18 June, 2024
Search
Close this search box.
البطريركية المارونية و نضالها العريق
Spread the love

صدر عن المجلس القاري للجامعة اللبنانية الثقافية في 

العالم ( WLCU) لاستراليا ونيوزيلندا المقال التالي بتاريخ ٢٠٢٢/١٢/١٨ و ذلك دعماً و تأييداً للمشروع الوطني الذي اقترحه و تبناه غبطة البطريرك الكاردينال مار بشاره بطرس الراعي، الذي يتضمن الحياد اللبناني والمطالبة بمؤتمر دولي خصوصاً بعد الشغور الرئاسي و الحكومي. لعل صحوة ضمير المسؤولين تعيدهم للالتفاف حول مبادرة بكركي لإنقاذ لبنان الجريح و المدمر.

البطريركية المارونية ونضالها الوطني العريق! 

مجد لبنان أعطي لها! 

لطالما حملت البطريركية المارونية مجد لبنان في عقلها  و قلبها، ساعية جاهدة للحفاظ على لبنان السيد الحر المستقل، على لبنان الرسالة والعيش المشترك والإنفتاح على كل الطوائف.

لطالما لعبت البطريركية المارونية دوراً أساسياً في استقلال لبنان وصون سيادته خلال الحقبات السياسية التاريخية و المصيرية التي شهدها لبنان.

لطالما ارتبطت البطريركية المارونية تاريخيًا بلبنان و كانت توأم لبنان، فجعلت من بكركي صخرة ثبات الموارنة،  لتجسد منارة الوجود المسيحي في الشرق. بكركي هذا الصرح العنيد الذي قاوم كل من أراد تقويض حرية لبنان واستغلاله لمآرب سياسية وإقليمية.

لطالما صدح صوت بكركي، الصوت الصارخ في الشرق، بأعلى صراخ الحرية مدافعاً عن لبنان و وجوده كبوابة الشرق على الغرب. فبكركي تتحرك عندما تشعر أن الوطن وكيانه كما مؤسسات الدولة في خطر. مما لا  شك فيه أنه كان لبكركي مواقف وطنية في العديد من المحطات عبر التاريخ كان لها الأثر الوطني البالغ في صياغة الكيان اللبناني وصناعة استقلاله . 

في يومنا هذا، و في ظل الازمة السياسية الخانقة، و لاسيما الشغور الرئاسي و الحكومي، و ما انتج عنهم من تداعيات كارثية على الوضع الاقتصادي و الاجتماعي، ناهيك عن الشلل التام والمدمر للمؤسسات الحكومية و تقاعسها عن القيام بواجباتها. أما الفضيحة الكبرى تكمن عبر القضاء اللبناني العاجز و المتواطئ مع الفاسدين لحمايتهم، لذا لن تسكت البطريركية المارونية المؤتمَنُة على تاريخٍ طويلٍ من النضال يمتدّ على مدى 1500 سنة. فبكركي لا يمكنها أن تظل ساكنة و مكتوفة اليدين لأنها بطريركية تدافع عن حقوق كل الشعب اللبناني، وهنا أشدد كل الشعب، لأنّ الفقر يطال المسلم والمسيحي على حدٍّ سواء، والإنهيار و الفقر و العوز لا يرحم أحداً. 

 إزاء حالة الانهيار المدمر الذي يعيشه الوطن، تستكمل بكركي دورها الوطني، وذلك بإصرار غبطة البطريرك المارونيي الكردينال مار بشارة بطرس الراعي على طرحه للحياد اللبناني الذي يعتبره فرصةً أخيرةً لتجنيب لبنان خطر الانهيار الكامل، و تكراره المطالبة بمؤتمر  دولي لدعم لبنان للحفاظ على الكيان اللبناني وسيادته. لا سيما أن معظم المسؤولين السياسيين تمادوا في الفشل, وبعضهم أعطى الأولوية لمصالحهم الخاصة و لمصالح دول أجنبية, ولم يسألوا عن مصير الشعب اللبناني. فسقطوا وأكدوا أنهم غير صالحين لقيادة الوطن و الشعب.

من هذا المنطلق  أحببنا من الاغتراب اللبناني، نحن المنتشرون جسداً في الخارج وقلباً في داخل لبنان، أن نسلط الضوء على أهمية الدور التاريخي و الوطني لصرح بكركي العظيم، الصرح الوطني لكل اللبنانيين.

فلنعود بالتاريخ الى سلسلة البطاركة الموارنة و  نضالهم الوطني من أجل لبنان ولكل اللبنانيين.

