التطرف والانحراف: كيف شوهت السلطة والفكر التكفيري جوهر الإسلام عبر القرون
Spread the love

في عصرنا الحالي، حين يتكرر استخدام مصطلح «الإرهاب» في وسائل الإعلام والسياسة الدولية، ينسى كثيرون أن هذا المصطلح ليس تصنيفًا علميًا، ولا أداة لفهم الظاهرة التكفيرية بموضوعية، بل أداة سياسية فضفاضة لتبرير البطش بالضعفاء وإخفاء مصالحها الجيوسياسية. مقاومة المحتل أو المغتصب للأرض، حتى إذا استهدفت المدنيين، لا تُعتبر إرهابًا، فهي مقاومة مشروعة يكفلها الدين والقانون الدولي، بينما لا وجود لمعايير ثابتة يلتزم بها من يطلق هذا الوصف. الحقيقة أن الجماعات التكفيرية المعاصرة مثل داعش والقاعدة ليست مجرد أدوات سياسية، بل نتاج تراكم تاريخي طويل من الانحراف في فهم النص الديني واستغلاله للسلطة والمال والعنف. هؤلاء يقتلون الأبرياء ويقطعون الرؤوس باسم الدين، في حين أن الإسلام براء منهم كما برأ القرآن الذئب من دم يوسف عليه السلام، لكنهم يستندون إلى اجتهادات مشوهة وفهم منحرف للنصوص الدينية، ما جعل الدين أداة للقتل والبطش بدل العدالة والرحمة.

بدأ الانحراف مباشرة بعد وفاة النبي محمد ﷺ، في ما يعرف بحروب الردة، التي لم تكن نزاعات سياسية محضة، بل صراعًا على السلطة والمال اتخذ طابعًا دينيًا لتغطية القمع. القبائل التي رفضت الخضوع تعرضت للعقاب، وظهرت أولى علامات استغلال الدين كغطاء للسيطرة، وهو النمط الذي سيتكرر عبر التاريخ. مع تأسيس الدولة الأموية، اتخذ الانحراف شكلاً دمويًا واضحًا. القتل والتوسع السياسي أصبح ممارسة مألوفة تُبرر باسم الدين. استخدم معاوية بن أبي سفيان القوة لضمان استمرار حكمه، وارتكب يزيد بن معاوية مذبحة الحسين واستباح المدينة، فيما لجأ عبد الملك بن مروان والحجاج بن يوسف الثقفي إلى العنف كأداة سياسية، بما في ذلك قصف الكعبة وقطع رؤوس المعارضين. هذه الأحداث أرست تاريخًا طويلًا من تبرير العنف باسم الدين وتحويله إلى أداة للهيمنة السياسية، بعيدًا عن القيم الأخلاقية الحقيقية التي جسدها النبي ﷺ.

تزامنًا مع الانحراف العملي، بدأ الانحراف الفكري الذي أضفى بعدًا أيديولوجيًا على العنف، وبرز في الفكر التكفيري لابن تيمية، الذي أسس تيارًا يبيح القتل والتكفير باسم الدين، وأصبح لاحقًا المرجعية الفكرية للجماعات التكفيرية. محمد بن عبدالوهاب أضاف بعدًا أكثر تطرفًا، مستندًا إلى اجتهادات مشوهة بعيدًا عن روح القرآن والسنة النبوية، حتى وصل إلى تكفير أقرب المقربين منه. هذا الإرث الفكري المشوه أصبح قاعدة للجماعات الحديثة، التي تعيد إنتاج العنف الموروث مستندة إلى نصوص مزورة ومنسوبة زورًا إلى النبي ﷺ، لتصبح الدين وسيلة للقتل والقمع لا للعدل والرحمة. مواجهة الإرهاب التكفيري تبدأ من مواجهة الإرث التاريخيّ المشوه، وليس فقط مواجهة الحاضر المتشبع بالأفكار الإرهابية الموروثة.

الإسلام الحقيقي، كما جسده النبي ﷺ والإمام علي، يقوم على الرحمة والعدل وحماية حقوق الإنسان. موقف النبي مع أسامة بن زيد، الذي قتل أحد مقاتلي قريش بعد أن شهد الشهادة، يوضح أن الرحمة يجب أن تكون المقياس، لا الانتقام أو السلطة. الإمام علي، رغم صراعاته في الجمل وصفين وحرب الخوارج، حرص على حفظ حقوق المخالفين، مؤكدًا أن القوة لا تمنح الحق في ظلم الآخرين، وأن العدالة هي المقياس الحقيقي للسلطة. الإسلام الحقيقي يؤكد على حرية الاعتقاد والحق الشخصي، كما جاء في القرآن: «لا إكراه في الدين» و«لكم دينكم ولي دين»، وهو ما يضع أي محاولة لفرض تقديس أشخاص أو اعتبار أفعالهم السلطوية أمرًا من الله في خانة تحريف الدين إلى أداة بطش وجبرية.

السلف الأوائل لم يكونوا سلاطين أو جلاّدين، بل جيلًا عاش قرب النص قبل أن يتحول الحكم إلى ملك والسيف إلى أداة فقه. اختطاف اسمهم لاحقًا لتحويل الدولة الأموية أو العباسية إلى ممثل للسنة هو تزوير للتاريخ، إذ لم يكن معاوية ويزيد وعبد الملك والحجاج معيارًا أخلاقيًا، ولم يُقدَّموا كنماذج دينية حقيقية. اختزال السنة في الحدود والعقوبات دون النظر إلى روحها الأصلية من عدل ورحمة وحماية للدماء هو تحريف خطير، إذ من جعلها سوطًا وسيفًا أفرغها من جوهرها الإنساني.

الكتب التاريخية والعقائدية والحديثية ليست وحيًا، بل حصيلة روايات واجتهادات بشرية، والكثير منها يتصادم مع القرآن أو يخلّ بمقاصد الشريعة أو العقل، ومع ذلك جرى تقديسها لاحقًا، وتحويلها إلى معيار للحكم، ما أدى إلى محاسبة الناس على أساسها. الدين الذي أنزله الله لا يخاف العقل أو النقد، ولكن الخطر يكمن في تقديس الموروث وتحويل العاطفة إلى معيار للحكم بدل الحق والعدل.

التطرف المعاصر ليس مجرد ظاهرة جديدة، بل إعادة إنتاج منظمة لعنف دموي باسم الدين، مستندة إلى إرث تاريخي طويل بدأ بحروب الردة، واستمر مع الدولة الأموية والعباسية، وارتبط بالتيارات الفكرية المتطرفة لابن تيمية ومحمد بن عبدالوهاب، وصولًا إلى الجماعات التكفيرية الحديثة. مواجهة هذا التطرف لا تكون بالسلاح وحده، بل بالمعرفة، وتصحيح التاريخ، وكشف الانحرافات الفكرية، وتعليم الدين على أساس الرحمة والعدل وحماية الإنسان. الرد الحقيقي هو استعادة جوهر الإسلام النقي من أيدي من اختطفوه، وفصل الدين عن السياسة السلطوية، وإعادة الاعتبار للإسلام كمنهج حياة قائم على الإنسانية والعدالة والرحمة، بعيدًا عن تزوير السلف واختزال السنة، وحماية حرية الاعتقاد وكرامة الإنسان.

التاريخ

عن الكاتب

المزيد من
المقالات