اللحظة التي اختار فيها الرئيس المنفي الشيخ الدكتور الصلابي لتولي منصب مستشار ملف المصالحة في ليبيا ليست لحظة عابرة ولا مجرد خطوة إدارية، بل هي إعلان صامت لدخول ليبيا مرحلة جديدة في إدارة أزمتها العميقة، مرحلة تتجاوز منطق الاستنزاف والصراع المستمر إلى منطق الحلول العملية، والفهم الدقيق للديناميات الاجتماعية والسياسية التي تشكل أساس أي مصالحة ناجحة. الصلابي اليوم ليس مجرد شخصية سياسية أو مستشار رمزي، بل هو شخصية فكرية واستراتيجية متكاملة، تجمع بين خبرة طويلة في دراسة المراجعات الفكرية، وفهم معمق للتركيبة الاجتماعية الليبية، وبين قدرة استثنائية على تحويل الرؤية إلى خطوات عملية قابلة للتنفيذ على الأرض. إن اختياره في هذه اللحظة ليس صدفة، بل تعبير عن إدراك بأن ليبيا تحتاج إلى شخصية تستطيع الجمع بين العقلية الوسطية، والعمق الفكري، والاستراتيجية الواقعية، وهو ما يجعل الصلابي الأقدر على قيادة مسار المصالحة الذي طالما تعثر في ليبيا.
الصلابي يمتلك مكانة فكرية رصينة تجعل منه مرجعية يمكن الاعتماد عليها في معالجة التوترات السياسية والاجتماعية. ففكره يجمع بين المدرسة الوسطية في التعاطي مع القضايا المعقدة وبين القدرة على التطبيق العملي، وهو ما يمنحه قدرة على صياغة حلول تتجاوز الخطاب النظري لتصبح قابلة للتطبيق على الأرض. هذا المزيج بين الفكر والعمل هو ما يميز الصلابي عن أي شخصية أخرى في المشهد الليبي، حيث أن المصالحة ليست مجرد شعارات أو اجتماعات دبلوماسية، بل مشروع يحتاج إلى معرفة دقيقة بالتركيبة الاجتماعية، وبالعلاقات التقليدية بين المجتمعات، وبالديناميات الداخلية التي تحدد سلوك الأطراف المختلفة. إن القدرة على فهم هذه العوامل وتحليلها بموضوعية تمكن الصلابي من بناء جسور الثقة والتواصل بين الأطراف المتباينة، وهو ما لم يحققه أي وسيط آخر في ليبيا لعقود طويلة.
خبرة الصلابي في مراجعات الفكر تعطيه بعدًا إضافيًا لمجال الوساطة التقليدية. فهو يمتلك قدرة استثنائية على إعادة قراءة النصوص والمواقف، وتحليلها بطريقة تمكّنه من تقديم رؤى وسطية وواقعية تتماشى مع المعطيات الحالية. هذه المراجعات الفكرية ليست نشاطًا أكاديميًا فحسب، بل أداة عملية تساعد في تقريب وجهات النظر، وفهم جذور النزاع، واستشراف السبل الممكنة لتفكيك الصراعات المعقدة. وهو ما يمنحه ميزة في التعامل مع التحديات السياسية والاجتماعية التي تواجه ليبيا، حيث تتشابك المصالح الإقليمية والمحلية وتتداخل معها الحسابات الشخصية للأطراف المختلفة. ومن هذا المنطلق، يصبح دوره أكثر من مجرد وساطة، بل قيادة عملية للفكر السياسي العملي القادر على تحويل المبادئ إلى خطوات قابلة للتطبيق، وبناء أسس مستدامة للمصالحة.
الصلابي يمتلك أيضًا امتدادًا إقليميًا يسمح له بلعب دور محوري في تعزيز المصداقية لأي مسار سياسي. فهو يعرف طبيعة التحولات الإقليمية وكيفية توظيفها لدعم الاستقرار في ليبيا، ويستطيع التنقل بين دول الجوار والمجتمع المغاربي بطريقة تجعل حضوره غير استفزازي، وتمنح أي مسار مصداقية لدى اللاعبين الإقليميين. هذا البعد الإقليمي مهم بشكل خاص في ظل التحولات الحالية، حيث تسعى السعودية لصناعة الاستقرار في المنطقة، وتسعى مصر لتبني منطق التهدئة الاستراتيجية، وتعيد تركيا وقطر توجيه استثماراتها نحو التسويات، ما يجعل وجود شخصية متوازنة مثل الصلابي أمرًا محوريًا لترجمة هذه الديناميات إلى واقع عملي يتيح تحقيق المصالحة على أرض ليبيا.