البطريرك الياس الحويك (1899 – 1931) 

الذي لقب ب”بطريرك لبنان الكبير” فالبداية كانت عام 1919 عندما أبحر البطريرك إلى العاصمة الفرنسية باريس ليعرض قضية الوطن أمام مؤتمر الصلح، ويطالب باستقلال لبنان حيث تركّزت مهمته الأساسية على توسيع الكيان اللبناني بمنحه السهول والمدن والمرافئ البحرية. تكلّم يومها «في مؤتمر باريس للسلام »، مكلّفًا من رؤساء جميع طوائف لبنان و باسم قادة جميع طوائف لبنان.

في بداية أيلول 1920 كان البطريرك الحويك حاضرا يوم أعلن الجنرال غورو المندوب السامي الفرنسي في سوريا دولة لبنان الكبير، فكان الحدث الأكبر والأكثر تأثيرًا في تاريخ هذا الوطن. و أيضاً في السنة ذاتها رسم البطريرك الياس الحويك مع الجنرال كليمنصو خريطة لبنان الـ10452 كلم2. هذه الحقبة من التاريخ كانت محورية أدت الى تأسيس الكيان اللبناني الخارج من حكم السلطنة العثمانية. 

العلامة الفارقة في تاريخ ٦ تموز ٢٠١٩ في ذكرى بداية مئوية إعلان دولة لبنان الكبير، كرس الڤاتيكان البطريرك الياس الحويك باراً مكرماً فوقع قداسة الحبر الاعظم البابا فرنسيس مرسوم ترسيمه مكرماً و هي درجة تمهيدية نحو القداسة، 

أما كلمة البطريرك الحويك الشهيرة و هي :

«يغبطني ان أراكم على مصلحة لبنان متفقين، عارفين أنه لا يوجد في لبنان طوائف… بل طائفة واحدة أدعوها: طائفة لبنانيّة، تريد مصلحة كلّ لبنان». و من اقواله أيضاً “لنا تمام الثقة بعناية الله التي شملت البلاد،  و كنا و لا نزال كلما حلت بنا كارثة نقابلها لمشيئة الرب القدوسة ملقين عليه كل همنا.” 

كم نحن اليوم في  أمس الحاجة الى مسؤولين يتكلمون بلغة البطريرك الحويك لا بلغة الطائفية و المحسوبيات،  يعملون فقط لمصلحة الوطن لا لمصالحهم الشخصية ولمصالح دول خارجية.

البطريرك أنطوان بطرس عريضة (1932 – 1955) 

الذي لقب ب”بطريرك الاستقلال الاول”. فيما بعد في عام 1943، طالب البطريرك عريضه باستقلال لبنان عن الانتداب الفرنسي و عمل على استكماله بجلاء الجيوش الأجنبية. لذا كان له الدور الكبير في استقلال لبنان. كما ترك بصماته الواضحة على الأحداث السياسية اللبنانية التي عاصرها وأثر فيها كثيراً. علاوة على ذلك عُرف بلقبِ “قديس الفقراء”، و ذلك  إبان الحرب العالمية الاولى، عندما كان مطراناً رهن صليبه وخاتمه لإطعام الجياع

 هنا لا بد من التوقف و لا بد من ذكر أشهر أقواله عن الاستقلال: 

“نريد استقلالاً لبنانياً ناجزاً و سيادة كاملة تطابق رغائب الشعب اللبناني مضموناً من الدول مبنياً على العدل.

نريد استقلالًا و دستوراً و حكاماً نزهاء، تنتقيهم الأمة لاسكيرين و لا طامعين و لا منتقمين.

 نريد استقلالاً مبنياً على الحرية في المعتقد و التعليم و الانتخاب و التجارة و القول والكتابة. و يشترط في ذلك عدم الضرر بالغير.

 نريد استقلالاً مبنياً على المساواة في الحقوق بين اللبنانيين بأخذ كل طائفة حقوقها كاملة.

 نريد استقلالاً مبنياً على التآلف و الاتحاد الوطني  المسيحي الاسلامي و نريد التعاون مع المجاورين لنا في الشرق و المحافظة على صداقة جميع الدول الصديقة بشرط أن تحترم ضعفنا وكياننا و حيادنا، كبلد مفتوح هو ملجأ الأحرار و منارة العلم و الحرية الفكرية تحت سماء الشرق،” 

ألسنا في يومنا هذا، نحن الشعب اللبناني بأجمله، وبكافة طوائفه و مذاهبه و تنوعه السياسي، متعطشين الى هكذا نوع من الاستقلال الحقيقي الذي دعا اليه البطريرك عريضه، ألسنا أيضاً نحلم ان يتولى سدة المسؤولية طبقة من الحكام النزهاء والنظيفي الكف غير الطامعين في السلطة و المال و غير الفاسدين. 

