السوريون والعالم وخطاب الكراهية!
Spread the love

محمد برو – الناس نيوز ::

شهدت بلدان المهجر التي استقر فيها أعداد كبيرة من السوريين المهجرين من بلادهم، موجةً متنامية من خطاب الكراهية، الذي تمظهر بأشكال متباينة بدءاً من تعابير الوجه المعبرة عن السخط والغضب والازدراء، مروراً بالتنمر ومخاطبتهم بالعبارات النابية و الشتم، واعتبار المهاجرين سبب كلِّ علة تمر بها تلك المدن “مدن اللجوء”، وصولاً إلى الاعتداء عليهم وضربهم وسرقة ممتلكاتهم، وحتى طعنهم وقتلهم في العديد من الحالات .

يضاف إلى كل ذلك، تواطؤ بعض الأجهزة الأمنية أو بعبارة أدق بعض العناصر الفاسدين في تلك الأجهزة، لعدم الاستجابة للشكوى المقدمة من اللاجئ المعتدى عليه، ورفض مراجعة الكاميرات التي من شأنها أن تسجل صورة المعتدي سواء كان ضارباً أو سارقاً.

لعل من الملفت للنظر أن اللوم دائماً يقع هنا على الضحية لاستسهال النيل منه، بينما يترك الجاني الحقيقي “النظام السوري” الذي كان علة في تهجير ملايين السوريين من ديارهم، تاركين ورائهم حصيلة عمرهم مادياً ومعنوياً، هذا من جهة، ومن جهة أخرى إن خطاب الكراهية الذي يوجه إلى اللاجئين لا يجدي نفعاً، بل يزيد من تأزيم المشكلة، فاللاجئون لم يأتوا إلا مكرهين وهاربين من أوضاع إنسانية غاية في التردي والخطر، كما أنهم لا يملكون مفاتيح للحل أو التغيير، فالحل يكمن بيد الحكومات التي ترسم سياسات دخول اللاجئين وقوانين حياتهم في مدن اللجوء، ومن الواضح أن الكثير من مدن اللجوء، لم تكن مهيئة لاستقبال تلك الأعداد الكبيرة من اللاجئين.

لا يمكننا اعتبار خطاب الكراهية مفرزاً شعبياً ينتج عن تراكم انطباعات وآراء سكان تلك المدن، وإن كان هذا حاصلاً، إنما هو تجييش وتحريض وسكب للزيت على النار في مواطن الأزمات، بغرض استثماره سياسياً في الشأن الداخلي أو الخارجي، كما أن تنامي خطاب الكراهية واستثماره بهذا الشكل الممنهج، يعد ظاهرة معاصرة تسهم وسائل التواصل في تأجيجها وتحويلها من مشاعر عابرة أو ساكنة، إلى قوة جمعية توهم متابعيها أنَّ هذا الرأي الساخط يمثل الملايين، وبالتالي من الطبيعي دفعه للسطح وجعله الأزمة المحورية في حياة متابعيها، فالدولة الفاشلة في بلد ما تريد التدليس على أزماتها وفساد نخبتها السياسية، فهي تشيع أن السوريين سبب تراكم القمامة وتفشي الكورونا وزيادة نسب السرطان وأشياء أخرى من الدعاية التافهة التي تنسب الفشل لغير فاعليه ومنتجيه، وفي بلد آخر يجري استخدام السوريين مادةً للتجاذبات السياسية والصراع على استقطاب الشارع انتخابياً، كل هذا يجري عبر الترويج لسيل كبير من الأكاذيب المجافية تماماً للحقائق التي تعززها الأرقام.

كما ساهم صعود اليمين المتطرف عالمياً في تأجيج خطاب الكراهية مستغلاً سهولة الوصول الى قطاعات واسعة جداً من الجماهير عبر الإعلام المهيمن على فضاء الكوكب برمته، وقد يستخدم بآلية السخرية أو النقد أو المادة الخبرية المنتقاة والمقطوعة عن سياقها في العديد من الحالات، والتي تكرر بشكل يومي مقولات تحمل الكراهية لفئة من البشر فتتصبح بفعل التكرار مادة ببغائية يكررها المأزومون، دونما تفكير أو خشية من قانون يحاسبهم، وكثيراً ما يلعب الإعلام دور نشر خطاب الكراهية بشكل غير مباشر حين ينقله كمادة خبرية بعيدة عن أي تحيز.

ولو أعدنا النظر في تداعيات خطاب الكراهية وأصدائه، سنجد أن هذا الخطاب الذي يتسم بالموتورية ويحرض عليها، يصيب نسيج السلم الأهلي والسلام الاجتماعي بمقتل يصعب البرء منه، ولا يكفي لمواجهة هذا الخطاب التصدي له بخطاب معاكس ملؤه المحبة والسلام، لأن الإثارة التي يحملها خطاب الكراهية تجعله في موقع الصدارة من اهتمام المتابعين بينما الخطاب المواجه خطاب سكوني يتسم بالهدوء ووعود محفوفة بالأمل، تلك الوعود لم تعد ذات نفع يذكر في هذا العالم المضطرب، من هنا يمكن القول أن الواجب الأساسي، هو التزام الحكومات أولاً باجتراح وتطوير القوانين التي تجرم وتدين وتعاقب مرتكبي خطاب الكراهية، كونهم يلوثون فضاء الاجتماع الإنساني ويحيلونه لساحة تنازعات لا تنتهي، سيما أن أصحاب خطاب الكراهية مبدعون ومتفننون في ابتكاره بألوان يصعب حصرها.

ومن المهم بمكان قيام مؤسسات المجتمع المدني والإعلام وقادة الرأي بالاطلاع بمسؤولياتهم تجاه هذه الموجة، التي تضاعف حجم العنف الممارس في أوساط الناس العاديين الأمر الذي يعني مزيداً من العنف والعنف المضاد، وولادة لغة ستبقى محفورة في ذاكرة الألم والمعاناة لملايين المهاجرين.

نشهد اليوم حركة جديدة في بعض مراكز البحث، تعتمد على توظيف الذكاء الصناعي في تتبع خطاب الكراهية الساري عبر الإنترنت، وفي شبكات التواصل مثل الفيس بوك والتويتر وغيرها كثير، ويدهشك في كل يوم ذلك الكم الهادر، من عبارات تغذي الكراهية وتنمط الآخر بشكل تعسفي، لتبرر النظر اليه باستعلاء وبالتالي مخاطبته بلغة الكراهية، ويمكن للقائمين على هذه الشبكات التحكم في نشر هذه الخطاب، لكننا بهذا سننتقل من مشكلة خطاب الكراهية الى مشكلة تقييد الحريات وستبقى هذه الجدلية قائمة بين حل لمشكلة مستعصية، وما ينجم عن هذا الحل من مشكلات جديدة.

لكن بالرغم من قتامة المشهد، وذلك الخطر الذي ينذر به صعود ظواهر العنف ومفاعيل خطابات الكراهية، إلا أن النظرة البانورامية للمشهد، في جميع المدن التي يعاني فيها السوريون من خطاب الكراهية ومنعكساته المباشرة، ما تزال تؤكد أن الغالبية العظمى من الناس، لم يلتاثوا بهذه النزعات العنفية، وما يزالون يتعاملون بتعاطف إنساني مع السوريين بوصفهم ضحايا نظام مجرم.

The post السوريون والعالم وخطاب الكراهية! first appeared on الناس نيوز.

التاريخ

المزيد من
المقالات