إضافة إلى ذلك، فهم الصلابي العميق للتركيبة الاجتماعية الليبية يجعله قادرًا على التعامل مع جميع المكونات الاجتماعية والسياسية، بدءًا من القبائل والمجتمعات المحلية وصولًا إلى الأطراف السياسية المسلحة والمدنية. فهو يدرك أن ليبيا ليست مجرد مؤسسات رسمية، بل شبكة معقدة من العلاقات والتفاعلات الاجتماعية التي تشكل الأساس لأي حل دائم. وبتحليل هذه الشبكات واستثمار نقاط التلاقي بينها، يستطيع الصلابي تحويل المصالحة من مفهوم نظري إلى مشروع عملي قادر على الاستمرار والنجاح. هذا الفهم العميق للواقع الداخلي، المدموج بالخبرة الفكرية والإقليمية، يجعل أي مسار مصالحة يقوده الصلابي أكثر مصداقية وأكثر قابلية للتنفيذ، ويمنحه فرصة لتجاوز العقبات التي أعاقت جهود الوساطة السابقة.
دوره يتعدى الوساطة إلى إعادة تعريف مفهوم المصالحة في ليبيا. فهو يقدم نموذجًا يجمع بين الرؤية الفكرية الاستراتيجية والقدرة العملية على التنفيذ، مما يجعله قادرًا على تحويل المبادرات النظرية إلى خطوات عملية ملموسة على الأرض. المصالحة، في ظل قيادته، لا تصبح مجرد شعارات تُرفع أو اجتماعات تُعقد، بل مشروعًا يهدف إلى إعادة تركيب المشهد الليبي وفق أدوات سياسية وفكرية متكاملة، قادرة على إعادة الثقة بين الأطراف، والحد من منطق الهيمنة والغلبة الذي سيطر على البلاد لعقود.
الصلابي أيضًا يمتلك قدرة فريدة على قراءة المشهد الدولي والإقليمي واستثمار التحولات لصالح ليبيا. إنه قادر على الربط بين التحولات الإقليمية والفعل المحلي، بحيث تصبح المصالحة جزءًا من تصور أوسع لإعادة الاستقرار في المنطقة. هذه القدرة على دمج البعد الداخلي مع الديناميات الإقليمية تمنحه ميزة استراتيجية لا تتوفر لكثير من الوسطاء، وتمنح أي مسار يقوده فرصة أعلى للنجاح والاستمرار. وفي هذا السياق، يصبح الصلابي أكثر من مجرد مستشار، بل شخصية استراتيجية قادرة على تحويل التحولات الإقليمية إلى أدوات عملية لتحقيق الاستقرار الداخلي.
الصلابي، بعمقه الفكري، وخبرته الطويلة في المراجعات الفكرية، وفهمه المعمق للتركيبة الاجتماعية والسياسية في ليبيا، وقدرته على التعامل مع الأطراف الإقليمية، يقدم نموذجًا جديدًا لقيادة المصالحة في بلدان الصراعات المعقدة. إنه يجمع بين الوسطية الفكرية، والحكمة العملية، والرؤية الاستراتيجية، ويستطيع توجيه الجهود نحو بناء دولة قادرة على استعادة مكانتها ووظيفتها الوطنية، بعيدًا عن منطق الصراع المستمر والفوضى الذي عصف بليبيا لعقود. وبفضل هذه المقومات، يصبح الصلابي الخيار الأمثل والأكثر قدرة على قيادة ليبيا نحو مستقبل مستقر ومستدام، حيث تتحول الرغبة في الاستقرار من شعار نظري إلى واقع ملموس على الأرض، ويمكن للأطراف كافة أن تبني عليه خطوات عملية تجاه السلام والمصالحة الحقيقية.

