لم تكن صافرة البداية هي اللحظة الأولى في مباراة المغرب وجزر القمر، فقد سبقها بدقائق مشهد أبلغ من أي هدف، حين وقف ولي العهد الأمير مولاي الحسن على أرضية ملعب الأمير مولاي عبد الله تحت غزارة المطر يصافح اللاعبين واحدًا واحدًا ويتحدث إليهم ويتقاسم معهم لحظة إنسانية نادرة في افتتاح بطولة قارية. لم يكن الأمر مجرد بروتوكول، بل رسالة صامتة مفادها أن هذه البطولة تُفتتح من الميدان لا من المنصة، وأن المغرب حاضر بكامل ثقله بقيادته وتنظيمه وجمهوره.

وعندما سدد ولي العهد الكرة معلنًا انطلاق مباريات كأس أمم إفريقيا، لم تكن مجرد لقطة أرشيفية ستُعرض لاحقًا، بل إعلانًا رمزيًا بأن البطولة بدأت بوعي وموقف، حيث لم يتراجع الملعب عن إيقاعه ولم يتراجع المنتخب عن فكرته، والمطر لم يمنع أحدًا من الصمود.

داخل الملعب، عرف المنتخب المغربي أن الافتتاح لا يُربح بالعاطفة وحدها، فالشوط الأول اتسم بالتسرع وضاعت فيه ركلة جزاء، وفرض دفاع جزر القمر المنظم الصلابة على هجمات المنتخب، ما أجبره على الصبر وإعادة ترتيب أفكاره، ليس ضعفًا بل ثقل افتتاح البطولة حيث تكون الرغبة في التسجيل أكبر من المساحة المتاحة للتفكير. ومع بداية الشوط الثاني، تغيّر كل شيء بهدوء، ارتفع التركيز أكثر من الصوت، زاد الضغط، تحركت الأطراف، وتحرر الوسط، إلى أن جاء هدف إبراهيم دياز في الدقيقة 55 نتيجة طبيعية لفكرة لم تتغير، ثم تبعه الهدف الثاني عبر أيوب الكعبي ليؤكد أن الانتصار لم يكن مستعجلًا بل محسوبًا بدقة.

النتيجة معروفة، فوز مغربي بهدفين دون رد، لكن ما لا تقوله الأرقام هو أن المباراة كانت اختبارًا للهوية أكثر من كونها اختبارًا للنقاط، اختبارًا للصبر بعد ركلة جزاء ضائعة، وللثقة أمام خصم عنيد، وللتعامل مع ضغط افتتاح بطولة على أرض الوطن، والمغرب بهدوء نجح. أما الجمهور تحت المطر، فلم يكن المطر سببًا للتذمر بل جزءًا من التجربة، حضر مبكرًا، صمد، وشجع بلا انتظار فرجة سهلة، وهنا تصبح الجملة طبيعية: نحن مع المغرب، ليس لأننا فزنا، بل لأن الطريقة كانت مقنعة.

لم تكن المباراة مثالية ولا بداية استعراضية، لكنها كانت بداية صادقة تشبه ما قدّمه حفل الافتتاح، هدوء وتنظيم ورسائل تُقال بلا ضجيج، وتحت المطر ومع أول كرة بدأ المغرب كأسه الإفريقية، والأهم أنه بدأها على طريقته، برمزية صامتة أولى كتبها ولي العهد قبل أي صافرة.



