الخليج بين نار التصعيد وإعادة تشكيل النظام الإقليمي قراءة في رسائل تركي الفيصل وحمد بن جاسم

Date

Spread the love

Reading in العربية (Arabic) | Read in English

في اللحظات التي يعلو فيها صوت المدافع ويضيق فيها هامش المناورة تميل الدول إلى الاصطفاف السريع خلف العناوين الكبرى غير أن السياسة الرصينة لا تُبنى على وقع الضجيج بل على قراءة ما يتشكل في العمق وعندما يتحدث تركي الفيصل وحمد بن جاسم بن جبر آل ثاني في خضم التصعيد المتسارع في الخليج فإن ما يصدر عنهما لا يمكن عزله عن تراكم خبرة طويلة في إدارة التوازنات المعقدة بين واشنطن وطهران وتل أبيب وعواصم المنطقة

الرسالة الأولى التي يمكن التقاطها من مداخلاتهما هي أن أخطر ما يواجه دول الخليج اليوم ليس مجرد احتمال المواجهة العسكرية المباشرة مع إيران بل خطر التحول إلى ساحة صراع بالوكالة أو إلى ورقة تفاوض في تسوية لا تكون طرفا فاعلا فيها التصعيد القائم بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى يحمل في طياته احتمالات متعددة تبدأ بضربات محدودة وتنتهي بإعادة رسم معادلات الردع في الإقليم غير أن الثابت في كل السيناريوهات هو أن الجغرافيا الخليجية ستبقى في قلب المعادلة بحكم موقعها الطاقوي والاقتصادي والأمني

حين يربط تركي الفيصل مسار التصعيد بحسابات بنيامين نتنياهو الداخلية فهو لا يختزل المشهد في شخصية سياسية بل يسلط الضوء على ظاهرة أوسع تتمثل في تداخل الأزمات الداخلية مع القرارات الاستراتيجية الكبرى فالقيادات التي تواجه انقساما داخليا حادا أو تحديات قضائية وسياسية تميل أحيانا إلى نقل مركز الثقل نحو ملف أمني خارجي يعيد توحيد الجبهة الداخلية ويعيد تعريف الأولويات الوطنية غير أن هذا النمط من السلوك يضع الإقليم بأكمله أمام قرارات قد لا تكون منسجمة مع حساباته الخاصة

ومع ذلك فإن القراءة الأكثر عمقا تقتضي الاعتراف بأن إسرائيل لا تتحرك فقط بدافع أزمة داخلية عابرة بل ضمن تصور أمني ممتد يعتبر تحجيم النفوذ الإيراني أولوية استراتيجية ثابتة هنا تكمن الإشكالية بالنسبة لدول الخليج فإذا كان الصراع بين إسرائيل وإيران جزءا من معادلة ردع طويلة الأمد فإن أي انخراط خليجي مباشر سيحوّل التوازن القائم إلى مواجهة مفتوحة ذات كلفة باهظة على البنية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي

من زاوية أخرى يبرز طرح حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني بوصفه تعبيرا عن مدرسة سياسية خليجية ترى أن إدارة المخاطر لا تعني تجاهلها بل احتواءها عبر مزيج من الردع والحوار والتوازن في التحالفات التاريخ الحديث يبرهن أن الحروب في الخليج لا تنتهي بإغلاق ملف أمني بل تفتح أبوابا لإعادة تموضع القوى الكبرى ففي كل مرة اندلع فيها صراع واسع دخلت أطراف دولية بثقل أكبر وخرجت المنطقة بترتيبات أمنية جديدة لم تكن بالضرورة نتاج إرادتها الحرة

التحليل بين السطور يقود إلى سؤال جوهري هل تمتلك دول الخليج اليوم مشروعا أمنيا جماعيا متكاملا أم أنها لا تزال تعتمد إلى حد كبير على المظلات الخارجية إن الدعوة إلى تجنب المواجهة مع إيران لا يمكن أن تنجح ما لم تُقرن ببناء منظومة ردع مشتركة داخل مجلس التعاون لدول الخليج العربية منظومة تجعل أي اعتداء مكلفا من دون أن تدفع المنطقة إلى الانزلاق نحو حرب شاملة الردع في هذا السياق ليس استعراض قوة بل بناء قدرة دفاعية وسيبرانية واستخباراتية تعزز استقلال القرار

هناك بعد آخر لا يقل أهمية وهو ما بعد التصعيد فالتجارب السابقة تشير إلى أن المواجهات الكبرى تنتهي غالبا بتفاهمات بين القوى العظمى وإذا لم تكن دول الخليج حاضرة بصوت موحد على طاولة الترتيبات فإنها قد تجد نفسها أمام نظام إقليمي جديد صيغت قواعده خارج إرادتها هذا الاحتمال هو ما يمنح كلمات الحكماء ثقلها الحقيقي فهم لا يحذرون من ضربة عسكرية بقدر ما ينبهون إلى مخاطر إعادة هندسة التوازنات بعيدا عن المصالح الخليجية

كما أن الإشارة إلى احتمال تعاظم نفوذ إسرائيل بعد انتهاء أي مواجهة ليست قراءة عاطفية بل استشراف لمسار قد يفضي إلى تثبيت دور إسرائيلي أوسع في ترتيبات الأمن الإقليمي وإذا لم تتبلور رؤية خليجية مشتركة فإن الفراغ الاستراتيجي سيُملأ حتما بقوى أخرى وفق حساباتها الخاصة

لا يدعو الخطابان إلى حياد سلبي ولا إلى انكفاء بل إلى إعادة تعريف مفهوم القوة الخليجية قوة تقوم على وحدة القرار ووضوح الخطوط الحمراء وتنويع الشراكات الدولية بما يمنع الارتهان لطرف واحد قوة تدرك أن تجنب الحرب لا يعني التخلي عن أدوات الردع وأن الانخراط في المواجهة ليس دليلا على الصلابة بل قد يكون أقصر الطرق إلى الاستنزاف

الخليج يقف اليوم أمام لحظة مفصلية فإما أن يتحول إلى فاعل استراتيجي يصوغ شروط أمنه الجماعي ويشارك في رسم ملامح النظام الإقليمي المقبل وإما أن يبقى مسرحا تتقاطع فوقه مشاريع الآخرين كلمات تركي الفيصل وحمد بن جاسم ليست مجرد تعليقات على حدث آني بل محاولة لتوجيه البوصلة نحو خيار ثالث بين الاستسلام للمواجهة والانجرار إليها خيار يبني القوة بصمت ويمنح القرار الخليجي استقلاله في زمن تتغير فيه خرائط النفوذ بسرعة غير مسبوقة

About the Author

More
articles