حرية الاعتقاد في الإسلام: حين يتقدّم النص على السلطة
Spread the love

في عالم يشهد تصاعدًا مقلقًا في تسييس الهويات الدينية، غالبًا ما يُستدعى الإسلام في النقاشات الدولية بوصفه إشكالية مرتبطة بالحريات، لا إطارًا لها. هذا التصور، الذي ترسّخ عبر عقود من الممارسات السلطوية والخطابات المتطرفة، يتجاهل حقيقة تاريخية ونصية أساسية: أن الإسلام، في نصوصه المؤسسة وتجربته السياسية الأولى، قدّم أحد أقدم النماذج القانونية لاحترام حرية الاعتقاد والضمير في المجال العام.

القرآن، بوصفه النص المرجعي الأعلى في الإسلام، لم يربط الإيمان بالقسر، بل جعله فعلًا إراديًا خالصًا. المبدأ القاطع القائل: «لا إكراه في الدين» ليس شعارًا أخلاقيًا فضفاضًا، بل قاعدة تشريعية صريحة، تنزع عن السلطة السياسية أي حق في فرض القناعات الدينية. وفي سياق آخر، يضع النص القرآني حدودًا واضحة لدور الدولة الدينية حين يخاطب النبي نفسه بالسؤال الاستنكاري: «أفأنت تُكره الناس حتى يكونوا مؤمنين؟». الدلالة السياسية هنا عميقة: حتى أعلى سلطة دينية في الإسلام لا تملك تفويضًا بإكراه الضمائر.

هذا الفهم لم يبقَ حبيس النص، بل تُرجم إلى ممارسة سياسية مبكرة. فعند تأسيس الدولة في المدينة المنورة، صاغ النبي محمد ما يُعرف بـ«وثيقة المدينة»، وهي عقد سياسي–اجتماعي متقدم بمعايير عصره، اعترف بتعدد الانتماءات الدينية داخل الكيان السياسي الواحد، ومنح الجماعات غير المسلمة حقوقًا قانونية كاملة، وربط المواطنة بالالتزام العام، لا بالعقيدة. لم تكن الوثيقة إعلان تسامح أخلاقي، بل تأسيسًا لدولة تقوم على التعدد المنظم، لا الهيمنة الدينية.

هذا المسار استمر في التجربة الإسلامية اللاحقة. فعندما دخل الخليفة عمر بن الخطاب القدس في القرن السابع الميلادي، لم يتعامل معها كمدينة مغلوبة، بل كفضاء ديني متنوع يحتاج إلى ضمانات قانونية. العهدة العمرية، التي أمّنت المسيحيين على كنائسهم وأموالهم وحرية عبادتهم، تمثل وثيقة سياسية تُدرّس اليوم بوصفها نموذجًا مبكرًا لحماية الأقليات الدينية في ظل سلطة مركزية قوية. اللافت هنا أن هذه الضمانات قُدمت من موقع القوة، لا الضعف، ما ينفي الحجة القائلة إن احترام الحريات نتاج توازنات اضطرارية.

الأهم من ذلك، أن الفكر السياسي الإسلامي قدّم، عبر شخصيات مثل علي بن أبي طالب، تصورًا متقدمًا لمفهوم المواطنة الأخلاقية. علي، الذي واجه معارضة دينية مسلحة، رفض تجريد خصومه من حقوقهم المدنية أو الدينية، وأرسى مبدأً شهيرًا مفاده أن البشر إما شركاء في العقيدة أو نظراء في الإنسانية. هذه العبارة، التي تتردد اليوم في أدبيات حقوق الإنسان، قيلت في سياق سياسي عملي، لا تنظيري، وتعكس فهمًا للدولة باعتبارها حارسة للعدل لا أداة للإقصاء.

غير أن المفارقة الكبرى تكمن في أن هذا الإرث النصي والتاريخي جرى تهميشه في الممارسة المعاصرة، سواء من قبل أنظمة سلطوية استخدمت الدين لتبرير القمع، أو جماعات متطرفة حوّلت النصوص إلى أدوات إقصاء وعنف. والنتيجة أن الإسلام، في الوعي العالمي، بات يُقاس بتصرفات من صادروا حرياته الأساسية، لا بمبادئه المؤسسة.

إعادة إدماج الإسلام في النقاش العالمي حول الحريات لا تتطلب إعادة تفسير قسرية للنصوص، بل العودة إليها بصدق. فحرية الاعتقاد في الإسلام ليست منحة من الدولة، ولا تنازلًا ظرفيًا، بل حق أصيل سابق على السلطة. والدولة التي تنتهك هذا الحق، حتى وإن رفعت شعارات دينية، إنما تخرج عن جوهر المرجعية التي تدّعي تمثيلها.

في زمن تتقاطع فيه الأسئلة حول الهوية، والسيادة، وحقوق الإنسان، قد يكون من الضروري إعادة قراءة الإسلام لا بوصفه «استثناءً حضاريًا»، بل كجزء من التاريخ العالمي للأفكار السياسية التي سعت، مبكرًا، إلى تنظيم التعدد وحماية الضمير الفردي من تغوّل السلطة.

التاريخ

عن الكاتب

المزيد من
المقالات