغير المشاكل الأساسية، كي يقود بلاده إلى مشروع 2030 الإصلاحي.
باختصار: يخرج بايدن من اللعبة بفشل، ومحمد بن سلمان يدخلها بقوّة… ونجاح.
The post اجتماعات جُدّة: «والآن يدخل بن سلمان – بقوّة – إلى المستقبل» 2- appeared first on جريدة الشرق اللبنانية الإلكترونيّة – El-Shark Lebanese Newspaper.


