في سياق ازمة لبنان الاقتصادية وتداعياتها المالية والنقدية منذ العام 2019، لا بد من التوقف عند التقرير الأخير للـبنك الدولي World Bank (8 أيار 2023) المتعلق بالأمن الغذائي، والذي تصّدَر فيه لبنان لائحة الدول الأكثر تضخماً لجهة الأسعار المحلية للمواد الغذائية. وقد بلغت نسبة تضخم الأسعار الاسمية للمواد الغذائية في لبنان 352 % (على أساس سنوي) متقدماً على فنزويلا بما يُقارب الــ 200 نقطة وعلى الأرجنتين بما يزيد على 240 نقطة وعلى زيمبابوي بــ 250 نقطة. ولعل ما يُفسر هذا الارتفاع الانهيار المتمادي للعملة الوطنية التي خسرت ما يزيد على 85% من قوتها الشرائية.
وكان موقع “Numbeo.com” للإحصاءات، صنف بيروت كأغلى مدينة عربية للسنة الثانية على التوالي وفي المرتبة الـ 46 عالمياً للعام 2023، بعد مقارنة مستوى الأسعار فيها وفي غيرها من مدن العالم بمثيلاتها في مدينة نيويورك الاميركية. وقد بلغ مؤشر كلفة المعيشة في بيروت 80.30 نقطة أي أنّها تقل بنسبة 19,70% فقط عن نيويورك. اما مؤشر نوعية الحياة للعام 2023 فقد حلّت بموجبه بيروت في المرتبة 240 من بين 242 مدينة في العالم، والأخيرة ضمن المدن العربيّة المشمولة بالمؤشّر الصادر ايضاً عن الموقع عينه وبنتيجة 56.80 نقطة.
ويأتي هذا التصنيف في وقتٍ يُعاني فيه اللبنانيون من انهيار عملتهم الوطنية وتدني القوة الشرائية لذوي الدخل المحدود وخاصة موظفو القطاع العام وغيرهم من الموظفين، ويدل على تفاقم الواقع الاقتصادي المأزوم الذي تعاني منه معظم شرائح المجتمع اللبناني. سيما وأنّ غلاء أسعار السلع والخدمات او التضخم يترافق غالباً مع الازدهار الاقتصادي الذي يؤدي الى زيادة الطلب، الا أنّ الغلاء في لبنان يزداد ويترافق مع ركود تضخمي Stagflation من دون ان تعرف قطاعات الإنتاج في الاقتصاد اللبناني الازدهار الذي يسبق عادةً حالة الركود ما فاقم من أزمتها.
ومؤخراً، عانت معظم دول العالم من ارتفاع تكاليف المعيشة وارتفاع أسعار السلع والخدمات، وكانت جائحة كورونا قد تسببت بانكماش اقتصادي لم تنجُ منه دولة من دول العالم. وما كاد الاقتصاد العالمي يتخفف من أعباء كورونا وتبعاتها الاقتصادية ويستعيد انطلاقته، حتى اندلعت الحرب الروسية الأوكرانية التي انعكست على أسعار المواد الغذائية لما تُشكله الدولتان من مصدر رئيسي للقمح وغيره من المواد الغذائية، كما ساهم ارتفاع أسعار النفط والغاز في ارتفاع كلفة النقل التي بدورها زادت من غلاء السلع عامةً والسلع الغذائية بشكلٍ خاص.
وتجدر الاشارة الى انها ليست المرة الأولى التي تكون فيها بيروت بين المدن الأكثر غلاءً في العالم فقد حلت في المرتبة 63 عالمياً والـــ 5 إقليمياً في قائمة أغلى مدن العالم التي ضمت 143 مدينة على مستوى العالم و15 مدينة على مستوى المنطقة، وذلك بحسب تقرير لموقع Mercer Human Resource Consulting في العام 2007. وفي تقرير الموقع للعام 2008 حلت بيروت في المرتبة الـ 80 على مستوى العالم والــ 7 في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، لتحل في المركز 41 عالمياً والــ 7 إقليمياً وفق المؤشر نفسه في تقرير العام 2009.
وبالعودة الى مؤشر كلفة المعيشة للعام 2023 بحسب تقرير موقع Numbeo.com للإحصاءات المشار اليه أعلاه، فإن تكلفة السلع الاستهلاكية في بيروت هي أعلى من تلك السائدة خلال نفس الفترة في مدينتي سان فرنسيسكو وأوكلاند في الولايات المتحدة الأميركية، وأوسلو عاصمة النرويج وهي الأعلى بين المدن العربية جمعاء. فيما هي أقلّ كلفة من أسعار السلع الاستهلاكية في سانتا باربرا ومدينة نيويورك في الولايات المتحدة الأميركية، وناسو عاصمة جزر البهاماس.
وسجلت بيروت بحسب هذا التقرير نتيجة تعادل الــ 91.40 نقطة، وهو ما يعني أن أسعار السلع الاستهلاكية في بيروت هي أدنى بنسبة 8.60 % فقط من تلك في مدينة نيويورك، وعلى 48.60 في مؤشر أسعار المطاعم أي أنّ كلفة أسعار المطاعم في بيروت تقل بنسبة 51.40 % عما هي عليه في نيويورك، وعلى 10.10 في مؤشّر القدرة الشرائيّة ما يعني أنّ القوة الشرائيّة في بيروت هي أقل بنسبة 89.90 % من القدرة الشرائيّة في نيويورك.