البطريرك الكاردينال بولس بطرس المعوشي (1955 – 1975)

الذي  لقب ب”بطريرك العرب والشرق” نظراً للدور المتوازن الذي لعبه في الاحداث الامنية عام 1958 وتأييده القضايا العربية. و الجدير ذكره أن البطريرك المعوشي وقف بقوة ضد اتفاق القاهرة عام 1969 الذي نظم الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان وعلى حساب سيادة لبنان، و الذي سمح بالقيام بأعمال عسكرية ضد إسرائيل من الأراضي اللبنانية وبالتالي تملك السلاح، وكل ذلك خارج رحم الدولة اللبنانية، مما سبب مشاكل كثيرة للبنان ومصادمات مع الجيش اللبناني.

علاوة على ذلك أنه أول بطريرك في الشرق ينال درجة الكاردينالية التي تؤهله المشاركة في انتخاب قداسة البابا. كما أطلقوا عليه أيضاً اسم “بطريرك المسلمين”، “ومحمد المعوشي” لتلاقي موقفه الإيجابي من الوحدة مع موقف المسلمين. لعب البطريرك المعوشي وقتذاك دوره في المحافظة على التوازن في البلد و التصدي للفتنة الداخلية. سمّاه البطريرك بشارة بطرس الراعي عام 2011 خلال عظة توليه السدّة البطريركية، «بطريرك الانفتاح بحكمة على العالمين العربي والغربي»

كم نحن اليوم  بأشد الحاجة الى حكام يتمتعون بالحس الوطني يعارضون كل ما يمس بسيادة الوطن و كرامة اللبنانيين كما صدّ البطريرك المعوشي كل ما يضر بالوطن. كم نحن بحاجة الى مسؤولين  يتمتعون  بالانفتاح على جميع الدول. 

البطريرك الكاردينال انطون بطرس خريش (1986-1975) 

وبعد شهر من انتخابه اندلعت الحرب الأهلية اللبنانية. فإن الخطب والكلمات العديدة التي ألقاها في مناسبات زيارته إلى الفاتيكان وفرنسا والولايات المتحدة شكِّلت أثارًا قيّمة تتجلى فيها رؤيته إلى دور لبنان ورسالته الحضارية في خدمة السَّلام لكل العالم. إضافة الى ما قدمه  من خلال نموذج فريد في التعايش بين الجماعات المتعددة الأديان والثقافات، ما يملي على الضمير العالمي والأسرة الدولية الحفاظ على هذا الوطن.

البطريرك خريش كان من أهم البطاركة الذين عملوا على توحيد الطائفة، داعياً الأطراف إلى العودة لأحضان الشرعية والوطن الواحد الذي صنعه الأجداد معاً. لم تنقطع الرسائل والنداءات المتلاحقة في العامين الأوَّلين من ولاية البطريرك خريش، وكأنها كما قيل «مزامير سلام» ونداءات إلى الضمائر المحلية والإقليمية والعالمية، وعلى كل المستويات، لوقف النزيف المستبد بجسم الوطن اللبناني وبأبنائه. إلاّ أن حدّة الانقسامات بين أبناء الطائفة والخلافات الدموية وسيف الحرب ظل هو الأقوى. فدَوّت أصوات المدافع أقوى منه مما ظلمت دوره. إذ كان صاحب الشخصية الوديعة التي لم تستطِع أن تجابه عمالقة الحرب والسياسة، بعد محاولته القيام بدور الحكم.  

البطريرك الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير (1986 – 2011 )  

الذي لقب ب”بطريرك الاستقلال الثاني” وهو عراب رفض الوجود السوري في لبنان و انهائه. بطريركٌ استثنائي في مرحلةٍ استثنائية من تاريخ لبنان. ففي مرحلة تسعينيات القرن المنصرم بقي صوته الأعلى والأصلب مطالباً بحرية وسيادة واستقلال لبنان. مما لعب دوراً تاريخياً على مدى ربع قرن من الزمن.

بتاريخ 22 تشرين الأول 1989 كان للبطريرك دوراً أساسياً في ولادة اتفاق الطائف الذي مهدّ لمرحلة سياسية جديدة، عنوانها السلام ونبذ العنف،  منهياً الحرب الأهلية اللبنانية، وذلك بعد أكثر من خمسة عشر عاماً على اندلاعها.  بغض النظر عما يحكى بان الطائف سلخ بعضاً من صلاحيات رئيس الجمهورية و من حقوق المسيحيين. الا انه أوقف الحرب يومذاك اذ اختار البطريرك صفير آنذاك أهون الشرين، عندما وافق على هذا الاتفاق الذي لم يكن بديل منه سوى العودة الى المدفع والى الاقتتال الداخلي. كما ان اتفاق الطائف ليس كتاباً منزلاً يمكن تعديله وتطويره حسب الزمان و الظروف.

