Reading in العربية (Arabic) | Read in English
يُراكم الاقتصاد اللبناني منذ نهاية عام 2019 خسائر متتالية، في ظل تفاقم اختلالاته البنيوية وتعقد أزماته المالية والاقتصادية، من دون أن تلوح في الأفق مؤشرات جدية لحل مستدام. وفي هذا السياق المتأزم، ها هو لبنان واقتصاده يواجهان اليوم أزمة جديدة ناجمة عن الاعتداءات الإسرائيلية في سياق حرب إسناد إيران، التي من المرجح أن تتجاوز في آثارها الاقتصادية والإنسانية مجمل الأزمات التي شهدها البلد على مدى السنوات الماضية.
أزمات متتالية
وقد أدت الأزمة المالية والاقتصادية التي انفجرت في عام 2020 إلى تكون فجوة مالية تُقدر بنحو 80 مليار دولار أميركي، التي ترافقت مع تبديد مدخرات اللبنانيين في المصارف اللبنانية، فضلاً عن انهيار حاد في قيمة العملة الوطنية، وما استتبعه ذلك من تآكل للقدرة الشرائية وارتفاع معدلات التضخم والفقر والبطالة. كما كان لجائحة كورونا دورها في تعميق أزمة الاقتصاد الوطني وانكماشه في ذلك الحين.
ولم يكد الاقتصاد اللبناني يلتقط أنفاسه حتى جاء تفجير مرفأ بيروت في الرابع من آب/أغسطس 2020 ليُعمق من حدة الانهيار، حيث أسفر عن خسائر مادية تقدر بما بين 10 و15 مليار دولار أمريكي. وقد بلغت الخسائر البشرية أكثر من 220 قتيلاً وإصابة أكثر من 7000 آخرين، بالإضافة إلى دمار واسع في العاصمة بيروت، مما يجعله واحدًا من أكبر الانفجارات غير النووية في التاريخ.
ومع حرب إسناد غزة التي اندلعت في الثامن من تشرين الأول/أكتوبر عام 2023 وتصاعد حدتها في عام 2024، تفاقم الانهيار الاقتصادي المستمر منذ عام 2019، وتسببت بخسائر تُقدَّر بما بين 11 و14 مليار دولار أميركي، إضافة إلى أضرار جسيمة في القطاعات الزراعية والصناعية والتجارية، وسقوط أكثر من 4040 قتيلاً ونحو 16 ألف جريح. كما قُدّر عدد الوحدات السكنية المتضررة جزئيًا بنحو 317 ألفًا، فيما بلغ عدد الوحدات المدمّرة كليًا نحو 51 ألفًا، موزعة على الضاحية الجنوبية والبقاع والقرى الحدودية.
ويأتي العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان في سياق حرب إسناد إيران منذ مطلع آذار الماضي، ليكبد لبنان خسائر اقتصادية إضافية قدرتها وزارة الاقتصاد الوطني بما يتراوح بين 60 و80 مليون دولار يومياً، مع احتمال ارتفاعها إلى أكثر من 100 مليون دولار في حال تجدد الاعتداءات الإسرائيلية. وقد أسفر هذا العدوان عن دمار واسع وخسائر تفوق 10 مليارات دولار، فضلًا عن كلفة بشرية مرتفعة، حيث بلغ عدد القتلى نحو 1500 شهيدًا، وأكثر من 4640 جريحًا وفق تقارير رسمية.
تكلفة اقتصادية متعاظمة
وتتفاقم وطأة هذه الحرب وتكلفتها الاقتصادية بفعل تزامنها مع التصعيد الإقليمي، ولا سيما الحرب على إيران، وما نتج عنها من اضطرابات في الاقتصاد العالمي. فقد أدّى تعطيل الملاحة في مضيق هرمز إلى إرباك سلاسل الإمداد العالمية، وارتفاع أسعار النفط والشحن والتأمين، مما انعكس مباشرة على أسعار السلع والخدمات. كما ساهمت هذه التطورات في تعطّل إمدادات الأسمدة وارتفاع أسعارها، وازدياد كلفة النقل الجوي، الأمر الذي ألقى بظلاله على النشاط السياحي عالميًا.
وفي ظل هذه المتغيرات، يواجه الاقتصاد اللبناني تحديات داخلية مضاعفة ومعقدة، إذ يتأثر بشكل مباشر بأي اضطراب خارجي، خصوصًا ذلك الذي قد يطال الدول التي تستقطب اليد العاملة اللبنانية. ومع تصاعد المخاطر الأمنية في دول الخليج، يُصبح أي دعم مالي من هذه الدول للبنان مستبعدًا، كما تتأثر تحويلات المغتربين سلبًا، مما يزيد من الضغوط على ميزان المدفوعات والاقتصاد الوطنيين.
إلى ذلك، تتفاقم ظاهرة التضخم المستورد، نظرًا لاعتماد لبنان الكبير على الخارج، حيث يستورد لبنان النفط ومشتقاته، التي تشكّل نحو 25% من إجمالي الواردات، كما يعتمد على الاستيراد لتأمين نحو 85% من المواد الاستهلاكية. ما يجعل أي ارتفاع في الأسعار العالمية سببًا مباشرًا في زيادة الأسعار المحلية، الأمر الذي يؤدي إلى تصاعد الضغوط التضخمية ويُفاقم من تآكل القدرة الشرائية للمواطنين.
خاتمة
ويبقى التحدي الأبرز الذي يواجه الاقتصاد الوطني يتمثل في تكلفة الاعتداءات الإسرائيلية المتتالية، ولا سيما الاعتداءات المرتبطة بالحرب الأخيرة، التي تُضاف إلى أعباء حرب إسناد غزة وما سبقها من أزمات، في ظل عجز لبنان عن تأمين مصادر تمويل لإعادة الإعمار. كما أن ربط المساعدات الدولية بشروط سياسية وأمنية، ولا سيما ما يتعلق بسلاح حزب الله، يزيد من تعقيد المشهد ويؤخر عملية التعافي.
في المحصلة، استنفدت الاعتداءات الإسرائيلية الاقتصاد اللبناني جراء حروب الإسناد المتتالية، سيما وأنه يعاني من هشاشة بنيوية عميقة جعلته غير قادر على امتصاص الصدمات المتكررة، سواء الداخلية أو الخارجية.
ومع إبقاء لبنان ساحة للصراعات، في ظل استمرار التوترات الإقليمية وغياب رؤية إصلاحية واضحة، يبقى لبنان عرضة لمزيد من الانحدار الاقتصادي والاجتماعي، ما لم تُبادر الدولة إلى تبنّي مسار إصلاحي شامل مدعوم بإرادة سياسية فعلية ومساندة دولية فاعلة تضع حدًا لمسار الانهيار المستمر.