وبغض النظر عن موقع بيروت بين المدن الاغلى في العالم والاغلى بين المدن العربية، يأتي مؤشر القدرة الشرائية في بيروت المشار اليه اعلاه ليعكس عمق الازمة الاقتصادية التي يُعاني منها لبنان باسره وليس عاصمته بيروت وحسب. مما يستوجب التوقف عند الأسباب التي أدت وتؤدي الى ارتفاع أسعار السلع والخدمات، خاصةً وأنّ ارتفاع الأسعار المحلية لم تُساهم في تشجيع الإنتاج لتلبية الطلب المحلي على السلع لا بل حرمت الاقتصاد الوطني من فرص توسيع الاستثمارات الإنتاجية الهادفة للتصدير.
ومن أسباب ارتفاع الأسعار، نظام الاحتكارات والوكالات الحصرية وحمايتها الذي عزّز من ارتفاع أسعار السلع المستوردة الاستهلاكية منها والوسيطة، الامر الذي رفع من كلفة الإنتاج الصناعي اللبناني، ما جعله غير قابل للتصدير وغير قادر على مزاحمة السلع الشبيهة المستوردة. والقطاع الزراعي ليس أفضل حالاً من الصناعة، فالأدوية الزراعية والبذور وغيرها من المستلزمات الزراعية تخضع لنظام الاحتكار الذي رفع من كلفة الإنتاج ورفع أسعار منتجاتها. وبحسب بعض التقديرات، فإن البنى الاحتكارية ترفع كلفة المعيشة في السوق اللبنانية بنسبة 30 بالمئة إضافية.
كما ساهمت السياسات المالية والنقدية منذ بداية التسعينيات التي هدفت الى جذب الودائع، في رفع مستوى أسعار السلع والخدمات بشكلٍ متسارع حيث لعبت أسعار الفائدة المرتفعة دوراً محورياً في ارتفاع أسعار السلع والخدمات سيما وأن الفائدة تُشكل كلفة رأس المال الى جانب غيرها من تكاليف انتاج السلع او الخدمات. وحالت أسعار الفائدة المرتفعة دون الصناعيين من الحصول على الرساميل المناسبة لتوسيع استثماراتهم، فيما انعكست مزيداً من الارتفاع في أسعار منتجات الصناعيين الذين تمكنوا من الاقتراض وخفض من قدرة منتجاتهم على المنافسة في الأسواق المحلية والأجنبية.
وكان لتثبيت سعر صرف العملة الوطنية تجاه الدولار الأميركي في بداية التسعينيات دوره في تحسّن سعر الصرف الحقيقي للعملة اللبنانية، في الوقت الذي كان سعر الدولار الأميركي يتراجع في مقابل باقي العملات العالمية ويتسبب بارتفاع الأسعار المحلية. مما ساعد على التوسع بسياسات التسليف الاستهلاكي التي ساهمت بدورها في ارتفاع الاستهلاك الداخلي الامر الذي شكل سبباً اضافياً لارتفاع أسعار السلع والخدمات.
وعلى الرغم من أنّ ارتفاع الأسعار الحقيقية في لبنان والذي بلغت نسبته الــ 89 % (على أساس سنوي) بحسب تقرير البنك الدولي حول الامن الغذائي المشار اليه أعلاه، يعود في جانب منه الى ارتفاع الأسعار على مستوى العالم اجمع، الا أن مقارنة تغير الأسعار الحقيقية يدل على ارتفاع في الأسعار الحقيقية في لبنان تُقارب ثلاثة اضعاف الارتفاع الذي شهدته كل من راوندا (32%) ومصر (30%). والفارق في ارتفاع الأسعار الحقيقية في لبنان تؤكد حالة الفوضى التي تسيطر على السوق اللبناني ومستوى الأرباح المتفلتة والبعيدة كل البعد عن الربح المشروع.
وبينما اعتبر وزير الاقتصاد أنّ دولرة أسعار السلع الاستهلاكية تُساعد على انضباط الأسعار بفضل المنافسة بين التجار والمؤسسات التجارية، استمرت الفروقات في أسعار السلع في ظل غياب دور وزارة الاقتصاد وجهاز حماية المستهلك. كما أن أسعار الخدمات ليست أفضل حالاً من السلع، وبعد أن شهدت أسعار الخدمات زيادات خجولة خلال العامين الماضيين عاودت أسعار الخدمات ارتفاعها الى المستويات التي كانت عليها قبل الازمة بل وأكثر. وها هي المدارس والجامعات الخاصة تعود الى معدل الأقساط السابق للازمة وكذلك المستشفيات والمنتجعات وحتى المهن اليدوية.
وكان يُمكن أن تُشكل الازمة الاقتصادية التي يُعاني منها لبنان واللبنانيين فرصةً لإعادة هيكلة الاقتصاد الوطني وترجيح كفة القطاعات الإنتاجية وزيادة مساهمتها في الدخل الوطني، خاصةً وأنّ العوامل الاقتصادية التي حالت دون نمو القطاعات الإنتاجية انخفض تأثيرها على كلفة الإنتاج لا سيما منها الرواتب والأجور وسعر الفائدة. غير أن عجز الحكومة عن معالجة أسباب الازمة الاقتصادية وتقاعسها في وضع خارطة طريق لمستقبل الاقتصاد الوطني، يحرم لبنان من فرص النهوض ويهدد ليس مستوى الأسعار وحسب بل يُعمق الازمة ويجعل الحلول صعبة المنال.