من أبرز أقواله:” لقد قلنا ما قلناه ” و “ليتنا نعرف قيمة هذا الوطن الذي يتمتع بقدر من الحرية قد لا نجد لها مثيلا في المنطقة، ولكننا افسدناها فجعلنا منها فوضى عادت علينا جميعا بالضرر الكبير”

من هنا أيضاً نستعين بالمقولة الشهيرة للبطريرك الراحل نصرالله صفير و المحببة جداً الى قلبي:”بكركي من عركه لعركه، لا نورا  ولا زيتا شحّ، كلّن عم يحكوا تركي، بكركي وحدا بتحكي صَح”

البطريرك الكاردينال مار بشاره بطرس الراعي (2011-)

الذي يكمل دور بكركي، هذا الصرح الكبير الجامع، راعياً لرعيته ولمصلحة كل اللبنانيين بجميع طوائفهم. مطلقاً شعاره “شراكة ومحبة” يحمل لواء قيادة مسيرة طائفته ووطنه إلى بر الخلاص. كما يواجه حالات صعبة لا بل مستعصية، بعدما بات لبنان في هاوية سحيقة على مختلف الصعد. مما دفعه الى اعلان مذكرة لبنان والحياد الناشط: عدم دخول لبنان في صراعات سياسية وحروب، و امتناع أي دولة عن التدخل في شؤونه.كما يشدد على ان استقلال لبنان الحقيقي بحياده لذا طرح الحياد والمؤتمر الدولي الخاص بلبنان، تحت رعاية الامم المتحدة مدخلاً للخلاص و لعملية إنقاذ لبنان، لعل سياسيي لبنان يستفيق ضميرهم و يدعموه و يساندوه لتحقيق المبتغى.

من أقوال البطريرك الراعي ” أنّ الحفاط على لبنان ليس مسؤولية مارونية فقط بل مسؤولية وطنية شاملة، فالموارنةُ لم يعملوا لإقامة وطن قومي مسيحي بل أرادوا لبنانَ بشكله الحالي، وقد لاقاهم المسلمون الى منتصف الطريق، لذلك لا بدّ من تعزيز فكرة الإستقلالية اللبنانية لدى جميع مكوّناته والإنتهاء من فكرة الإرتباط بالخارج أو القوميات العابرة للوطن، فالأساس هو لبنان وولاؤنا الأوّل والأخير يجب أن يكون له، وإلّا فكل فريق سيبحث عن قوة خارجية تحميه وتعطيه نفوذاً ويصبح عندها بلدُنا مشرّعاً لكل أنواع التدخّلات والفتن والحروب. “

في كل تلك المراحل الدقيقة و الخطرة التي عصفت بالبلد و مازالت، والتي أرهقت البلد و العباد. ولا سيما الشغور الرئاسي و الحكومي، شلل مؤسسات الدولة و الجسم القضائي وغياب كلي للإصلاح، دقت بكركي ناقوس الخطر ورفعت صوتها عالياً، خوفاً على لبنان وكيانه، و منعاً لزواله أو انحلاله. بل سيصدح كلامها دائماً في الاعالي، وصولاً الى تحقيق حلمها بإستعادة سيادة لبنان. 

فهل يحقق اليوم البطريرك الراعي طرحه السياسي كما حقق أسلافه البطاركة؟ فهل يكون البطريرك بشارة الراعي بطريرك “العبور الى الدولة القوية ” التي لا دولة سواها ولا سلطة غير سلطتها على كل اراضيها ولا سلاح غير سلاحها؟ وينال لقب ” بطريرك الاستقلال الثالث، بطريرك الحياد”؟

فالأمل كبير لا بل هو أملنا الوحيد، في أن يحقق البطريرك  مشروعه السياسي. خصوصاً أن  اسمه بشاره الراعي، صاحب الاسم على مسمّى، “بشاره “حاملاً بشارة الحياد و هو “الراعي” الراعي لكل اللبنانيين. ولا سيما من المتعارف عليه هو أن بكركي تحمل شعار “مجد لبنـان اُعــطي لها” و هي عبارة تعطي للبطريرك حق إتخاذ القرار الحاسـم في كل الامور المصيرية، التي من شأنها المحافظة على لبنان ككيان ووجود. نعم إن  بكركي هي دوماً ضمير لبنان لأنّ مجده أُعطي لسيّد بكركي .

التاريخ

عن الكاتب

المزيد من
المقالات